70 عاما من العلاقات المصرية الصينية.. بدأت منذ الثلاثينيات بتوافد المبعوثين إلى الأزهر.. مسار متصاعد من التبادل الثقافى والترجمات.. تحولت من البلاد البعيدة فى كتب الرحلات إلى حضور أدبى وثقافى عربى

الثلاثاء، 01 سبتمبر 2026 10:00 م
70 عاما من العلاقات المصرية الصينية.. بدأت منذ الثلاثينيات بتوافد المبعوثين إلى الأزهر.. مسار متصاعد من التبادل الثقافى والترجمات.. تحولت من البلاد البعيدة فى كتب الرحلات إلى حضور أدبى وثقافى عربى العلاقات المصرية الصينية

كتب محمد عبد الرحمن – عبد الرحمن حبيب – محمد فؤاد

لم تكن العلاقات المصرية الصينية يومًا حبيسة الملفات السياسية والاقتصادية، فخلف سبعة عقود من العلاقات الرسمية تمتد حكاية أعمق صنعتها المعرفة والثقافة والكتاب، فمنذ أن وطئت أقدام المبعوثين الصينيين رحاب الأزهر في ثلاثينيات القرن الماضي، بدأت صورة الصين تتشكل في الوعي المصري والعربي عبر التعليم والرحلات والكتب والترجمات، قبل أن تتسع ملامحها مع قيام العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين عام 1956.

ومع مرور العقود، لم تعد الصين في المخيلة العربية مجرد أرض بعيدة يصفها الرحالة بما رأوه من غرابة وعجائب، أو حضارة تختزل في الحرير والخزف وسورها العظيم، وإنما تحولت إلى فضاء ثقافي وأدبي تتقاطع فيه الحكايات والأساطير والتجارب الإنسانية، وتتعرف من خلاله أجيال من القراء العرب إلى أدب وثقافة شعب يمتلك واحدة من أقدم الحضارات في العالم.

وبالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، نفتح نافذة على سبعة عقود من التقارب المصري الصيني، من جسور الأزهر الأولى إلى الفعاليات الثقافية والترجمات المتبادلة، متتبعة كيف انتقلت صورة الصين في الأدب العربي من صفحات كتب الرحلات والحكايات التراثية إلى الشعر والرواية والترجمة الحديثة، وكيف أسهم الأدب في بناء جسر آخر بين حضارتين تفصل بينهما المسافات وتجمعهما ذاكرة طويلة من التواصل الثقافي.

 

70 عامًا من العلاقات المصرية الصينية

بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة تكتسب العلاقات المصرية الصينية أهمية خاصة، لا سيما على المستوى الثقافي، الذي يمثل أحد أقدم وأبرز جسور التواصل بين البلدين، فالزيارة تأتي في وقت تستعد فيه القاهرة وبكين للاحتفال بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، وهي علاقات لم تبدأ من السياسة والاقتصاد وحدهما، وإنما سبقتها جسور من التواصل العلمي والثقافي تعود إلى عقود طويلة.

فمنذ وصول أول بعثة تعليمية صينية إلى مصر للدراسة في الأزهر الشريف عام 1931، مرورًا بإقامة العلاقات الدبلوماسية رسميًا عام 1956، وصولًا إلى تخصيص عام 2016 عامًا للثقافة المصرية الصينية، شهدت العلاقات بين البلدين مسارًا متصاعدًا من التبادل الثقافي والفني والتعليمي، تحول مع الوقت إلى شراكة ثقافية أكثر اتساعًا.

وفي عام 1932، اتخذت مصر خطوة مؤسسية لدعم هذا التواصل، من خلال إنشاء قسم خاص لقبول المبعوثين الصينيين في الأزهر، إلى جانب إسهامات العلماء الأزهريين والكتب التي أرسلت إلى المؤسسات التعليمية الصينية.
 

1956.. الثقافة تدخل مرحلة جديدة

ومع إقامة العلاقات الدبلوماسية رسميًا عام 1956، انتقل التعاون بين البلدين إلى مرحلة أكثر تنظيمًا، خاصة بعد توقيع اتفاق التعاون الثقافي، الذي فتح الباب أمام برامج واسعة للتبادل في مجالات التعليم والفنون والسينما والإعلام والوفود الثقافية.

وخلال العقود التالية، أصبح التبادل الثقافي أحد أبرز مسارات العلاقات المصرية الصينية؛ فحضرت الصين في عدد من الفعاليات الثقافية المصرية الكبرى، وفي مقدمتها معرض القاهرة الدولي للكتاب ومهرجان القاهرة السينمائي الدولي، في الوقت الذي استضافت فيه المدن الصينية فعاليات ثقافية وفنية مصرية ومعارض للآثار والفنون المصرية.

ولم يقتصر هذا التعاون على إقامة الفعاليات، وإنما اتخذ صورة أكثر اتساعًا من خلال تبادل الخبرات والوفود الفنية والثقافية، بما أسهم في التعريف بالثقافتين المصرية والصينية لدى الجمهور في البلدين.
 

2016.. عام الثقافة المصرية الصينية

وشكل عام 2016 محطة بارزة في مسار العلاقات الثقافية بين القاهرة وبكين، بعدما تم تخصيصه عامًا للثقافة المصرية الصينية بالتزامن مع الاحتفال بمرور 60 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

وانطلقت فعاليات العام الثقافي بحفل فني مشترك حضره الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الصيني شي جين بينج في معبد الأقصر، في مشهد حمل دلالة رمزية على التقاء حضارتين عريقتين.

وشهد العام إقامة نحو 200 فعالية ثقافية وفنية، تنوعت بين المعارض التشكيلية والعروض الفنية والتبادل بين الفرق المصرية والصينية، ومن بينها فعاليات جمعت بين فرقة الباليه الصينية وفرقة باليه أوبرا القاهرة، إلى جانب معرض تشكيلي مصري صيني بمدينة الأقصر.

واختُتمت فعاليات العام الثقافي في مدينة جوانجزو الصينية، بحضور وزير الثقافة المصري آنذاك حلمي النمنم ونظيره الصيني.
 

محطة أخرى في مسار التقارب

ويمثل معرض القاهرة الدولي للكتاب واحدًا من أبرز مساحات الحضور الثقافي الصيني في مصر، وكانت الصين قد دُعيت لتكون ضيف شرف إحدى دورات المعرض، إلا أن ترتيبات الاستضافة تأثرت بالظروف التي شهدتها مصر عقب ثورة 25 يناير 2011، قبل أن يستمر التواصل بين الجانبين في الدورات التالية من خلال المشاركة والفعاليات الثقافية الصينية بمشاركة عدد من الأدباء والنقاد الصينيين فى ندوات وفعاليات المعرض كل عام.

 

تطور صورة الصين فى الأدب العربى

ظهرت الترجمات العربية على نطاق واسع فى الفترة الأخيرة للأدب الصيني وربما ساهم فى ذلك ظهور بعض الأسماء الصينية على ساحة الأدب العالمي يتقدمهم مو يان وكذلك "كان شيويه" الروائية والناقدة البارزة والتي تُعد من أهم أصوات الأدب التجريبي المعاصر.

ولم تكن العلاقة بين الأدب الصيني والترجمات قاصرة على عصرنا الحالي، حيث تظهر صورة الصين في الأدب العربي كرمز للبعيد الغامض والحضارة العريقة، وتطورت عبر العصور من كتب الرحلات التراثية إلى الرؤى المعاصرة في الأدب الحديث.

 

في التراث وكتب الرحلات القديمة

وصف الرحالة والتجار العرب مثل التاجر سليمان وأبو زيد السيرافي في العصر العباسي الصين بـ «بلاد الشمس» أو المشرق الأقصى، وأبدوا إعجابهم بدقة صناعاتهم كالخزف والحرير وتنظيم تجارتهم.

 

ماذا كتب ابن بطوطة؟

وصف الرحالة الشهير ابن بطوطة رحلته إلى بلاد الصين في كتابه الشهير "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" ومنها وصوله إلى مدينة "صين كلان" جوانتشو حالياً ثم مدينة "الزيتون" أو تشيوانتشو وهي الميناء الرئيس في جنوب الصين آنذاك تحت حكم أسرة يوان المغولية كما زار مدينة "الخنساء" أو هانجتشو وصولاً إلى العاصمة بكين.

 

ألف ليلة وليلة وصورة الصين

تظهر صورة الصين في كتاب "ألف ليلة وليلة" كمكان خيالي بعيد وساحر، مثلما ورد في قصة "علاء الدين والمصباح السحري" وتدور أحداث قصة علاء الدين والمصباح السحري في إحدى مدن الصين، وقد كان لألف ليلة وليلة أبلغ الأثر فى الثقافة الشعبية الصينية على مستويين الأول أن الثقافة الشعبية الصينية استقت من حكايات ألف وليلة والثاني أن كثير من الصينين المهتمين بالترجمة والأدب سعوا لتعلم اللغة العربية لشدة تأثير ألف ليلة وليلة.

 

الصين فى الشعر العربي

تأثر الشاعر العراقي بدر شاكر السياب بالحضارة والأساطير الصينية في بعض أعماله، وكتب قصيدة شهيرة مستوحاة من التراث الصيني بعنوان "من رؤيا فوكاي" وقد استوحى السياب هذه القصيدة من أسطورة شعبية صينية خرجت من حدود سور الصين العظيم وخلدها في شعره.

 

الصين ونسخ من القرآن

عرضت فى المزادات العالمية خلال العام الجاري مصاحف نادرة بتصاميم صينية إسلامية تعود لعام 953 هجرية، تحتوي على سورة الشعراء كاملة حتى سورة النمل منسوخة بيد الخطاط شمس الدين بن موسى السيني في اليونان، وهي بحسب التاجر إنليبرس جيلهوفر دليل أول على الوجود العربي بالصين والذي يعود لفترة الخلافة الأولى.

والمخطوطات توضح أقسام القرآن كما كتبها المسلمون الصينيون والتي قدر ثمنها بـ 75 ألف إسترليني.

 

الصين فى الرواية المصرية الحديثة

تُعد رواية "الكبرياء الصيني.. قصة كنج يونج" للمخرج والكاتب خيري بشارة من أبرز العمل الروائي العربي الحديث الذي يتخذ من الصين بيئة رئيسية لبداية أحداثه وفي الرواية يروي  سيرة "كونج يونج" الذي ينتقل من قرية صينية صغيرة في ثلاثينيات القرن الماضي هاربًا من الفقر والجوع بعد مقتل حبيبته، ليصل إلى مصر ويبدأ رحلة صعود ومكافحة وتحقيق الذات.

 

ترجمات صينية لروايات مصرية

نشطت حركة الترجمات المتبادلة بين الصين ومصر فهناك ترجمات صينية لرواية "واحة الغروب" للأديب الكبير بهاء طاهر، ورواية "أيام الإنسان السبعة" للأديب الراحل عبد الحكيم قاسم، ورواية "فساد الأمكنة" للأديب الراحل صبرى موسى، ورواية "الزينى بركات" للروائى الراحل جمال الغيطاني، رواية "الطوق والأسورة" ليحيى الطاهر عبدالله، ورواية "بيت الديب" للكاتب عزت القمحاوى، ومختارات شعرية من المعلقات العربية القديمة.

 

أديبان صينيان حصدا نوبل فى الأدب

قدمت جمهورية الصين الشعبية مجموعة كبيرة من أبرز الأدباء الذين تركوا بصمة في عالم الأدب، ومن بينهم أدباء حصدوا جائزة نوبل في الأدب التي تعد أهم وأبرز جائزة أدبية حول العالم.

جاو شينججيان

نشأ الكاتب والمسرحي والرسام الصيني جاو شينججيان في مقاطعة جيانجشي شرقي الصين، خلال ثمانينيات القرن الماضي، نشر مجموعة متنوعة من المسرحيات والقصائد والمقالات.

من أبرز سمات كتابات جاو شينججيان مزجه بين الأدب والمسرح الصيني التقليدي مع الأشكال الغربية والحديثة، تستند روايته "جبل الروح" (1999) إلى انطباعات رحلاته في جنوب وجنوب غرب الصين، وتُعدّ الرواية مزيجًا من الأجناس والأساليب الأدبية، مع منظور سردي متغيّر وقصص عن أشخاص التقاهم غاو على الطريق: رهبان، وموسيقيون شعبيون، وضحية من ضحايا الثورة الثقافية، وغيرهم.

وقد مُنحت جائزة نوبل في الأدب لعام 2000 إلى جاو شينججيان "لإنتاجه الأدبي ذي الصلاحية العالمية، والرؤى المريرة، والبراعة اللغوية، والذي فتح آفاقاً جديدة للرواية والدراما الصينية".

مو يان

وُلد مو يان لعائلة في مقاطعة شاندونج الصينية، وبعد سنوات قليلة من الدراسة بدأ العمل راعيًا للماشية في سن الحادية عشرة، وفي شبابه التحق مو يان بالجيش، حيث اكتُشفت موهبته الأدبية، نشر روايته الأولى عام 1981، وحقق شهرة عالمية بروايته "هونج جاوليانج جيازو" (الذرة الحمراء)، التي اقتُبست لاحقًا في فيلم سينمائي، على الرغم من النقد الاجتماعي الذي تضمنته كتبه، يُعتبر مو يان في الصين أحد أبرز كتّاب البلاد، مو يان متزوج ولديه ابنة واحدة.

تتنوع كتابات مو يان بشكل واسع، من القصص القصيرة إلى الروايات والمقالات، كُتبت أعماله المبكرة وفقًا للقواعد الأدبية السائدة للنظام الحاكم، مع مرور الوقت، بدأت رواية مو يان تسلك مساراتها الخاصة الأكثر استقلالية، تشمل أعماله "هونج جاوليانج جيازو" (الذرة الحمراء)، و"تيانتانج سوانتاي تشي جي" (أغاني الثوم)، و"شينجسي بيلاو" (الحياة والموت يُنهكانني)، يحمل أسلوبه السردي سمات الواقعية السحرية، غالبًا ما يستخدم مو يان الأدب الصيني القديم والتقاليد الشفوية الشعبية كنقطة انطلاق، ويمزجها بقضايا اجتماعية معاصرة.

وقد مُنحت جائزة نوبل في الأدب لعام 2012 إلى مو يان "الذي يمزج بأسلوب واقعي هلوسي بين الحكايات الشعبية والتاريخ والمعاصرة".




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة