رنا أمين تكتب: كل دقيقة معلومة وكل ثانية شائعة.. كيف نواجه فوضى السوشيال ميديا؟

الثلاثاء، 01 سبتمبر 2026 04:37 م
رنا أمين تكتب: كل دقيقة معلومة وكل ثانية شائعة.. كيف نواجه فوضى السوشيال ميديا؟ رنا أمين

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، فلم يعد المستخدم ينتظر نشرة إخبارية أو صحيفة صباحية لمعرفة ما يحدث من حوله، بل أصبحت المعلومة تصل إليه في اللحظة نفسها التي يقع فيها الحدث.

ومع الانتشار الكبير للهواتف الذكية وتطبيقات التواصل الاجتماعي، أصبح تدفق المعلومات مستمرًا على مدار الساعة، حيث تظهر الأخبار والمنشورات والصور ومقاطع الفيديو بشكل متواصل، وهو ما جعل السوشيال ميديا واحدة من أسرع وسائل نقل المعلومات في العالم، لكن هذه السرعة الكبيرة لم تأتِ دون تحديات، فمع كل معلومة صحيحة يتم تداولها، يمكن أن تنتشر في المقابل شائعة أو معلومة غير دقيقة خلال ثوانٍ، لتبدأ رحلة جديدة من إعادة النشر والمشاركة والتعليق.

 

عندما تسبق الشائعة الحقيقة

تكمن المشكلة الأساسية في أن الشائعة غالبًا ما تمتلك القدرة على الانتشار بسرعة كبيرة، خصوصًا عندما تكون مرتبطة بموضوع يثير اهتمام الجمهور أو يسبب القلق والخوف، وقد يبدأ انتشار الشائعة بمنشور مجهول المصدر أو تعليق على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، ثم يقوم عدد من المستخدمين بإعادة نشره دون التحقق من صحته، ومع تكرار ظهوره أمام الجمهور يبدأ البعض في التعامل معه باعتباره حقيقة، وهنا تتحول الشائعة من مجرد معلومة غير مؤكدة إلى أزمة حقيقية، خاصة إذا كانت مرتبطة بموضوعات حساسة أو أحداث مهمة تؤثر في حياة الناس.

 

لماذا تنتشر الشائعات بهذه السرعة؟

هناك العديد من العوامل التي تساعد على انتشار الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من بينها رغبة المستخدمين في معرفة كل جديد، وسرعة مشاركة المحتوى، بالإضافة إلى طبيعة الخوارزميات التي تعمل بها المنصات الرقمية.

فالمحتوى الذي يثير الجدل أو الخوف أو الفضول يمكن أن يحظى بتفاعل كبير، ما يؤدي إلى ظهوره أمام عدد أكبر من المستخدمين، كما أن بعض المنشورات تعتمد على عناوين مثيرة أو عبارات صادمة لجذب الانتباه، وهو ما يدفع المستخدم إلى فتح المحتوى أو مشاركته قبل التأكد من المعلومات الواردة فيه.

 

العنوان قد يصنع قصة مختلفة

من أكثر المشكلات انتشارًا على مواقع التواصل الاجتماعي الاعتماد على العناوين المثيرة التي قد لا تعكس مضمون الخبر بشكل كامل.

فقد يقرأ المستخدم عنوانًا صادمًا، ثم يسارع إلى مشاركته دون قراءة التفاصيل أو البحث عن مصدر المعلومة، وبالتالي يصبح العنوان وحده سببًا في انتشار انطباع غير دقيق عن الموضوع، وفي بعض الحالات، قد يكون الخبر نفسه صحيحًا، لكن طريقة صياغة العنوان أو اقتطاع جزء من المعلومات منه تؤدي إلى تقديم صورة مختلفة تمامًا عن الحقيقة.

 

صورة حقيقية.. ولكن خارج سياقها

لا تقتصر فوضى المعلومات على الأخبار والمنشورات المكتوبة، وإنما تمتد أيضًا إلى الصور ومقاطع الفيديو، فقد يتم تداول صورة حقيقية بالفعل، لكنها تكون قديمة وتم التقاطها في مكان أو مناسبة مختلفة، ثم يتم تقديمها على أنها مرتبطة بحدث جديد.

وينطبق الأمر نفسه على مقاطع الفيديو، حيث يمكن اقتطاع جزء من فيديو طويل وإعادة نشره دون السياق الكامل، ما يجعل المشاهد يحصل على صورة ناقصة أو مضللة عن الحدث، ولهذا، فإن وجود صورة أو فيديو مع المنشور لا يعني بالضرورة أن المعلومات المصاحبة له صحيحة.

 

الذكاء الاصطناعي يزيد صعوبة التحقق

مع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت عملية التحقق من بعض أنواع المحتوى أكثر تعقيدًا.

فأدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو وأصوات تبدو واقعية بدرجة كبيرة، وهو ما يفتح الباب أمام استخدام هذه التقنيات في صناعة محتوى مضلل يصعب على المستخدم العادي اكتشافه بسهولة، ومن هنا أصبحت الحاجة إلى التحقق من مصادر المحتوى أكثر أهمية، وعدم الاعتماد على الصورة أو الفيديو باعتبارهما دليلًا كافيًا على صحة المعلومة.

 

تكرار المعلومة لا يجعلها حقيقة

من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي الاعتقاد بأن انتشار المعلومة على عدد كبير من الصفحات يعني أنها صحيحة، لكن الحقيقة أن جميع هذه الصفحات قد تكون نقلت المعلومة نفسها من مصدر واحد غير موثوق.

ومع تكرار ظهور الخبر أمام المستخدم، قد يشعر بأنه أصبح حقيقة مؤكدة لمجرد أنه شاهده أكثر من مرة، بينما لا يزال المصدر الأصلي للمعلومة غير معروف أو غير موثوق، لذلك، يجب التفرقة بين انتشار المعلومة وصحة المعلومة، فعدد المشاركات والمشاهدات لا يمثل دليلًا على دقة المحتوى.

 

غياب المصدر.. علامة تستحق الانتباه

عند مواجهة أي خبر أو معلومة على مواقع التواصل الاجتماعي، يجب أن يكون السؤال الأول: ما مصدر هذه المعلومة؟

وجود مصدر واضح يساعد المستخدم على تقييم المحتوى والتحقق منه، بينما يجب التعامل بحذر مع المنشورات التي تقدم معلومات مهمة دون الإشارة إلى مصدر محدد، ولا يكفي أن يكون الحساب الذي نشر المعلومة لديه عدد كبير من المتابعين، لأن الشعبية لا تعني بالضرورة المصداقية.

كما يجب البحث عن المعلومة نفسها في مصادر أخرى موثوقة، خصوصًا إذا كانت تتعلق بحدث مهم أو قرار أو تحذير أو معلومة يمكن أن تؤثر في حياة المواطنين.

 

كيف نتحقق من المعلومة قبل مشاركتها؟

مواجهة فوضى السوشيال ميديا تبدأ من المستخدم نفسه، وهناك مجموعة من الخطوات البسيطة التي يمكن اتباعها قبل إعادة نشر أي محتوى.

أولًا، يجب قراءة الخبر كاملًا وعدم الاكتفاء بالعنوان أو الصورة المصاحبة له.

ثانيًا، يجب معرفة مصدر المعلومة وتاريخ نشرها، لأن بعض الأخبار القديمة يعاد تداولها باعتبارها أحداثًا جديدة.

ثالثًا، من الأفضل البحث عن المعلومة في أكثر من مصدر موثوق، ومقارنة التفاصيل الواردة في كل مصدر.

رابعًا، يجب الانتباه إلى الصور ومقاطع الفيديو، وعدم افتراض أن وجود محتوى بصري يعني بالضرورة أن الرواية المصاحبة له صحيحة.

خامسًا، إذا كانت المعلومة غير مؤكدة أو لا يمكن التحقق منها، فمن الأفضل عدم مشاركتها، لأن عدم المشاركة في نشر معلومة مشكوك فيها يساعد على الحد من انتشارها.

 

لا تشارك بدافع الخوف أو الفضول

تستغل بعض الشائعات مشاعر الخوف والقلق والفضول لدى المستخدمين، فتتضمن عبارات تحث على المشاركة السريعة، مثل التحذير من أمر خطير أو الادعاء بوجود حدث عاجل، وقد تؤدي هذه الطريقة إلى دفع المستخدم للمشاركة قبل التفكير أو التحقق، خاصة عندما يشعر بأن عدم نشر المعلومة قد يعرض الآخرين للخطر، لكن التصرف المسؤول في هذه الحالة هو التوقف أولًا والتحقق من المصدر، لأن نشر معلومة غير صحيحة بحسن نية قد يؤدي في النهاية إلى نتائج سلبية.

 

دور الإعلام في مواجهة فوضى المعلومات

لا تقتصر مسؤولية مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة على المستخدمين وحدهم، وإنما تلعب المؤسسات الإعلامية دورًا مهمًا في تقديم المعلومات الدقيقة والموثوقة، وفي أوقات الأزمات والأحداث المهمة، تصبح سرعة نشر المعلومات الرسمية والدقيقة أمرًا بالغ الأهمية، لأن غياب المعلومات الموثوقة قد يترك مساحة أكبر للشائعات والتفسيرات غير الدقيقة، كما تحتاج المؤسسات الإعلامية إلى مواكبة سرعة السوشيال ميديا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قواعد التحقق والمراجعة وعدم التضحية بالدقة من أجل السبق.

 

مسؤولية مشتركة بين المستخدم والمنصة والإعلام

مواجهة فوضى السوشيال ميديا تحتاج إلى مسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف، فالمنصات الرقمية مطالبة بتطوير أدوات تساعد على الحد من انتشار المحتوى المضلل، والمؤسسات الإعلامية مطالبة بتقديم المعلومات الموثوقة بسرعة ووضوح، بينما يقع على المستخدم دور أساسي في عدم إعادة نشر أي معلومة قبل التحقق منها.

وكلما زادت قدرة المستخدم على التفكير النقدي والتحقق من المصادر، أصبح من الصعب على الشائعات أن تتحول إلى حقائق وهمية تنتشر بين الناس.

 

الوعي الرقمي هو خط الدفاع الأول

في عالم تتحرك فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة، أصبح الوعي الرقمي ضرورة وليس رفاهية، فالمستخدم لم يعد مجرد متلقٍ للمعلومة، وإنما أصبح جزءًا من عملية إنتاجها ونشرها، وكل ضغطة على زر المشاركة يمكن أن تساهم في انتشار معلومة صحيحة أو شائعة مضللة.

ومن هنا، فإن التعامل الواعي مع مواقع التواصل الاجتماعي يبدأ من إدراك أن ما يظهر أمامنا على الشاشة ليس بالضرورة حقيقة كاملة، وأن التحقق من المعلومة يحتاج إلى وقت وجهد، لكنه يظل أفضل من المشاركة في نشر محتوى قد يكون من الصعب تصحيحه بعد انتشاره.

 

الحقيقة تحتاج إلى التحقق.. لا إلى سرعة المشاركة

أصبحت السوشيال ميديا ساحة مفتوحة للمعلومات والأخبار والآراء، ومع كل دقيقة جديدة تتزايد كمية المحتوى الذي يصل إلى المستخدمين.

لكن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى المعلومة، وإنما في القدرة على معرفة أي المعلومات تستحق الثقة وأيها يجب التوقف عندها والتحقق منها، ففي الوقت الذي يمكن أن تصل فيه المعلومة الصحيحة إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق، يمكن للشائعة أيضًا أن تقطع المسافة نفسها خلال ثوانٍ.

ولهذا، فإن مواجهة فوضى السوشيال ميديا تبدأ من قاعدة بسيطة: لا تشارك كل ما تعرفه قبل أن تعرف إن كان صحيحًا بالفعل، لأن حماية الحقيقة لم تعد مسؤولية المؤسسات وحدها، وإنما أصبحت مسؤولية كل مستخدم يملك هاتفًا وحسابًا على مواقع التواصل الاجتماعي.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة