تواجه جماعة الإخوان الإرهابية مرحلة جديدة تتزايد خلالها الضغوط المحيطة بها على المستويين الخارجي والداخلي، في ظل تغيرات متلاحقة في المواقف القانونية والسياسية بعدد من الدول الغربية، بالتزامن مع استمرار حالة الانقسام والصراع بين مراكز قيادية داخل التنظيم على النفوذ والموارد ومسارات التحرك خلال المرحلة المقبلة.
وتتزامن هذه التطورات مع تراجع المساحات التي تحركت خلالها شبكات مرتبطة بالجماعة على مدار سنوات، خاصة في بعض المجالات المدنية والخيرية والطلابية، وسط ارتفاع مستوى التدقيق في طبيعة العلاقات بين المؤسسات والشخصيات والشبكات التي يُشتبه في ارتباطها بالتنظيم.
تضييق متزايد على شبكات الحركة في الخارج
خلال السنوات الماضية، اعتمدت جماعة الإخوان الإرهابية على تقديم جانب كبير من نشاطها الخارجي من خلال أطر مدنية وحقوقية وخيرية، بما أتاح لشبكاتها التحرك داخل مجتمعات مختلفة تحت عناوين العمل المجتمعي والدفاع عن الحقوق والحريات.
إلا أن هذه المساحات أصبحت أكثر تعرضا للتدقيق، مع تنامي الاهتمام بطبيعة العلاقات التنظيمية والمالية بين بعض الكيانات والأفراد والشبكات، وهو ما انعكس على قدرة عدد من هذه الدوائر على العمل بالمرونة نفسها التي تمتعت بها خلال فترات سابقة.
وتشير التطورات المتلاحقة إلى أن التعامل مع شبكات الجماعة لم يعد يقتصر على الخطاب السياسي، وإنما امتد إلى جوانب قانونية ومالية وتنظيمية، مع زيادة التدقيق في مصادر التمويل، وطبيعة التحويلات المالية، والروابط بين الكيانات التي تنشط في مجالات مختلفة.
ضغوط قانونية ومالية تعيد تشكيل المشهد
التحولات الجارية في عدد من الدول الغربية تمثل ضغطا إضافيا على الشبكات المرتبطة بالجماعة، خصوصا مع تزايد إجراءات الفحص والمراجعة بشأن بعض المؤسسات والكيانات والأشخاص الذين تدور حولهم شبهات ارتباط أو تعاون مع دوائر تنظيمية تابعة للإخوان الإرهابية.
ولا تتوقف تداعيات هذه الإجراءات عند الجانب القانوني، إذ يمكن أن تمتد إلى قدرة تلك الشبكات على الحصول على التمويل وإدارة الموارد وتوسيع النشاط، فضلا عن صعوبة الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع المؤسسات والدوائر السياسية والمدنية.
ويؤدي تضييق قنوات التمويل والحركة إلى زيادة الضغوط على التنظيم، الذي اعتمد في جزء من نشاطه الخارجي على شبكة واسعة من المؤسسات والأفراد والواجهات المدنية، ما يجعل أي تشدد في قواعد الرقابة المالية والقانونية عاملا مؤثرا في قدرته على الاستمرار بنفس الآليات السابقة.
صراع داخلي على القيادة والنفوذ
وبالتوازي مع الضغوط الخارجية، تستمر الخلافات داخل جماعة الإخوان الإرهابية، وسط تعدد مراكز القرار وتباين الرؤى بشأن القيادة وإدارة التنظيم والموارد وطريقة التعامل مع التطورات السياسية.
وتتركز الخلافات بين جبهات ومجموعات قيادية مختلفة، من بينها جبهة لندن وجبهة إسطنبول، إلى جانب تيار شبابي يسعى إلى تجاوز البنية القيادية التقليدية وطرح مسار مختلف لإدارة التنظيم.
ويعكس تعدد هذه المراكز حالة من الصراع على النفوذ، لا سيما في ظل تراجع قدرة التنظيم على إنتاج موقف موحد تجاه القضايا السياسية والتنظيمية، وهو ما يزيد من صعوبة اتخاذ قرارات جماعية وإدارة الملفات الخارجية والمالية.
جبهة لندن في مواجهة جبهة إسطنبول
تسعى جبهة لندن إلى الحفاظ على حضورها وعلاقاتها السياسية في الغرب، والاستفادة من القنوات التي تمكنت الجماعة من بنائها خلال السنوات الماضية، بينما تتمسك جبهة إسطنبول بقيادات وهياكل تقليدية ترى ضرورة الحفاظ على قدر كبير من البنية التنظيمية القديمة.
وفي المقابل، يدفع تيار التغيير باتجاه إعادة صياغة طريقة إدارة التنظيم، مع الاعتراض على استمرار الهيكل القيادي التقليدي، والدعوة إلى منح العناصر الشابة مساحة أكبر في صناعة القرار.
وتحولت هذه الخلافات من مجرد تباينات داخلية إلى صراع أكثر وضوحا حول مستقبل التنظيم، ومن يملك حق تحديد أولوياته السياسية والتنظيمية، وكيفية إدارة موارده وشبكاته الخارجية.
تعدد مراكز القرار يضعف التنظيم
أدى استمرار الانقسام إلى ظهور حالة من تعدد مراكز القرار، الأمر الذي يحد من قدرة جماعة الإخوان الإرهابية على صياغة استراتيجية موحدة للتعامل مع المتغيرات المحيطة بها.
كما انعكست الخلافات على إدارة الملفات المالية والسياسية والإعلامية والتنظيمية، في ظل محاولة كل جبهة الحفاظ على نفوذها وتعزيز حضورها داخل شبكات التنظيم.
وتزداد صعوبة هذا الوضع مع الضغوط الخارجية المتصاعدة، إذ تحتاج الجماعة إلى قدر كبير من التنسيق الداخلي لمواجهة التحولات القانونية والسياسية، بينما تعمل الجبهات المتنافسة وفق حسابات مختلفة، ما يضاعف حالة الارتباك ويعمق الخلافات.
مرحلة مختلفة عن العقود السابقة
وتضع الضغوط القانونية والمالية الخارجية، بالتزامن مع الانقسامات الداخلية، جماعة الإخوان الإرهابية أمام واقع مختلف عن المراحل السابقة، بعدما أصبحت شبكاتها الخارجية أكثر تعرضا للتدقيق والمراجعة.
كما أن تراجع بعض المساحات التي سمحت للجماعة بالتحرك عبر المؤسسات المدنية والخيرية والجامعات، إلى جانب الصراع على القيادة والموارد، يفرض تحديات كبيرة أمام قدرتها على الحفاظ على شبكات النفوذ التي بنتها على مدار عقود.
ومع استمرار الضغوط وتعدد مراكز القرار، تبدو الجماعة أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على الحفاظ على تماسكها التنظيمي، وإدارة مواردها، والحفاظ على قنوات تحركها الخارجية، في وقت تتراجع فيه المساحات التقليدية التي استفادت منها خلال السنوات الماضية.