لم تكن السرية في تاريخ جماعة الإخوان الإرهابية مجرد حيلة مؤقتة للهروب من الملاحقة، وإنما ارتبطت منذ وقت مبكر بطريقة بناء التنظيم وإدارة أعضائه والمعلومات المتداولة داخله، فقبل أن تظهر تعبيرات مثل «الخلايا» و«الأسماء الحركية» في أدبيات التنظيمات الحديثة، عرف الإخوان بناء تنظيميا يقوم على دوائر محدودة المعرفة، وتدرج في المسؤوليات، وأعضاء لا يعرف بعضهم بالضرورة الصورة الكاملة لما يجري داخل التنظيم.
«النظام الخاص».. البداية الأكثر وضوحا
تكشف الكتابات التاريخية عن أن الجماعة أنشأت في أربعينيات القرن الماضي ما عرف باسم «النظام الخاص»، وهو جهاز شديد السرية ارتبط بقيادات مثل عبد الرحمن السندي، بينما كان محمود عبد الحليم من الشخصيات التي شاركت في تأسيسه وفقا لما أورده في كتابه «الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ».
والأهم في هذه الشهادة أن السرية لم تكن تفصيلا ثانويا، فعبد الحليم تحدث عن تأسيس الجهاز على أسس عسكرية، مع التأكيد على إحاطته بالسرية، وهنا تظهر الفكرة الأساسية: الجماعة لم تكتف ببناء تنظيم دعوي معلن، وإنما أنشأت داخله مستوى أكثر انغلاقا، له قواعده ودوائره ووسائل اتصاله الخاصة.
خلية لا تعرف إلا خلية
لم يكن التنظيم الخاص قائما على تجمع مفتوح يعرف فيه كل عضو بقية الأعضاء، بل اعتمد على تشكيلات صغيرة متدرجة، وتورد الدراسات التي استندت إلى كتاب محمود عبد الحليم «الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ» أن الخلايا كانت تتكون من مجموعات محدودة، بحيث يعرف العضو نطاقا ضيقا من التنظيم، بينما تنتقل المسؤولية والمعلومات إلى مستويات أعلى، وهذه النقطة هي جوهر السرية التنظيمية: تقسيم المعرفة، فالعضو لا يحتاج إلى معرفة كل شيء حتى ينفذ التكليف، وكلما ضاقت دائرة المعرفة، أصبح كشف أحد المستويات أقل قدرة على كشف بقية البناء.
الأسماء الحركية.. إخفاء الشخص قبل كشف التنظيم
ومع تطور التنظيمات السرية، ظهر استخدام الأسماء الحركية باعتباره وسيلة إضافية لحماية هوية الأعضاء، وتوضح شهادات ودراسات تناولت تاريخ التنظيم السري للإخوان أن الأسماء غير الحقيقية كانت تستخدم خصوصا داخل الدوائر التي تحتاج إلى قدر أكبر من السرية، بحيث لا يؤدي القبض على أحد العناصر إلى كشف جميع أعضاء المجموعة.
وهذه الوظيفة تحديدا تفسر لماذا لا يمكن النظر إلى الاسم الحركي باعتباره مجرد لقب ففي بيئة تنظيمية مغلقة، يصبح الاسم المستعار جزءا من منظومة أوسع هدفها تقليل المعلومات التي يستطيع العضو تقديمها عن الآخرين.
السرية تحتاج إلى «سمع وطاعة»
ولا يمكن فصل هذه البنية عن مفهوم «السمع والطاعة» الذي احتل مكانة أساسية في الأدبيات التنظيمية للإخوان، فالتنظيم المغلق يحتاج إلى عضو ينفذ التكليف دون أن تكون لديه بالضرورة معرفة كاملة بكل مستويات القرار. وكلما زاد اعتماد الهيكل على التدرج، أصبحت الطاعة وسيلة للحفاظ على وحدة الحركة وانتقال التعليمات من مستوى إلى آخر، وهنا تتضح العلاقة بين ثلاثة عناصر: السرية، والتدرج، والطاعة، فالسرية تحجب المعلومات، والتدرج يحدد من يملكها، والطاعة تضمن تنفيذ التكليف.
