من موائد الطعام إلى الذبائح وتلاوة الصلوات.. قطع أثرية بمتحف الغردقة تكشف أسرار طقوس القرابين عند المصريين القدماء.. وتبرز كيف جسدت المعتقدات الدينية رحلة البحث عن رضا الآلهة والرخاء والخلود من قطعة نادرة.. صور

الخميس، 06 أغسطس 2026 04:00 ص
من موائد الطعام إلى الذبائح وتلاوة الصلوات.. قطع أثرية بمتحف الغردقة تكشف أسرار طقوس القرابين عند المصريين القدماء.. وتبرز كيف جسدت المعتقدات الدينية رحلة البحث عن رضا الآلهة والرخاء والخلود من قطعة نادرة.. صور لوحة جدارية أثرية بمتحف الغردقة تتحدث عن القرابين

البحر الأحمر – عماد عرفة

داخل قاعات متحف آثار الغردقة، تقف مجموعة من القطع الأثرية شاهدة على جانب بالغ الأهمية من حياة المصريين القدماء، وهو عالم الطقوس الدينية وتقديم القرابين، حيث تكشف تلك المقتنيات عن عمق العقيدة المصرية القديمة وإيمان أصحابها بوجود قوى غيبية تتحكم في مظاهر الحياة والطبيعة، وهو ما دفعهم إلى ابتكار طقوس دقيقة للتقرب إلى الآلهة وطلب البركة والرخاء وضمان الحياة الأبدية بعد الموت.

 

ولا تقتصر أهمية هذه القطع على قيمتها التاريخية فقط، بل تعكس أيضا براعة الفنان المصري القديم في توثيق تفاصيل الحياة الدينية والجنائزية من خلال النقوش والمناظر التي ما زالت تحتفظ بجمالها ودقتها رغم مرور آلاف السنين.

 

لوحة “حتب دي نسو” أشهر صيغ القرابين في الحضارة المصرية

من أبرز المعروضات داخل المتحف لوحة أثرية مستطيلة من الحجر الجيري نفذت بأسلوب النقش الغائر، وتحمل في أعلاها الصيغة الهيروغليفية الشهيرة “حتب دي نسو”، والتي تعني “قربان يقدمه الملك”، وهي من أكثر الصيغ استخداما في النصوص الجنائزية المصرية القديمة.

 

وتظهر على اللوحة سيدة تجلس أمام مائدة قرابين عليها مختلف أنواع الطعام، في مشهد يعكس أحد الطقوس الجنائزية التي اعتقد المصريون القدماء أنها تضمن للمتوفى الحصول على الغذاء في العالم الآخر، كما تمثل وسيلة للتقرب إلى الآلهة ونيل رضاها، وهو ما يعبر عن الإيمان العميق باستمرار الحياة بعد الموت وضرورة توفير احتياجات المتوفى في رحلته الأبدية.

 

ذبح الأضاحي

وتكشف اللوحة كذلك عن منظر مميز لذبح أضحية، وهو أحد أبرز الطقوس الدينية التي ارتبطت بتقديم القرابين في مصر القديمة، حيث كانت الذبائح تمثل جزءا أساسيا من الشعائر التي تقام داخل المعابد وفي المناسبات الدينية والجنائزية.

 

وتنوعت القرابين التي قدمها المصريون القدماء بين اللحوم والخبز وأنواع الطعام المختلفة، وكان الثور يحظى بمكانة خاصة باعتباره من أهم القرابين التي تقدم للآلهة، لذلك حرص الفنانون على تسجيل مراحل إعداد الذبائح وطقوس تقديمها في العديد من المعابد والمقابر، لتصبح سجلا تاريخيا يوثق تفاصيل تلك الممارسات الدينية.

 

الكهنة ورئيس الجزارين يشرفون على مراسم التضحية

وتوضح المعروضات الأثرية أن عملية ذبح الأضاحي لم تكن تتم بصورة عشوائية، وإنما كانت تخضع لنظام دقيق تشرف عليه شخصيات محددة، حيث كان رئيس الجزارين يتولى تنفيذ عملية الذبح، بينما يتلو الكهنة الأدعية والصلوات والتسابيح قبل وأثناء تقديم القربان، في مشهد يجسد تداخل الطقوس الدينية مع الحياة اليومية للمصريين القدماء.

 

كما توضح إحدى الجداريات المعروضة متحف الغردقة صورة لثور يقدم قربانا عن طريق الذبح أو الحرق، وهي من الوسائل التي اعتقد المصريون القدماء أنها تساعد في نيل رضا الآلهة، وتشير المصادر الأثرية إلى أن الثور كان يعامل باحترام كبير قبل التضحية به، حيث كانت توضع قطعة من القماش على عينيه حتى لا يرى السكين، خاصة إذا كان من الأضاحي الكبيرة، في مشهد يعكس قدسية هذا الطقس وخصوصيته.

 

توزيع الأضحية

ولم تقتصر طقوس القرابين على الجانب الديني فقط، بل حملت أيضا أبعادا اجتماعية واضحة، إذ كان المصريون القدماء يوزعون الأضحية وفق نظام رمزي يعكس روح التكافل، حيث يخصص الثلث الأول للكهنة، وخاصة الفخذ الأيسر، بينما يحصل صاحب القربان على الثلث الثاني، ويخصص الثلث الأخير للفقراء والمحتاجين، وهو ما يؤكد أن تلك الطقوس جمعت بين العبادة والتكافل الاجتماعي في آن واحد.

 

موائد القرابين

ويضم متحف آثار الغردقة كذلك عددا من موائد القرابين المصنوعة من الحجر والفخار، والتي تعد من القطع النادرة التي استخدمت في الطقوس الجنائزية، حيث زينت بالنقوش والأدعية والتراتيل المخصصة لروح المتوفى.

 

وتحمل بعض هذه الموائد رسومات دقيقة لأنواع مختلفة من الطعام والشراب، في إشارة إلى اعتقاد المصريين القدماء بأن القربان يمثل حلقة وصل بين عالم الأحياء وعالم الموتى، كما يجسد العلاقة الروحية بين الإنسان والآلهة، ويؤكد أهمية استمرار تقديم القرابين لضمان النعيم الأبدي.

 

متحف الغردقة

يذكر ان متحف الغردقة تم افتتاحه فى 29 فبراير 2020 بحضور الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، ليصبح أول متحف تنشئه وزارة السياحة والآثار بالشراكة مع القطاع الخاص، وتبلغ مساحته الإجمالية نحو 22 ألفا و500 متر مربع، منها 12 ألف متر مربع مخصصة للمنطقة التجارية، بينما تبلغ مساحة العرض المتحفي نحو 1800 متر مربع موزعة على طابقين.

 

ويضم المتحف ما يقرب من 1400 قطعة أثرية تمثل مختلف العصور التاريخية، بداية من عصور ما قبل التاريخ وحتى عصر أسرة محمد علي، كما يضم 11 ممرا للعرض، و41 فاترينة عرض داخلية، إلى جانب مناطق للعرض الخارجي، ويعتمد أسلوب العرض الزمني والموضوعي لتقديم تاريخ الحضارة المصرية بصورة متكاملة.

 

ومن أبرز مقتنياته تمثال الملكة ميريت آمون من الأسرة التاسعة عشرة، إلى جانب ثلاث قطع أثرية نادرة للملك تحتمس الثالث، أحد أعظم ملوك مصر القديمة وصاحب الانتصارات العسكرية الشهيرة.

لوحة جدارية أثرية بمتحف الغردقة تتحدث عن القرابين (1)
لوحة جدارية أثرية بمتحف الغردقة تتحدث عن القرابين (1)

 

لوحة جدارية أثرية بمتحف الغردقة تتحدث عن القرابين
لوحة جدارية أثرية بمتحف الغردقة تتحدث عن القرابين

 

مائدة  قرابين الملك تحتمس الثالث
مائدة قرابين الملك تحتمس الثالث


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة