في غزة، حيث أصبحت الطفولة مرادفا للانتظار والخوف والألم، يقضي الطفل بلال الرقب، البالغ من العمر عامين ونصف فقط، أيامه بين جدران المستشفى، بينما يخوض جسده الصغير معركة تفوق عمره بكثير، ففي الوقت الذي كان من المفترض أن يركض خلف ألعابه ويكتشف العالم بخطواته الأولى، أصبح بلال يواجه مرضا خطيرا يهدد صحته ومستقبله، وسط ظروف صحية وإنسانية بالغة الصعوبة.
بدأت معاناة بلال بعد إصابته بالتهاب حاد في كبيبات الكلى، وهو مرض تسبب في تدهور حالته الصحية بشكل سريع، حيث أصيب بتورم شديد في مختلف أنحاء جسده، وتغير لون بوله إلى الداكن، وارتفع ضغط دمه إلى مستويات مقلقة، في مشهد أثار قلق عائلته والأطباء على حد سواء.
بلال الرقب
أمل يتلاشى
داخل مجمع ناصر الطبي، تلقى بلال العلاج المتاح باستخدام أدوية لخفض ضغط الدم ومدرات البول، وبالفعل، بدأت بوادر تحسن مؤقت، وانخفض التورم لفترة قصيرة، لتتنفس أسرته شيئا من الأمل، إلا أن ذلك الأمل لم يدم طويلا، فسرعان ما عاد التورم من جديد، وارتفع ضغط الدم مرة أخرى، في مؤشر واضح على أن حالته لا تستجيب بالشكل الكافي للعلاج المتوفر، والمرض ما زال يهدد جسده الصغير.
ويؤكد الفريق الطبي أن بلال يحتاج بصورة عاجلة إلى استكمال فحوصات طبية متخصصة، ومتابعة دقيقة داخل مركز متخصص بأمراض كلى الأطفال، حيث يمكن توفير الرعاية اللازمة للسيطرة على ارتفاع ضغط الدم، ومنع حدوث مضاعفات خطيرة قد تؤثر على وظائف الكليتين وصحته بشكل عام، غير أن هذا العلاج المتخصص غير متاح له بالقدر الذي تتطلبه حالته، ما يجعل الوقت عاملا حاسما في إنقاذه، فكل يوم يمر دون حصوله على الرعاية الطبية المناسبة يزيد من احتمالية تعرضه لمضاعفات قد تكون دائمة، وقد تهدد وظائف كليتيه، بل وحياته.
سباق مع الزمن لإنقاذ الطفل
اليوم، يقف بلال وعائلته أمام سباق مع الزمن، فطفل لم يتجاوز عامه الثاني والنصف يحمل على كتفيه الصغيرتين عبئا صحيا ثقيلا، بينما تتعلق آمال أسرته بفرصة للسفر إلى الخارج لتلقي العلاج الذي قد ينقذ حياته ويمنحه فرصة للنمو والعيش كبقية الأطفال.
أصبح بلال بحاجة ماسة إلى إتاحة السفر للعلاج خارج غزة، حيث يمكنه الوصول إلى مركز متخصص يوفر الفحوصات الدقيقة والعلاج اللازم لحالته، وتأخير حصوله على هذه الرعاية قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة لا يمكن تداركها، في حين أن التدخل الطبي المتخصص في الوقت المناسب قد يصنع الفارق بين تدهور حالته واستعادة طفولته.
"أخشى أن أفقده في أي لحظة"
لم تتخيل والدة بلال الرقب، أن تتحول طفولة ابنها إلى رحلة طويلة بين أقسام المستشفيات وعيادات الأطباء، بينما يواصل المرض تهديد صحته يوما بعد يوم، في ظل حاجته إلى رعاية طبية متخصصة لا تتوفر له.
تقول والدة الطفل الفلسطيني، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع": "ابني يعاني من مشكلات في الكلى، وارتفاع مزمن وشديد في ضغط الدم. رغم كل أدوية الضغط التي جربها الأطباء، يبقى ضغطه مرتفعا بصورة خطيرة، وأحيانا يصل إلى 160/90، ثم ينخفض قليلا إلى 140/80 قبل أن يعود للارتفاع من جديد".
وتضيف أن ارتفاع ضغط الدم لا يقتصر على الأرقام فقط، بل ينعكس على حالة طفلها بشكل مؤلم، متابعة: "كل مرة يرتفع فيها الضغط، يتورم جسم بلال بشكل كبير، وتحتبس السوائل في جسده. يصبح لون جسمه شديد الاحمرار من شدة ارتفاع الضغط، وكأن الدم سيخرج من جلده".
وتؤكد أن الأطباء حذروها من استمرار هذه الحالة، موضحة: "قالوا لي إن استمرار ارتفاع الضغط قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، وقد يؤثر على خلايا المخ، أنا لا أريد أن أصل إلى هذه المرحلة، أريد فقط أن أنقذ طفلي قبل فوات الأوان".

التقرير الطبي للطفل بلال الرقب
وتشير والدته إلى أن رحلة البحث عن تشخيص دقيق لم تكن سهلة، قائلة: "حتى عندما يحاول الأطباء إجراء صور للبطن أو للكلى، يواجهون صعوبة في رؤية كل شيء بسبب مشاكل القولون والغازات التي يعاني منها، كل يوم ننتقل بين طبيب وآخر، مرة عند طبيب القلب، ومرة عند أطباء الرئة، وما زلنا نبحث عن العلاج الذي ينقذ ابني".
ولا تتوقف معاناة بلال عند مرض الكلى وارتفاع ضغط الدم، حيث يعاني أيضا من ضيق في التنفس ويستخدم بخاخات للرئة، إلا أن والدته تقول إن استخدام هذه البخاخات يزيد من تعقيد حالته بسبب تأثيرها على ضغط الدم، ما يجعل التعامل مع حالته أكثر صعوبة.
وتستحضر الأم سنوات الحرب وما رافقها من حرمان، قائلة: "ابني عمره سنتان ونصف، لكنه لم يعرف من الحياة شيئا سوى الخيام والجوع والفقر، ولد في ظروف قاسية، ولم يعش طفولته كما يعيشها أي طفل، أشعر بالحسرة كلما رأيته يتألم بدلا من أن يلعب ويكبر مثل أقرانه، أشعر أن الظروف القاسية ونقص الغذاء المناسب للأطفال أثرت على صحته، لكن كل ما أريده الآن هو أن يحصل على العلاج الذي يحتاجه".
ولا تقف معاناة الأسرة عند بلال، فوالدته تؤكد أن شقيقته تعاني أيضا من مرض مزمن، قائلة: "حتى ابنتي لديها تحويلة طبية منذ سنوات، وتعاني من التهاب مزمن في الأذن مع تآكل في عظم الأذن، وكل محاولات سفرها للعلاج لم تنجح حتى الآن".
وبين طفل يحتاج إلى علاج عاجل للكلى وارتفاع ضغط الدم، وطفلة تنتظر منذ سنوات فرصة للعلاج، تجد الأسرة نفسها أمام معاناة مضاعفة، بينما يمر الوقت ويزداد القلق، وتوجه الأم رسالتها للمجتمع الدولي: "أنا لا أطلب المستحيل، أريد فقط أن أنقذ أطفالي، ابني يحتاج إلى السفر للعلاج في الخارج قبل أن تتفاقم حالته، وقبل أن نخسره، كل يوم يمر يزيد خوفي عليه، وأرجو ألا يأتي اليوم الذي أندم فيه لأن المساعدة وصلت بعد فوات الأوان".