ثروت الخرباوي.. شهادة من قلب التنظيم
ولا تكتمل قراءة هذه البنية دون الرجوع إلى شهادات قيادات سابقة خرجت من الجماعة الإرهابية، وفي مقدمتها الدكتور ثروت الخرباوي في كتابيه «قلب الإخوان» و«سر المعبد».
أهمية شهادة الخرباوي أنها لا تتحدث عن الجماعة باعتبارها ظاهرة يراقبها من الخارج، وإنما باعتبارها تنظيما عاش داخله لسنوات قبل أن ينفصل عنه عام 2002، وتعرض كتبه جوانب من آليات اتخاذ القرار والعلاقات التنظيمية ومركزية القيادة والبيعة والسمع والطاعة.
وفي «سر المعبد»، يصف الخرباوي التنظيم باعتباره بنية قادرة على تحويل التنظيم من وسيلة للعمل الجماعي إلى وسيلة للسيطرة على الفرد، وهي شهادة تفتح الباب أمام فهم السرية باعتبارها جزءا من علاقة العضو بالتنظيم، وليس فقط علاقة التنظيم بالسلطة.
السرية لم تختف.. تغيرت الأدوات
الأكثر دلالة أن فكرة الأسماء الحركية وتقسيم المجموعات لم تبق حبيسة التاريخ القديم، ففي قضايا لاحقة نسبت التحقيقات إلى مجموعات مرتبطة بالإخوان استخدام أسماء حركية ودوائر محدودة للتواصل، بينما كشفت أوراق قضائية عن مجموعات صغيرة تستخدم هويات غير حقيقية ووسائل اتصال مختلفة لتقليل فرص الرصد.
وبذلك تغيرت الأدوات، من الاجتماعات المغلقة إلى وسائل الاتصال الحديثة، لكن الفكرة الأساسية ظلت واحدة: تقليل المعرفة، وإخفاء الهوية، وتقسيم المجموعة إلى دوائر صغيرة.
من «التنظيم السري» إلى «الخلايا».. الفكرة تتغير والآلية تبقى
وهنا تكمن المفارقة فالتنظيم الذي بدأ في صورته القديمة بهياكل مغلقة وأسماء ودوائر محدودة، وجد في المراحل اللاحقة وسائل جديدة لإعادة إنتاج الفكرة نفسها، لم تعد السرية مرتبطة فقط بغرفة مغلقة أو اجتماع بعيد عن العيون، وإنما يمكن أن تتحول إلى اسم غير حقيقي، أو مجموعة محدودة، أو قناة اتصال لا يعرف أطرافها بعضهم البعض معرفة كاملة.
ولهذا فإن قراءة تاريخ الإخوان من زاوية السرية تكشف أكثر من مجرد «تنظيم يعمل في الخفاء» فهي تكشف فلسفة كاملة في إدارة العضو والمعلومة والتكليف، فالسرية هنا ليست ستارا يوضع فوق التنظيم عند الحاجة، وإنما جزء من هندسته: عضو يعرف بقدر، ومسؤول يملك قدرا أكبر من المعلومات، وقيادة تحتفظ بالصورة الأوسع، وبين هذه المستويات تنتقل الأوامر والتكليفات.
وهكذا يصبح السؤال الأهم ليس: لماذا استخدمت الجماعة الإرهابية الأسماء الحركية؟ وإنما: لماذا احتاج تنظيم يقدم نفسه للمجتمع كجماعة دعوية وسياسية إلى بناء دوائر لا يعرف أفرادها بعضهم البعض إلا بقدر محدود؟
والإجابة تكمن في طبيعة التنظيم نفسه فحين تصبح السرية قاعدة، تتحول المعلومة إلى سلطة، ويصبح كشف الاسم خطرا على المجموعة، وتصبح معرفة العضو محدودة بحدود موقعه داخل الهيكل.