خرج ملك إسبانيا فيليبي السادس عن صمته المعتاد، معبراً عن "قلقه واستيائه" من الأحداث الخطيرة التي شهدتها مدينة سبتة، والتي أسفرت عن دخول أكثر من 70 ألف مهاجر معظمهم من المغرب، في خطوة فُسرت على نطاق واسع بأنها انتقاد مباشر لإدارة حكومة بيدرو سانشيز الائتلافية للأزمة، وتحميلها مسؤولية التقاعس وغياب الحزم في حماية الحدود، حسبما قالت صحيفة الكونفدنثيال الإسبانية.
ورغم أن النص الرسمي للديوان الملكي تجنب الهجوم الحزبي الصريح، إلا أن توقيت البيان، ولهجته الحادة، والمطالبة الصريحة بـ"رد موحد وحازم"، فتحت الباب أمام تأويلات سياسية عميقة، خاصة أن الحياد الملكي يُعد قاعدة راسخة في النظام البرلماني الإسباني، وخروجه عنها في ذروة العطلة الصيفية يشير إلى أن القصر الملكي ينظر إلى الأزمة ليس كمجرد طارئ إنساني، بل كتهديد وجودي للسيادة الوطنية وأمن الدولة، وهو الموقف ذاته الذي تبناه حزب المعارضة الشعبي (PP) منذ اليوم الأول.
جولة اتصالات دبلوماسية
ولم يكتفِ الملك بالتصريحات، بل شرع في جولة اتصالات دبلوماسية مكثفة شملت رئيس الحكومة، وزعيم المعارضة ألبرتو نونييث فيخو، ورؤساء مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين. وكان اللقاء الأكثر دلالة هو استقباله لرئيس سبتة، خوان خيسوس فيفاس، في قصر ماريفنت بجزيرة مايوركا، في مشهد حمل رسالة ضمنية بالدعم للمسؤول المحلي المنتمي للمعارضة، في وقت كانت فيه إدارة سبتة تنتقد قلة التواصل مع الحكومة المركزية في مدريد.
من جهتها، رأت المعارضة أن كلمات الملك شرّعت اتهاماتها للحكومة بالتقاعس وغياب سياسة هجرة حازمة، معتبرة أن الملك اضطر لسد فراغ القيادة في قصر "مونكلوا" (مقر الحكومة)، بينما حاولت الحكومة احتواء الأمر، مؤكدة أن الملك أدى دوره الدستوري كحامٍ لوحدة الدولة، لكن مصادر حكومية اعترفت، في الخفاء، بأن خطاب الملك تجاوز ما هو متوقع، وخلق سابقة قد تؤثر في العلاقة بين المؤسستين مستقبلاً.
وتستمر الأزمة في التحول من تحدٍ حدودي إلى اختبار حقيقي للعلاقة بين التاج والحكومة، وسط مطالب من حكومة جزر البليار (التابعة للمعارضة) بإنهاء سياسة "الحدود المفتوحة"، وتأكيدها أن "هنا لا يسع الجميع"، في مشهد يعكس انقساماً سياسياً عميقاً حول كيفية التعامل مع واحدة من أكبر أزمات الهجرة التي شهدتها إسبانيا في تاريخها الحديث.