في مشاهد هزت ضمير العالم، يجد أكثر من 1800 طفلا وقاصرا أنفسهم عالقين في جيب سبتة الإسباني، بعد أن كانوا جزءاً من موجة هجرة غير مسبوقة شهدتها نهاية يوليو الماضى، حين حاول نحو 60 ألف شخص عبور الحدود من المغرب إلى الجيب الإسباني في غضون أيام قليلة.
وأشارت صحيفة الباييس الإسبانية إلى أن هؤلاء الأطفال، بعضهم لم يتجاوز الثامنة من عمره، جاءوا من مدن مغربية مختلفة، ومن دول أخرى مثل السودان وفلسطين وأفغانستان ودول أفريقية، بحثاً عن حياة أفضل، لكن الأحلام تحولت إلى كوابيس، إذ فقد الكثيرون ذويهم في البحر أو في التدافع، بينما يواجه آخرون واقعاً قاسياً من الجوع والعطش والتشرد في شوارع سبتة.
قصص مؤلمة من قلب المأساة
فتاة تبلغ من العمر 17 عاماً، من مدينة طنجة، تروي كيف انضمت مع عائلتها إلى آلاف المهاجرين الذين حاولوا السباحة حول السياج الحدودي يوم الخميس الماضي، تقول الفتاة، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها نظراً لصغر سنها وضعف مركزها، إنها شاهدت الشرطة الإسبانية وهي تنتشل جثة شقيقها البالغ من العمر 8 سنوات من الماء.
لم تقتصر المأساة على فقدان أخيها؛ إذ انفصلت عن والدتها في خضم الفوضى، ولم تتمكن من العثور عليها منذ أربعة أيام. تعيش الفتاة الآن بمفردها، تتلقى أحياناً بعض الطعام والملابس من السكان المحليين، لكنها لا تجد مكاناً آمناً للاحتماء، إذ أن مركز إيواء الشباب التابع للحكومة ممتلئ تماماً.
تقول الفتاة بحسرة عبر مترجم (لا تتحدث الإسبانية): "رأيت الناس يدوسون على الموتى... نحن الآن أطفال نتسول في الشارع".
طفل يبكي ويتوسل ألا يُعاد
في مشهد أيقوني التقطته عدسات وسائل الإعلام، شوهد طفل مغربي يبلغ من العمر 12 عاماً وهو يبكي بحرقة ويتوسل الجنود الإسبان ألا يعيدوه إلى المغرب، كان الطفل يسير تحت حراسة جندي إسباني نحو الحدود مع المغرب، وهو يردد عبارات التوسل والدموع تنهمر من عينيه.
لكن تدخل السكان المحليين الذين أكدوا أنه قاصر، بالإضافة إلى وجود الصحافة، دفع عقيداً في الجيش الإسباني إلى وقف عملية الترحيل، ونقل الطفل إلى الحرس المدني لتقديم الرعاية اللازمة له.
الأطفال العالقون
وفقاً لمسؤولين محليين، بقي في سبتة حتى يوم الاثنين حوالي 860 قاصراً من إجمالي المهاجرين الذين عبروا. ويشكل هؤلاء جزءاً كبيراً من نحو 3,000 إلى 5,000 مهاجر تمكنوا من تجنب الترحيل من سبتة، بينما عاد معظم البالغين المغاربة طواعية أو تم ترحيلهم.
الضحايا
أكدت السلطات الإسبانية مقتل 86 شخصا معظمهم غرقاً أثناء محاولتهم السباحة إلى سبتة، وأعلنت المغرب عن 11 وفاة إضافية لا تشملها الحصيلة الإسبانية، بحسب وزارة الداخلية الإسبانية.
مركز الإيواء
مركز استقبال المهاجرين في سبتة، الذي يتسع لـ 600 شخص، ممتلئ تماماً، ويعاني من نقص حاد في المواد الغذائية، مما يزيد من معاناة الأطفال العالقين.
الوضع القانوني للأطفال القاصرين
ينص القانون الإسباني على أنه يمكن للبالغين طلب اللجوء، وفي حال رفضه يواجهون إجراءات الترحيل. لكن بالنسبة للقاصرين الذين عبروا الحدود دون مرافق، فإن القانون يلزم السلطات الإسبانية بتقديم الحماية والرعاية لهم، وعدم ترحيلهم إلا بعد دراسة حالة كل طفل على حدة.
غير أن الواقع على الأرض يبدو مختلفاً؛ فمعظم هؤلاء الأطفال يعيشون في الشوارع أو على الشواطئ أو في التلال المحيطة بسبتة، دون مأوى أو غذاء كافٍ. يقول الناشط المحلي رمسيس محمد أزوميك من جمعية إيلين: الخطة هي أن الجوع والعطش والإرهاق سيدفعان هؤلاء الناس إلى اتخاذ قرار العودة الطوعية إلى المغرب.
أطفال من جنسيات متعددة
هؤلاء الأطفال ليسوا في وضع يسمح بالترحيل السريع، لأن بلدانهم قد لا تستقبلهم، أو لأنهم قد يواجهون مخاطر حقيقية في العودة.
وفقاً للشهادات، فإن دوافع هؤلاء الأطفال وعائلاتهم كانت البحث عن فرص عمل وتحسين الأوضاع المعيشية، والهروب من الفقر والبطالة في بلدانهم الأصلية، و الانجرار وراء شائعات على وسائل التواصل الاجتماعي تفيد بفتح الحدود، وقد أكد العديد من المهاجرين أنهم لم يكونوا على دراية بالمخاطر الحقيقية، وأنهم صدقوا منشورات فيروسية زعمت أن إسبانيا ستستقبلهم وتمنحهم أوراقاً رسمية.
الوضع الإنساني المتردي
يعيش الأطفال العالقون أوضاعاً إنسانية صعبة للغاية، من الجوع والعطش مع نقص حاد في الغذاء والماء، والتشرد والنوم على الشواطئ وفى التلال الخوف من الترحيل القسري ومن المجهول، و الصدمة النفسية مع فقدان الأهل والأقارب في البحر أو في التدافع في الأفق البعيد، يمكن رؤية القارة الأوروبية تمتد عبر البحر الضبابي، وكأنها تذكير بأن الحلم لا يزال بعيد المنال.
رسالة إلى العالم
هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد أرقام في تقارير إحصائية؛ هم بشر لهم أحلام وآمال، فقدوا الأمان والأسرة والوطن في لحظة واحدة، قصة الفتاة المراهقة التي فقدت أخاها وأمها، والطفل الباكي الذي توسل ألا يُعاد، هي نموذج لمأساة تتكرر يومياً على حدود أوروبا.
قصص مؤلمة من قلب المعاناة
وسط هذا المشهد، يبرز طفل يبلغ 12 عاماً، نحيل للغاية، يرتدي سروال سباحة فقط. يقول إنه من مدينة قصر الصغير المغربية، وأنه قرر العبور لأنه رأى أصدقاءه يفعلون ذلك. تمكن من الاتصال بعائلته، وهم يعرفون أنه في طاراجال. يبتسم قائلاً إنه سعيد، ويتمنى البقاء في إسبانيا.
رسائل إلى العائلات
يستغل الأطفال وجود الصحفيين لطلب تصويرهم وإرسال الصور عبر واتساب إلى عائلاتهم في المغرب والجزائر. بعض الرسائل تبقى بلا رد، بينما يرد آباء وأمهات كانوا يجهلون مكان أبنائهم، ويتوسلون للحصول على أي معلومات عنهم.
إحدى الأمهات، والدة الطفل سفيان، ردت في حالة من اليأس، تسأل عن مكان ابنها وتتوسل الاتصال بها إذا رآه أحد.
أزمة إنسانية غير مسبوقة
تُقدّر السلطات المحلية أنها بحاجة لرعاية أكثر من ألف قاصر، وتستعد لفتح مركزين كبيرين لإيوائهم. لكن حتى الآن، لا تزال منطقة طاراجال خارج نطاق الخدمات الحكومية، حيث يعيش مئات الأطفال دون مأوى أو طعام كافٍ أو مياه نظيفة أو رعاية صحية.
أطفال طاراجال ليسوا مجرد أرقام؛ هم بشر فقدوا الأمان والأسرة والوطن في لحظة واحدة. يعيشون في ظروف لا تطاق، بينما ينتظرون بصيص أمل من مؤسسات عاجزة عن احتوائهم، وفوق كل ذلك، يبقى سؤال واحد مؤلم: كم طفلاً آخر سيصل إلى هذه "الفافيلا" الإسبانية قبل أن تتحرك ضمائر العالم؟.