"كرامات المنام" و"جن التنظيم"..كيف صنعت قيادات الإخوان عقلًا أسطوريًا لإخضاع الأتباع؟ باحث فى شؤون الحركات الإرهابية يكشف توظيف الخرافة والغيبيات فى التربية التنظيمية وصناعة الوهم والهروب من مواجهة حقائق الواقع

الجمعة، 07 أغسطس 2026 06:00 م
"كرامات المنام" و"جن التنظيم"..كيف صنعت قيادات الإخوان عقلًا أسطوريًا لإخضاع الأتباع؟ باحث فى شؤون الحركات الإرهابية يكشف توظيف الخرافة والغيبيات فى التربية التنظيمية وصناعة الوهم والهروب من مواجهة حقائق الواقع الاخوان

كتبت: منة الله حمدى

طالما افتخرت جماعة الإخوان الارهابية بكونها واحدة من أكثر الفصائل احتراماً للعقل والمنطق، وزعمت طوال عقود أنها تقف في مواجهة صريحة ضد "خرافات الصوفية" والشعوذة. غير أن السلوكيات والممارسات العملية لأعضاء الجماعة، ولا سيما عند وقوع الأزمات والمنعطفات التاريخية الحاسمة، كشفت عن تناقض صارخ مع هذه الادعاءات، وأظهرت العقلية الحقيقية المختبئة بين تلافيف الشخصية الإخوانية، ومدى توغّل الفكر الأسطوري والغيبي في بنيتها العقلية والتربوية.

في السطور التالية يكشف الباحث في شؤون الحركات الارهابية طارق ابو السعد النقاب عن تناقضات الجماعة ويزيح الستار عن خذلانها والكذبها المستمر.

قال طارق أبو السعد الباحث في شؤون الحركات الإرهابية، ، إن أول مظاهر هذا العقل الخرافي تجلّى بوضوح عقب ثورة 30 يونيو 2013 التي أنهت حكم الجماعة، حيث انتشرت مقولة "من ولّاه سيتولّاه على السنّة" بين القواعد والعموم. وأوضح أبو السعد أن هذه المقولة روجت لفكرة مفادها أن الإخوان تولوا حكم مصر بأمر إلهي مباشر، ومن ثمّ فإن الله عز وجل هو من سيتولى حمايتهم والدفاع عن بقائهم في السلطة دون الحاجة لقوانين السياسة والواقع.

 

بناء العقل الجمعي واستدعاء الغيبيات

وأضاف الباحث طارق أبو السعد أنه بعد فحص ودراسة الحكايات التي تُربّى عليها قواعد الإخوان داخل الأسر والتجمعات المغلقة، يتبين أن المكون الأساسي للتربية التنظيمية قائم على إعداد الأفراد لقبول الفكر الخرافي والأسطوري. وأكد أبو السعد وجود فارق واضح بين العقل الفردي لعضو الجماعة، والعقل الجمعي للتنظيم ككل، مشدداً على أن العقل الجمعي للإخوان هو "عقل خرافي في المقام الأول".

وتابع أبو السعد موضحاً أن أدبيات الجماعة المكتوبة وحكاياتها الشفهية الموروثة تعد أكبر شاهد على استغلال القيادات للمكونات الغيبية للسيطرة النمطية على الأتباع، وتوجيههم وتطويع إرادتهم وفق رؤية الجماعة. وأشار إلى أن عملية بناء العقل الجمعي الخرافي مرت عبر ثلاث مراحل أساسية متدرجة.
المرحلة الأولى: تقبّل الخوارق و"كرامات المنام"

وأشار الباحث في شؤون الحركات الإرهابية إلى أن المرحلة الأولى ارتكزت على تعويد الأفراد منذ الصغر على قبول الأمور الخارقة للعادة، واعتبارها "كرامات" لأتقياء الجماعة وقادتها، وعلى رأسهم المؤسس حسن البنا.

واستشهد أبو السعد بما وثقه قيادي الإخوان محمود عبد الحليم في كتابه "الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ"، حيث حكى أن البنا كان يعمل في دكان بقالة ولم يجد وقتاً للمذاكرة قبل الامتحان، فنظر في المنام ورأى رجلاً يمسك بكتاب الامتحان ويفتحه على صفحات محددة يطالبه بقراءتها، ليصحو في الصباح حافظاً لها ويؤدي الامتحان ليكون الأول على دفعته. ولفت أبو السعد إلى أن تكرار هذه الروايات كرس لدى أتباع الإخوان فكرة أن قادتهم مؤيدون بمدد إلهي مباشر، وأن الانتصار يمكن أن يتحقق عبر الرؤى والمنامات، مما يعطل التفكير العلمي والواقعي.

 

المرحلة الثانية: إدعاء "المعجزات" والتوجيه عن بُعد

ولفت الباحث طارق أبو السعد إلى أن المرحلة الثانية تمثلت في إقناع التنظيم بقابليته لصنع "المعجزات" والتوجيه عن بعد. ومن أبرز الحكايات ما يتداوله الإخوان حول حرب فلسطين عام 1948، حين ضلّت مجموعة من عناصرهم الطريق في الجبال، فسمعوا فجأة صوت حسن البنا يوجههم نحو طريق السكة الحديدية، رغم وجوده في القاهرة.

وأوضح أبو السعد أن هذه القصة يرويها القيادي بالجمعية خالد أبو شادي نقلاً عن أحمد سيف الإسلام بن حسن البنا، وموثقة في أدبياتهم. وتساءل الباحث طارق أبو السعد: "إذا كان البنا يمتلك هذه القدرة الخارقة لتوجيه رجاله عن بُعد، فلماذا لم ينقذ أتباعه عندما داهمت قوات الأمن المصرية تدريباتهم المسلحة في الجبل فيما عُرف بقضية المقطم؟"، واصفاً القصة بأنها محاولة مكشوفة لإسقاط حادثة "سارية الجبل" الشهيرة في التاريخ الإسلامي على شخص البنا.

ولم تقف المبالغات عند هذا الحد بحسب أبو السعد  ما ذكره بل امتدت لتشمل ادعاءات الإلهام الداخلي. وتطرق إلى ما وثقه عضو مكتب الإرشاد عباس السيسي عن أحد عناصر الجماعة (مصطفى المغير) أثناء التحقيق معه عام 1965 داخل "خزانة مغلقة"، حيث زعم أنه سمع إجابات زميله عن بُعد واستفاد منها، ليكتشف لاحقاً أن زميله لم يدخل السجن أساساً، معتبراً ما حدث "إلهاماً كرامياً".

 

المرحلة الثالثة: الاتصال بعالم الجنّ وتخدير الوعي

وذكر الباحث طارق أبو السعد أن المرحلة الثالثة والأكثر خطورة هي ادعاء الاتصال بعالم الجن والغيب، وهي ممارسات ظلّت تُتداول شفهياً داخل الغرف المغلقة للتنظيم.

وكشف أبو السعد عن شهادات شفهية من كواليس اللقاءات التربوية للقيادي الإخواني علي نويتو (من الرعيل الأول)، حيث كان يتعمد صمت الجلسة في منتصفها، ويتغير لون وجهه ويتفصب عرقاً وهو يهمهم بكلمات غير مفهومة. ثم يطالب الحضور بإفساح مساحة فارغة في المجلس، معللاً ذلك بقوله: "أرجو ألا يقترب أحد من هذه المنطقة لأنها مخصصة للإخوان من الجن، والذين أحادثهم الآن هم مسؤولو وأمراء تنظيم الجن".

 

انتظار المعجزة وتزييف الواقع

واختتم الباحث في شؤون الحركات الإرهابية، طارق أبو السعد، تحليله بالتأكيد على أن هذه المنظومة من الحكايات والخرافات لم تكن مجرد شطحات فردية، بل كانت استراتيجية ممنهجة لتجهيز العقل الإخواني لتقبل الوهم والهروب من مستحقات الواقع السياسي والاجتماعي.

وأكد أبو السعد أن هذا البناء الخرافي جعل القواعد الإخوانية في حالة انتظار دائم لمعجزة خارقة للعادة تغير مجرى الأحداث لصالحهم، وهو ما يفسر ارتباكهم وسقوطهم المدوي أمام الحقائق السياسية الصلبة، بعد أن ظلوا يفسرون الواقع الصعب بقوى غيبية بدلاً من مراجعة أفكارهم وممارساتهم الكارثية
 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة