سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 9 أغسطس 1809..محمد على باشا يعزل عمر مكرم من نقابة الأشراف وينفيه لدمياط ويمهله ثلاثة أيام لمغادرة القاهرة رافضا طلبه بالذهاب إلى أسيوط أو الطور أو درنة

الأحد، 09 أغسطس 2026 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 9 أغسطس 1809..محمد على باشا يعزل عمر مكرم من نقابة الأشراف وينفيه لدمياط ويمهله ثلاثة أيام لمغادرة القاهرة رافضا طلبه بالذهاب إلى أسيوط أو الطور أو درنة محمد على باشا

حرر محمد على باشا والى مصر بيانا ليرسله إلى الباب العالى العثمانى حول ما أنفقه من الخراج، وقدره نحو4 آلاف كيس، وأوضح فيه أن الإنفاق جرى فى مهمات تختص بشؤون البلاد، منها ما صرف فى سد ترعة الفرعونية، وما صرف على الحملات العسكرية لمحاربة المماليك، وما أنفقه على عمارة القلعة، وترميم المجراة وحفر الترع، حسبما يذكر عبدالرحمن الرافعى فى كتابه "عصر محمد على"

يضيف «الرافعي» أن محمد علي أرسل البيان إلى عمر مكرم نقيب الأشراف لإقراره والتوقيع عليه، فامتنع وأظهر الشك في محتوياته، وقال للرسول الذي حمله إليه: أما ما صرفه علي سد ترعة الفرعونية فإن الذي جمعه وجباه من البلاد يزيد على ما صرفه أضعافًا كثيرة، وأما غير ذلك فكله كذب لا أصل له، وكان جوابًا جافًا شديد اللهجة.

يوضح الدكتور محمد عبدالعزيز الشناوي، أهمية منصب «نقيب الأشراف» وقتئذ، قائلًا في كتابيه «الأزهر جامع وجامعة» و«عمر مكرم»، أن «نقيب الأشراف» كان من المناصب الكبرى، وبخاصة في مجتمع ديني كان الطابع المميز للحياة في مصر وقتئذ، وأصبح عمر مكرم بحكم منصبه يشترك في ديوان الباشا، ويكون في مقدمة المدعوين إلى الحفلات الرسمية كاستقبال الباشا الجديد أو الاحتفالات العامة مثل «وفاء النيل»، كما ينظم الاحتفالات الدينية الكبرى كالمولد النبوي الشريف، والإمام الحسين، وليلة الصيام، ويشرف على أملاك نقابة الأشراف، وإدارة أوقافها، وصرف المرتبات والخيرات لمستحقيها.

ويضيف «الشناوي»، أن عمر مكرم بحكم كونه نقيبًا للأشراف كان يحتل الصدارة في المجتمع المصري، وكانت الجماهير تسارع طوعًا واختيارًا في إبداء مشاعرها الودية نحوه.

كان لهذه المكانة الرفيعة لعمر مكرم تأثيرها الرئيسي في نجاح الانتفاضة الشعبية التي تزعمها لتفرض محمد علي واليًا على مصر في 13 مايو، 1805، لكن العلاقة بينهما ساءت بعد ذلك، ويذكر الرافعي: «أخذ رسل السوء يزيدون هوة الخلاف اتساعًا بين محمد علي وعمر مكرم، وينقلون إلى الباشا ما يقوله عمر في مجالسه، ويزيدون عليه ما سولت لهم أغراضهم، وأحاط الباشا بيت عمر بالجواسيس لمراقبة حركاته وسكناته».

ويؤكد الرافعي، أن محمد علي زاد حنقه لرفض عمر مكرم التوقيع على بيان النفقات التي سيرسلها إلى الباب العالي، بالإضافة إلى رفضه مقابلة الباشا، ولما كثر التراسل بينهما حول هذا الشأن، وافق عمر أن تكون المقابلة في بيت الشيخ السادات، فشعر محمد علي بالإهانة، وكبر عليه أن تكون المقابلة في دار غير مقر حكمه، وقال: هل بلغ له أن يزدريني ويأمرني بالنزول من محل حكمي إلى بيوت الناس، وصمم على البطش به.

يذكر عبدالعزيز الشناوي: «اتجه تفكير محمد علي إلى عزل عمر مكرم من نقابة الأشراف ونفيه إلى دمياط، ولجأ لتنفيذ ذلك إلى حيلة وهي الاحتكام إلى فيما شجر بينهما من خلاف أمام مجلس شرعي يتألف من القاضي وكبار علماء الأزهر الوصوليين، وكان مطمئنًا من قبل إلى تحيزهم له، فإذا هو استجاب للدعوة بالحضور وقبل مجلس الشرع خرج منه مغلوبًا، وحينئذ يكون له الحق في أن ينفذ حكمه، وإن لم يحضر كان امتناعه في ذاته خروجًا على السلطة الشرعية».

يضيف الشناوي: «نزل محمد علي من القلعة إلى دار ابنه إبراهيم بالأزبكية، صباح 9 أغسطس، مثل هذا اليوم، 1809، وطلب القاضي والشيخ محمد السادات الطامع في نقابة الأشراف، والشيخ الشرقاوي وسائر العلماء المتصدرين لعقد مجلس الشرع، وتقرر إرسال مندوبين إلى عمر مكرم، أحدهما من طرف الباشا، والآخر من طرف القاضي يدعوانه إلى الحضور، وأدرك عمر مكرم أبعاد المؤامرة، ورأى أنه من العبث أن يذهب فآثر الامتناع، واعتذر لأنه شرب دواء وليس في مقدوره الحضور في هذا اليوم، فأثبت القاضي في محضر المجلس امتناع عمر مكرم عن الحضور، وكان محمد علي قد أحضر معه خلعة، فألبسها للشيخ السادات رمزًا لتعيينه نقيبًا للأشراف بدلًا من عمر مكرم الذي عزله من النقابة، وأمر في الوقت ذاته بكتابة فرمان بنفيه إلى دمياط، وكانت هذه المدينة منفى للمغضوب عليهم».

يذكر «الشناوي» أن المشايخ تظاهروا بالعطف على عمر مكرم نفاقًا ورياء، فتشفعوا لدى محمد علي لإمهاله ثلاثة أيام ليقضي أشغاله، فأجيبوا إلى ذلك، ثم سألوه أن يأذن له بالذهاب إلى أسيوط مسقط رأسه لتكون منفى له، فرفض، وحسب عبدالرحمن الجبرتي، في موسوعته «عجائب الآثار في التراجم والأخبار»، فإن عمر مكرم علق قائلًا: «أما منصب النقابة فإني راغب عنه زاهد فيه، وليس فيه إلا التعب، وأما النفي فهو غاية مطلوبي»، ثم طلب نفيه إلى جهة لا يحكمها محمد علي إذا لم يأذن له بالذهاب إلى أسيوط، واختار «الطور» أو «درنة» بطرابلس الغرب، لكن «الباشا» أصر على دمياط، فاستعد عمر مكرم للسفر، ووكل عنه السيد المحروقي كبير تجار القاهرة، وعهد إليه إدارة أملاكه ورعاية أهل بيته.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة