لم تكن المعركة التي خاضتها جماعة الإخوان الإرهابية على مدار عقود تقتصر على الشعارات أو الخطابات السياسية، بل امتدت إلى بناء شبكة موازية من الكيانات الخدمية والمالية، استُخدمت بحسب شهادات منشقين وقيادات سابقة وكتب تناولت تاريخ الجماعة الإرهابية، كأحد أهم أعمدة التنظيم في إحكام السيطرة على أعضائه، وتوسيع نفوذه داخل المجتمع، عبر منظومة من الجمعيات الخيرية والمؤسسات التعليمية والطبية التي تجاوز دورها تقديم الخدمات إلى بناء الولاءات وإدارة الموارد المالية في دوائر مغلقة.
وعلى مدار ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كثفت الجماعة من انتشار الجمعيات الخيرية في عدد كبير من المحافظات، مستفيدة من توسع العمل الأهلي آنذاك، لتقديم خدمات اجتماعية وصحية وتعليمية عززت حضورها بين المواطنين، وهو ما منحها، وفق ما أورده عدد من الباحثين والمنشقين، قاعدة اجتماعية واسعة ساعدتها على ترسيخ نفوذها التنظيمي والسياسي.
وفي كتاب «سر المعبد»، يكشف الدكتور ثروت الخرباوي القيادي المنشق عن جماعة الإخوان أن إدارة تلك الجمعيات لم تكن تخضع لرقابة القواعد التنظيمية، وإنما كانت محصورة داخل دائرة ضيقة من قيادات مكتب الإرشاد، التي تولت الإشراف على حركة الأموال وآليات إنفاقها، مع الحفاظ على سرية مصادر التمويل وأوجه الصرف، بما جعل الملف المالي أحد أكثر الملفات إحكاما داخل الجماعة، وأداة رئيسية لتعزيز نفوذ القيادة.
ويشير الخرباوي إلى أن النظام المالي داخل الجماعة اعتمد على مركزية شديدة في إدارة الموارد، وهو ما منح القيادات العليا قدرة واسعة على توجيه الأموال بما يخدم أهداف التنظيم، مع غياب الشفافية الداخلية بشأن حجم الموارد أو طرق إدارتها.
وفي السياق ذاته، يوضح إبراهيم ربيع القيادى المنشق عن جماعة الإخوان الإرهابية أن العمل الخيري لم يكن مجرد نشاط اجتماعي، وإنما ارتبط بعملية استقطاب العناصر الجديدة وترسيخ الولاء للتنظيم، من خلال تقديم الدعم المالي والاجتماعي للأعضاء الملتزمين بالتوجيهات التنظيمية، في مقابل استبعاد أو تهميش من يخرج عن تلك القواعد.
كما يرى ربيع أن هذه الجمعيات لعبت دورا مهما في توسيع النفوذ السياسي للجماعة، خاصة في المحافظات البعيدة، حيث ساهمت الخدمات المقدمة في تعزيز حضور التنظيم داخل المجتمع، بما وفر له قاعدة دعم امتدت إلى المجالين الاجتماعي والسياسي.
وتتفق شهادات عدد من المنشقين على أن المنظومة المالية للجماعة مثلت إحدى أبرز أدوات السيطرة الداخلية، إذ ارتبطت المساعدات والدعم المالي بشبكة من العلاقات التنظيمية التي امتد تأثيرها إلى ملفات العمل والتعليم، بل وبعض الجوانب الاجتماعية، بما عزز من قدرة القيادة على إحكام السيطرة على الأعضاء عبر إدارة الموارد بصورة مركزية.
ويشير عدد من الباحثين إلى أن هذا البناء المالي والتنظيمي وفر للجماعة، عقب أحداث يناير 2011، بنية جاهزة للتحرك السريع في المجال السياسي، حيث ساعدت شبكات الجمعيات والكوادر المرتبطة بها في عمليات الحشد والتنظيم، بينما ظل حجم الموارد المالية ومصادرها بعيدا عن الإعلان أو الرقابة المجتمعية.