عادت إلى الواجهة من جديد حكاية واحدة من أكثر الوثائق (المزورة) المثيرة للجدل المرتبطة بمصر القديمة، وهى ما اشتهرت باسم بردية الفاتيكان، التى قيل إنها سجلت ظهور أجسام غريبة فى سماء مصر فى عهد الملك تحتمس الثالث، قبل أن تتطور الحكاية عبر عقود لتصبح عند بعض المدعين شاهدًا على زيارة كائنات من خارج الأرض لمصر القديمة، فيما ينفى علماء الآثار صحة الوثيقة من الأساس.
والتدقيق فى تاريخ القصة يكشف أن الاسم الأدق للوثيقة المزعومة هو "بردية تولى" Tulli Papyrus، نسبة إلى ألبرتو تولى Alberto Tulli، الذى تولى مسئولية القسم المصرى بمتاحف الفاتيكان بين عامى 1931 و1942، والأهم أن الوثيقة التى أثارت كل هذا الجدل لم تكن مسجلة أصلًا ضمن مقتنيات الفاتيكان، ولم يظهر لها رقم حفظ أو أصل مادى يمكن فحصه، إن تاريخها المعروف يقوم أساسًا على نسخة من نص قيل إنه نُقل عن بردية شوهدت فى القاهرة، وقد خضعت القضية لاحقًا لدراسة أكاديمية موسعة للباحث الإيطالى نيكولا ريجياني، الذى أعاد بناء تاريخ الوثيقة ومراحل ظهورها، وانتهى إلى أنها تُعد اليوم بوجه عام نصًا مزيفًا أو مختلقًا.
البداية من القاهرة.. بردية تظهر عند تاجر آثار
تبدأ الرواية الشائعة عام 1934، وإن كانت بعض المصادر الشعبية تذكر 1933، عندما كان ألبرتو تولى موجودًا فى القاهرة، وتقول الرواية التى ظهرت فى مراحل لاحقة من القصة إنه شاهد لدى تاجر آثار يدعى "تانو" Tano بردية مكتوبة بالخط الهيراطيقي، أثارت اهتمامه، لكنه لم يتمكن من شرائها بسبب ارتفاع السعر المطلوب فيها، فاكتفى بنقل نصها أو إعداد نسخة منها لدراستها، وتربط بعض الروايات التاجر بفوكيون ج. تانو، الذى كان معروفًا فى سوق الآثار بالقاهرة آنذاك.
هنا تظهر أول مشكلة كبيرة فى قصة البردية، لأننا لا نملك البردية الأصلية ولا صورة فوتوغرافية موثقة لها ولا سجل اقتناء، كما أن التفاصيل المتعلقة بمتجر القاهرة والسعر المرتفع ونسخ تولى للنص لم تظهر بهذه الصورة منذ البداية، وإنما برزت فى روايات لاحقة. وهذا الفارق مهم لأن أول نشر للقصة عام 1953 قدم رواية مختلفة عن الطريقة التى أصبحت القصة تُروى بها بعد ذلك.
من هو ألبرتو تولى؟
وجود ألبرتو تولى نفسه ليس محل خلاف، فالموقع الرسمى لمتاحف الفاتيكان يؤكد أنه خلف عالم الآثار أوراتسيو ماروتشى فى الإشراف على المتحف المصرى عام 1931، واستمر حتى عام 1942، كما شارك تولى فى النشاط العلمى للمتحف، ومن بينها الأعمال المرتبطة بمرور مئة عام على تأسيس المتحف المصرى الجريجورياني.
وهذه الصلة بالفاتيكان هى على الأرجح التى منحت الحكاية اسمها الشهير "بردية الفاتيكان"، لكن الانتقال من القول إن الرجل الذى شاهد البردية كان يعمل فى الفاتيكان إلى القول إن البردية نفسها محفوظة فى الفاتيكان يمثل قفزة لا تسندها السجلات المعروفة.
والدقة مهمة هنا أيضًا: الفاتيكان يمتلك بالفعل برديات مصرية حقيقية عديدة، وبعضها يرجع إلى الدولة الحديثة والعصرين البطلمى والروماني، وهناك مشروع علمى رسمى لفهرسة وإعادة دراسة البرديات المصرية الموجودة فى متاحف الفاتيكان، لذلك فإن القول الدقيق ليس "الفاتيكان لا يملك برديات"، وإنما أن بردية تولى المزعومة ليست ضمن البرديات المثبتة فى سجلاته.
ماذا تقول "بردية تولى"؟
النص الذى انتشر لاحقًا ينسب الأحداث إلى السنة الثانية والعشرين من حكم تحتمس الثالث، أحد أبرز ملوك الأسرة الثامنة عشرة، والذى حكم مصر فى القرن الخامس عشر قبل الميلاد.
وبحسب الترجمة التى ظهرت فى خمسينيات القرن العشرين، يتحدث النص عن كتبة "بيت الحياة" الذين شاهدوا شيئًا وُصف بأنه "دائرة من النار" قادمة من السماء، بلا صوت، وذُكر أن لها رائحة غريبة. ثم أُبلغ الملك بما حدث، وبعد مرور عدة أيام ظهرت دوائر أخرى بأعداد أكبر، وتألقت فى السماء بقوة شديدة، بينما راقبها الملك وجيشه. وبعد ذلك قيل إنها ارتفعت واتجهت نحو الجنوب، وأن أسماكًا وطيورًا سقطت من السماء، قبل أن يأمر الملك بتسجيل الواقعة لتبقى فى الذاكرة.
لكن هناك تفصيلة جديرة بالانتباه: النسخة الأشهر من النص تتحدث عن "دوائر من النار" وليس عن "أجسام فضية لامعة" بالصيغة التى ظهرت فى بعض الروايات العربية الحديثة، كما أن النص لا يقول صراحة "سفن فضائية" أو "كائنات فضائية"، هذه التأويلات جاءت لاحقًا عندما أُعيدت قراءة عبارات النص بعيون عصر الأطباق الطائرة.
كما أنه من غير الدقيق القول إن "تحتمس الثالث كتب البردية بيده"، الادعاء الأصلى كان أن النص ربما يمثل جزءًا من سجلات أو حوليات ترجع إلى عصره، وليس وثيقة كتبها الملك شخصيًا.
المفاجأة.. القصة لم تظهر للعالم إلا عام 1953
على الرغم من أن الرواية تضع "اكتشاف" النص فى ثلاثينيات القرن العشرين، فإن أقدم ظهور علنى موثق للقصة يعود إلى عام 1953، أى بعد نحو عشرين عامًا من الواقعة المزعومة.
ففى ذلك العام نشرت مجلة Doubt، وهى مجلة تابعة لـ"الجمعية الفورتيانية" المهتمة بالظواهر الغريبة وغير المفسرة، فى العدد رقم 41 موضوعًا بعنوان تقريبى «Forteana ca. 1500 B.C.»، تضمن نسخة هيروغليفية وترجمة للنص قدمها بوريس دى راشويلتز Boris de Rachewiltz. وتؤكد النسخة المؤرشفة من المجلة وجود المادة فى العدد 41 الصادر عام 1953.
وقال دى راشويلتز آنذاك، بحسب ما نشرته المجلة، إن النص جاء من بردية من عصر الدولة الحديثة عثر عليها بين أوراق ألبرتو تولى بعد وفاته، وإنه أتيحت له فرصة العمل عليها بفضل شقيق تولى.
وهنا بدأت «بردية تولى» حياتها الحقيقية، لا بوصفها قطعة أثرية موجودة فى متحف، وإنما نصًا منشورًا فى مجلة تهتم بالغرائب.
الرواية الأولى تختلف عن الرواية اللاحقة
هذه واحدة من أخطر النقاط فى ملف البردية، فى رواية 1953، أعطى دى راشويلتز انطباعًا بأنه يتعامل مع وثيقة أصلية جاءت ضمن أوراق تولى، لكن عندما بدأت الأسئلة العلمية حول مكان البردية ومن يملكها وكيف يمكن فحصها، تغيرت القصة.
ففى روايات ومراسلات لاحقة، أقر دى راشويلتز بأنه لم ير البردية الأصلية بنفسه، وأن ما تعامل معه كان نقلًا أو نسخة مرتبطة بما شاهده تولى فى القاهرة عام 1934، كما قال فى رسائل لاحقة إن ما نُشر باسمه فى مجلة Doubt تعرض لتغييرات من محرر المجلة تيفانى ثاير.
وأصبحت سلسلة انتقال الوثيقة، بالتالي، شديدة الهشاشة، بردية يقال إن تاجرًا امتلكها فى القاهرة، شاهدها تولى ولم يشترها، ثم نسخة أو نقل من النص، ثم أوراق تركها تولى، ثم ترجمة أعدها شخص لم ير الأصل.
وكلما ابتعدت القصة زمنيًا عن عام 1934، ازدادت التفاصيل، بينما ظل الشيء الوحيد الغائب هو البردية نفسها.
وما علاقة العالم إتيان دريوتون؟
فى بعض الروايات اللاحقة ظهر اسم عالم المصريات الفرنسى الشهير إتيان دريوتون Étienne Drioton، وقيل إنه شارك فى تحويل النص الهيراطيقى إلى كتابة هيروغليفية لتسهيل قراءته.
لكن هذه المعلومة أيضًا وصلت إلينا عبر سلسلة الروايات اللاحقة؛ فليس لدينا نشر علمى لدريوتون للبردية أو دراسة موقعة باسمه لها.
ووفق رواية نقلها المسئول اللاحق عن القسم المصرى فى الفاتيكان، جانفرانكو نولى، عن دى راشويلتز، كان دريوتون يرى أن النص ـ إذا كان صحيحًا ـ قد يصف ظاهرة نيزكية وليس كائنات فضائية.
أين ذهبت البردية؟
السؤال الأشهر فى الحكاية هو: إذا كانت البردية موجودة فعلًا، فأين هي؟ الجواب الأكثر دقة: لا أحد يعرف مكان أصل أثرى مؤكد لها؛ ولا يوجد ما يثبت أنها دخلت الفاتيكان أصلًا.
فى عام 1968 أصبحت القضية موضع محاولة تحقق حقيقية عندما تناولها التقرير العلمى الشهير الذى أعدته جامعة كولورادو حول ظاهرة الأجسام الطائرة المجهولة، المعروف باسم Condon Report.
وتواصل الباحثون مع القسم المصرى بمتاحف الفاتيكان. وجاء الرد فى 25 يوليو 1968 من جانفرانكو نولى بأن «بردية تولى» لم تكن ملكًا لمتحف الفاتيكان، وأنها أصبحت غير قابلة للتتبع.
وفى مراسلات لاحقة أوضح نولى، بعد حديثه مع دى راشويلتز، أن الرواية التى وصلته تقول إن تولى شاهد البردية فى القاهرة عام 1934، وإنه لم يشترها بسبب ثمنها، وبالتالى ربما بقيت عند التاجر أو انتقلت إلى مشترٍ آخر.
لكن هذه مجرد احتمالات وليست سجل ملكية. ولذلك لا يمكن القول علميًا إن الفاتيكان «فقد» البردية، لأن الأدلة تشير إلى أنه لم يمتلكها أصلًا.
عالم مصريات حاول الوصول إليها ولم ينجح
دخل عالم المصريات الإيطالى جوزيبى بوتى Giuseppe Botti على خط القضية، وحاول الوصول إلى الوثيقة من أجل فحصها علميًا.
وفى رسالة تعود إلى فبراير 1968 أوضح بوتى أنه لم يستطع إصدار حكم على البردية لأنه لم ير الأصل، وأنه سبق أن طلب من شقيق ألبرتو تولى الحصول على صورة منها، بل أبدى استعدادًا لاقتناء الأصل لصالح متحف فلورنسا، لكنه لم يتلق ردًا.
وهذه الشهادة مهمة؛ لأنها تكشف أن متخصصًا حقيقيًا حاول الانتقال بالقصة من الروايات إلى الوثيقة نفسها، لكن الطريق انتهى عند غياب الأصل.
عام 1968.. الشكوك تصبح علمية
لم يكتف تقرير كوندون بغياب البردية؛ بل قارن الباحث صامويل روزنبرج أجزاء من النص المنسوب إليها بنصوص أخرى، ورأى أن هناك تشابهات تثير الشك فى أصالته.
وخلص التقرير إلى استخدام قضية تولى نموذجًا للتحذير من اعتماد بعض كتب الأطباق الطائرة على مصادر ثانوية وثالثية دون العودة إلى الوثائق الأصلية، معتبرًا أن الروايات التاريخية عن الأجسام الطائرة تحتاج إلى التحقق من مصادرها الأصلية قبل اعتمادها.
ومع ذلك استمرت البردية فى الانتشار، لأن غياب الأصل تحول لدى أدبيات المؤامرة من مشكلة ضد الرواية إلى عنصر يخدمها: «اختفاء البردية» أصبح عند بعضهم دليلًا على أن جهة ما تخفيها.
كيف دخلت البردية عالم الأطباق الطائرة؟
جاء نشر النص فى لحظة مثالية لانتشاره؛ فخمسينيات القرن العشرين شهدت انفجار الاهتمام العالمى بقصص «الأطباق الطائرة».
بعد مقال 1953، أعيدت قصة بردية تولى فى كتب ومجلات مهتمة بالظواهر الخارقة والأجسام الطائرة. وظهرت فى كتابات خلال الخمسينيات، ثم ساهم الكاتب البريطانى برينسلى لو بور ترينش Brinsley Le Poer Trench فى نشرها على نطاق أوسع فى كتب مثل The Sky People ثم The Flying Saucer Story.
ومع النجاح العالمى لكتب «رواد الفضاء القدماء» فى الستينيات والسبعينيات، وخاصة أعمال إريك فون دانيكن، أصبحت قصص مصر القديمة والأهرامات والكائنات الفضائية جزءًا من ثقافة شعبية واسعة، وأُعيد تدوير بردية تولى باعتبارها واحدة من «الشهادات القديمة» على ظهور أجسام غامضة فى السماء.
عام 2006.. ضربة قوية لقصة البردية
جاء التطور الأهم بعد عقود من الجدل عندما أعاد الباحث الإيطالى فرانكو بروسينو Franco Brussino دراسة النص الهيروغليفى المتداول.
وأثناء إعادة ترجمته لاحظ أن مجموعة كبيرة من العبارات تبدو مألوفة. وبمقارنتها بالمراجع اكتشف أن أجزاء واسعة منها تتطابق بصورة شديدة مع أمثلة موجودة فى كتاب Egyptian Grammar لعالم المصريات البريطانى الشهير آلان جاردنر Alan Gardiner.
المشكلة القاتلة هنا أن كتاب جاردنر صدر للمرة الأولى عام 1927، أى قبل سبع سنوات تقريبًا من التاريخ المفترض لاكتشاف تولى للبردية.
وبحسب تحليل بروسينو، تبدو البردية وكأنها رُكبت من عبارات مأخوذة من نصوص مصرية مختلفة وردت فى كتاب جاردنر، ثم جرى جمعها لصناعة رواية جديدة. والأكثر إثارة للشك أن بعض أخطاء النسخ الموجودة فى طبعات جاردنر ظهرت هى نفسها فى النص المتداول لبردية تولى، وهو مؤشر قوى على أن النص الحديث نُقل من الكتاب وليس العكس.
وتذهب بعض التحليلات إلى أن الجمل المستخدمة جاءت من نصوص مصرية مختلفة العصور والموضوعات، ثم رُبطت ببعضها بواسطة فجوات فى النص، وهى الفجوات التى أعطت البردية مظهر الوثيقة القديمة التالفة.
هل نعرف من زورها؟
هنا يجب التوقف عن الجزم، وجود أدلة قوية على أن النص المتداول حديث الصنع لا يعنى أننا نستطيع تحديد صاحبه بصورة مؤكدة.
طُرحت فرضيات متعددة: أن يكون أحد تجار الآثار قد أعد النص لخداع تولى، أو أن تكون القصة مزحة أكاديمية، أو أن يكون شخص ممن تداولوا النص لاحقًا مسؤولًا عن تركيبه. لكن لا توجد حتى الآن وثيقة تحسم هوية صاحب النص.
ولهذا ركزت دراسة نيكولا ريجيانى المنشورة فى مجلة Analecta Papyrologica عام 2017، ثم كتابه الموسع عن «بردية تولى» عام 2018، على إعادة بناء الملف بين علم المصريات واليوفولوجيا ونظريات المؤامرة، مع اعتبار الوثيقة اليوم بوجه عام مزيفة، دون تحويل الاشتباه فى شخص بعينه إلى حقيقة تاريخية.
زاهى حواس يرفض القصة
فى ديسمبر 2025 دخل الدكتور زاهى حواس فى نقاش مباشر مع وسيم السيسى بشأن البردية، مؤكدًا أنها وثيقة وهمية ولا وجود لها فى الفاتيكان، وجدد حواس موقفه فى فبراير 2026، ثم عاد إليه فى سبتمبر 2026، مؤكدًا أنه لا توجد بردية فى الفاتيكان بهذا الوصف، وأن أى وثيقة أثرية بهذا الحجم من الأهمية كان لا بد أن تكون معروفة ومفهرسة وخاضعة للدراسة العلمية.
وقال أيضًا إن أصل القصة، بحسب معلوماته، يعود إلى شخص مصرى إيطالى استعان بمن يجيد الهيروغليفية لإنتاج النص ثم جرى ترويجه، وهذه الجزئية الأخيرة هى رواية حواس، ولم أجد فى المصادر الأكاديمية التى راجعتها ما يسمح بتحديد هذا الشخص بصورة مستقلة، ولذلك لا ينبغى تقديم هويته المفترضة كحقيقة ثابتة.