في خيمة مهترئة بمواصي خان يونس، يعيش محمد عبد الرازق أيامه محملا بخوف أكبر من ألم الجرح، خوفه من أن يفقد قدمه الأخرى، بعدما فقدت الإصابة والحرب كثيرا من قدرته على الحركة، وأصبح مستقبله معلقا على فرصة علاج قد لا يستطيع الوصول إليها.
محمد أب لثلاثة أطفال، وبالنسبة إليه، لم تعد معركته مع المرض تخصه وحده، فكل خطوة يحاول أن يخطوها هي من أجل أطفاله، وكل يوم يتمسك فيه بقدمه هو محاولة لأن يبقى حاضرا في حياتهم، ويظل قادرا على رعايتهم والوقوف إلى جوارهم.
محمد عبد الرازق
عمليات جراحية
خضع محمد لعدة عمليات جراحية في محاولة لإنقاذ قدمه، لكن حالته لم تتحسن بالشكل الذي كان يأمله، ومع محدودية الإمكانيات الطبية داخل غزة، أخبره الأطباء أن العلاج الذي يحتاج إليه أصبح خارج القطاع، وأن إنقاذ قدمه يتطلب إمكانيات ومعدات غير متوفرة بما يكفي.
منذ ذلك الوقت، يعيش محمد بين الأمل والخوف، أمل في أن يجد طريقا إلى العلاج قبل فوات الأوان، وخوف من أن تتحول قدمه الأخرى إلى ذكرى، كما حدث مع كثير من المرضى الذين اضطروا إلى مواجهة إصاباتهم في ظروف صحية بالغة الصعوبة، لكن المشكلة لا تتوقف عند نقص الإمكانيات الطبية أو الحاجة إلى العلاج خارج غزة، وحتى الوصول إلى المستشفى أصبح بالنسبة إليه مهمة شاقة.
غياب مصدر دخل ثابت
في ظروف النزوح، ومع غياب مصدر دخل ثابت، لا يملك الرجل حتى أجرة المواصلات التي يحتاج إليها للوصول إلى المستشفى ومتابعة حالته، بجانب تكلفة الأدوية والعلاج. وبين الحاجة إلى متابعة طبية مستمرة وعدم قدرته على تحمل تكاليفها، يجد نفسه محاصرا في دائرة قاسية، ويحتاج إلى العلاج كي يحافظ على قدمه، لكنه لا يملك الوسيلة التي تمكنه من الوصول إليه.
خيمته لا توفر له سوى مأوى بسيط في مواجهة ظروف النزوح، بينما يبقى جسده بحاجة إلى رعاية طبية مستمرة، وكل يوم يمر دون العلاج المطلوب قد يعني بالنسبة إليه مزيدا من الألم، ومزيدا من الخوف من أن يصل إلى اللحظة التي يخبره فيها الأطباء بأن البتر أصبح الخيار الوحيد المتاح.
محمد لا يخاف من فقدان قدمه فقط، بل يخاف مما سيأتي بعدها، كيف سيعتني بأطفاله؟ وكيف سيستطيع الحركة؟ وكذلك كيف سيؤمن احتياجات أسرته إذا فقد قدرته على العمل والحركة؟ أسئلة كثيرة تدور في ذهن أب لا يريد أكثر من فرصة للعلاج.
بالنسبة إلى محمد، الوقوف ليس مجرد قدرة جسدية، الوقوف يعني أن يبقى أبا قادرا على الاقتراب من أطفاله، ومساعدتهم، ومشاركتهم تفاصيل حياتهم، ويظل قادرا على مواجهة الأيام الصعبة التي فرضها النزوح والحرب، لذلك، فإن إنقاذ قدمه بالنسبة إليه يعني أكثر من إنقاذ طرف من أطراف جسده، يعني الحفاظ على جزء من حياته، وقدرته على البقاء إلى جانب أطفاله.
الرعاية الطبية
محمد لا يطلب المستحيل، لا يبحث عن حياة مترفة، ولا عن شيء يتجاوز حقه الطبيعي في العلاج، وكل ما يريده هو أن يجد فرصة للوصول إلى الرعاية الطبية التي يحتاج إليها، ويحصل على العلاج اللازم قبل أن يخسر قدمه الأخرى، ويتمكن من العودة إلى أطفاله وهو قادر على الوقوف والحركة.
في خيمته، ينتظر محمد أن تمتد إليه يد تساعده على الوصول إلى العلاج، وينتظر طريقا للخروج من دائرة الألم والخوف، وفرصة قد تنقذ قدمه قبل أن يصبح البتر أمرا واقعا.
خلف كل إصابة في غزة إنسان له عائلة وقصة وحياة كان يحلم بأن يعيشها. ومحمد واحد من هؤلاء الذين لم تعد معركتهم فقط مع الإصابة، وإنما مع نقص العلاج، وصعوبة الوصول إلى المستشفى، وتكاليف الدواء والمواصلات، وظروف النزوح التي تجعل أبسط احتياجات الحياة مهمة شاقة.
اليوم، يقف محمد أمام احتمال فقدان قدمه الأخرى، لكنه يتمسك بالأمل، فهو لا يريد أن يخسر قدرته على الوقوف، لأنه يعرف أن هناك ثلاثة أطفال ينتظرون منه أن يبقى واقفا، فهو لا يطلب المستحيل، فقط يريد علاجا ينقذ قدمه، وفرصة تمنحه القدرة على الوقوف من جديد، ويبقى واقفا لأجل أطفاله، ويبقى السؤال معلقا أمام خيمته قدم أخرى تنتظر البتر "من ينقذ محمد؟".