الإخوان لا تستقطب أعضاء بل تصنعهم.. الأسرة أول خيط والكتيبة مصنع غسل الوعى والبيعة قيد الطاعة.. رحلة تحويل الفرد من متعاطف إلى ترس داخل ماكينة التنظيم.. شهادات المنشقين تكشف أسرار صناعة الإرهابي المطيع

الخميس، 10 سبتمبر 2026 02:10 م
الإخوان لا تستقطب أعضاء بل تصنعهم.. الأسرة أول خيط والكتيبة مصنع غسل الوعى والبيعة قيد الطاعة.. رحلة تحويل الفرد من متعاطف إلى ترس داخل ماكينة التنظيم.. شهادات المنشقين تكشف أسرار صناعة الإرهابي المطيع الاخوان

كتبت إسراء بدر

لا تبدأ رحلة الانضمام إلى جماعة الإخوان الإرهابية بالبيعة مباشرة، ولا يصل العضو إلى قلب التنظيم دفعة واحدة، وإنما تمر العملية بمراحل متدرجة تبدأ غالبا بعلاقة اجتماعية أو نشاط ديني أو رياضي، ثم لقاءات محدودة، فـ«أسرة» تنظيمية، وصولا إلى تكوين علاقة أكثر إحكاما بالتنظيم وقياداته، هذه الرحلة تكشف أن الاستقطاب لم يكن مجرد إقناع شخص بفكرة، وإنما عملية تربية وتنشئة تدريجية تهدف إلى تحويل المتعاطف إلى عضو مرتبط بهيكل تنظيمي واضح.

البداية.. صديق أو قريب أو نشاط اجتماعي
 

تكشف دراسة تناولت شهادات منشقين عن الإخوان أن بعض عمليات الاستقطاب بدأت من دوائر تبدو بعيدة عن السياسة المباشرة، مثل الصداقة والدراسة والأنشطة الرياضية والرحلات، قبل أن ينتقل الشاب تدريجيا إلى لقاءات ذات طابع دعوي وتنظيمي، وتروي إحدى الشهادات أن البداية كانت من خلال اصطحاب زميل إلى نشاط رياضي، ثم المشاركة في لقاءات لاحقة، قبل أن يدرك الشاب أنه دخل بالفعل في دوائر تنظيمية مرتبطة بالجماعة الإرهابية.

وفي حالات أخرى، كان الطريق أكثر مباشرة من خلال الأسرة نفسها، إذ تشير الشهادات إلى شباب نشأوا داخل عائلات مرتبطة بالتنظيم، فكان الانتقال إلى «الأسرة» التنظيمية امتدادا طبيعيا للبيئة المحيطة بهم، وهنا تبدأ أولى حلقات القصة فقبل أن يطلب التنظيم من الشخص أن يكون عضوا، يعمل أولا على أن يصبح وجوده داخل الدائرة أمرا طبيعيا.

«الأسرة».. المدرسة الأولى للعضو
 

ولا تحتاج الجماعة نفسها إلى مصادر خارجية لإثبات مركزية «الأسرة» في بنائها، فالأدبيات المنشورة على منصات تابعة للجماعة تتحدث صراحة عن «نظام الأسر» باعتباره نظاما داخليا يدخل إليه العضو بعد البيعة، وتصف الأسرة بأنها أصغر خلية في التنظيم، وتحدد لها وظائف تربوية وأخوية.

وهذا الوصف يكشف أن الأسرة ليست مجرد جلسة دينية أو لقاء اجتماعي، وإنما وحدة تنظيمية تجمع بين التربية والروابط الشخصية والمتابعة المستمرة، وفي بعض الشهادات عن بنية الجماعة تظهر الأسرة باعتبارها حلقة داخل تسلسل أكبر من الشعب والمناطق والمحافظات، بما يجعل العضو جزءا من هيكل يتجاوز المجموعة الصغيرة التي بدأ فيها.

من «الدعوة» إلى «التكوين»
 

هنا تحدث النقلة الأهم، فبدلا من الاكتفاء بتقديم أفكار عامة للعضو الجديد، يصبح الهدف تكوينه داخل بيئة تنظيمية لها برامج وقراءات ولقاءات ومسؤول مباشر، وتشير شهادات تناولت تجربة الشباب داخل التنظيم إلى أن مسؤول الأسرة لا يكون مجرد منظم للاجتماعات، وإنما يؤدي دورا في متابعة الأعضاء وتوجيههم، بينما تتحول الأسرة إلى مساحة لتشكيل الشخصية التنظيمية وتثبيت العلاقة بالجماعة الإرهابية.

وفي كتاب «سر المعبد» للدكتور ثروت الخرباوى القيادي المنشق عن الجماعة والباحث فى شؤون الإسلام السياسي، جرى وصف الأسرة بأنها إحدى أهم أدوات إنتاج الكوادر داخل التنظيم، مع التأكيد على أن التجربة التي يرويها ثروت الخرباوي تستند إلى معايشة طويلة داخل الجماعة ووثائق ورسائل وكتابات داخلية.

لماذا تبدأ الرحلة من «الفرد»؟
 

هذه النقطة تحديدا تكشف فلسفة البناء الإخواني، ففي الأدبيات التي تتناول تصور حسن البنا لبناء المجتمع، يظهر تسلسل يبدأ بالفرد ثم الأسرة ثم المجتمع، أي أن تغيير المجتمع لا يبدأ من المؤسسة السياسية، وإنما من إعادة تشكيل الفرد نفسه ثم دمجه في شبكة تنظيمية أوسع، وبالتالي فإن الاستقطاب لا يمثل النهاية، بل البداية الحقيقية لعملية أطول: الفكرة تدخل أولا، ثم تأتي البيئة التنظيمية، ثم الانضباط، ثم الالتزام.

«السمع والطاعة».. اختبار الانتقال من المتعاطف إلى العضو
 

كلما تقدم العضو داخل التنظيم، تصبح العلاقة أكثر من مجرد اقتناع فكري، فالبيعة والسمع والطاعة من المفاهيم التي تظهر في الأدبيات التنظيمية بوصفها جزءا من الانتقال إلى العضوية والالتزام، وتصف أدبيات الجماعة «نظام الأسر» بأنه يبدأ بعد أداء البيعة، بما يوضح العلاقة بين الانتماء الرسمي وبين الدخول في الهيكل الداخلي، وهنا يتحول السؤال من «هل تعجبك أفكار الجماعة؟» إلى «هل أنت مستعد للالتزام بما يطلبه التنظيم؟»، وهذه هي النقطة الفاصلة بين المؤيد والعضو.

الكتيبة.. طبقة أخرى من التكوين
 

ولا تتوقف عملية التربية عند الأسرة، فشهادات تناولت بنية التنظيم الداخلي تشير إلى وجود مستويات تربوية وتنظيمية أخرى مثل «الكتيبة»، إلى جانب الأسرة، باعتبارها مراحل أكثر تقدما في عملية إعداد العضو، كما يعرض الخرباوي في كتاباته تصورا متدرجا لرحلة العضو من الحلقة الأولى إلى مستويات أكثر عمقا في التنظيم، وبذلك لا يعود العضو أمام نشاط عابر، وإنما أمام مسار طويل من التدرج.

من «أنا معجب بالفكرة» إلى «أنا جزء من التنظيم»
 

وهنا تكمن قوة النموذج التنظيمي، الشخص الذي بدأ من نشاط اجتماعي أو صداقة أو دعوة دينية قد يجد نفسه بعد فترة داخل شبكة من العلاقات واللقاءات والتكليفات، ومع مرور الوقت يصبح الانسحاب أصعب ليس فقط بسبب الفكرة التي اقتنع بها، وإنما بسبب العلاقات التي تشكلت حوله داخل التنظيم.

وتكشف شهادات منشقين أن بعضهم بدأ في سن صغيرة داخل «الأسرة» التنظيمية، بينما وصل آخرون من خلال أصدقاء أو زملاء، قبل أن يكتشفوا لاحقا أنهم دخلوا بالفعل في مسار تنظيمي متدرج.

التنظيم لا يبحث عن مؤيد.. بل عن عضو
 

الإخوان لا يحتاجون فقط إلى شخص يقتنع بخطابهم، وإنما إلى شخص يدخل في منظومة لها تربية وقيادة وتكليف وبيعة، ولهذا فإن أخطر ما تكشفه رحلة الاستقطاب ليس لحظة الانضمام نفسها، وإنما ما يأتي بعدها، فالعضو الجديد لا يظل متلقيا للدعوة، بل يجري إدخاله تدريجيا في شبكة تنظيمية تعيد تعريف علاقته بالفكرة وبالجماعة وبمسؤوليه.

ومن هنا يمكن فهم سر استمرار التنظيم لعقود فهو لا يعتمد فقط على نشر أفكاره، وإنما على إعادة إنتاج أعضائه، فالاستقطاب يجلب الفرد، والأسرة تربيه، والتدرج يختبر التزامه، والتكليف يربطه بالتنظيم، والبيعة تحول الانتماء الفكري إلى التزام تنظيمي، وهكذا يصبح الاستقطاب مجرد الباب الأول، بينما تبدأ عملية صناعة العضو الحقيقية بعد الدخول.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة