دراسة دولية تدعو لخفض سكان العالم إلى 4 مليارات بحلول 2200

الأربعاء، 05 أغسطس 2026 08:00 ص
دراسة دولية تدعو لخفض سكان العالم إلى 4 مليارات بحلول 2200 النمو السكانى العالمى - أرشيفية

وكالات

خلصت دراسة علمية حديثة إلى أن تحقيق الاستدامة البيئية على المدى الطويل يتطلب معالجة العاملين اللذين يحددان حجم الضغط البشري على الكوكب، وهما عدد السكان ومتوسط استهلاك الفرد للموارد.

وترى الدراسة، التي نُشرت في دورية Sustainable Development، أن الاقتصار على تحسين التكنولوجيا أو رفع كفاءة استخدام الموارد لن يكون كافياً إذا استمر عدد سكان العالم في الارتفاع، لأن إجمالي الأثر البيئي ينتج عن تفاعل النمو السكاني مع أنماط الاستهلاك.

وأعد الدراسة فريق دولي يضم باحثين من جامعات ومراكز بحثية في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا واليونان والهند والصين وكينيا والأرجنتين وبنجلاديش، واستند إلى بيانات صادرة عن الأمم المتحدة والبنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة (فاو) ووكالات دولية أخرى، لتحليل العلاقة بين النمو السكاني و8 مؤشرات بيئية رئيسية تشمل التنوع البيولوجي وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون واستهلاك الطاقة والبصمة البيئية واستهلاك المياه العذبة واستخراج المعادن وإنتاج البلاستيك، واستخدام المبيدات الزراعية.

وتوضح الدراسة، التي قادها مارك كيجان من جامعة كولومبيا، أن عدد سكان العالم ارتفع من نحو 3.7 مليارات نسمة عام 1970 إلى ما يزيد على 8.3 مليارات حالياً، في وقت تزايدت فيه الضغوط على الموارد الطبيعية بصورة غير مسبوقة، معتبرة أن استمرار هذا الاتجاه سيجعل تحقيق أهداف المناخ والحفاظ على التنوع البيولوجي أكثر صعوبة.

يبدو أن الهند لم تعد بمنأى عن الضغوط الديموغرافية التي تضرب الاقتصادات الآسيوية "المسنة" مثل الصين واليابان، حيث أظهر تقرير جديد، انخفاض معدل الخصوبة الإجمالي.

يقترح الباحثون مساراً طويل الأمد يقود إلى انخفاض عدد سكان العالم تدريجياً إلى نحو 4 مليارات نسمة أو أقل بحلول عام 2200، من خلال استمرار تراجع معدلات الخصوبة بصورة طبيعية، وليس عبر أي سياسات قسرية أو تقييد للإنجاب.

ويؤكد معدو الدراسة أن المقترح يعتمد بالكامل على وسائل طوعية، تشمل توسيع فرص تعليم الفتيات، وتمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً، وضمان الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة، بما يتيح للأسر اتخاذ قراراتها بحرية بشأن الإنجاب.

كما يشيرون إلى أن أكثر من نصف دول العالم أصبحت بالفعل تسجل معدلات خصوبة أقل من مستوى الإحلال البالغ نحو 2.1 طفل لكل امرأة، بينما انخفض معدل الخصوبة العالمي إلى نحو 2.25 طفل، مع استمرار تباطؤ النمو السكاني مقارنة بالعقود السابقة.

وترى الدراسة أن هذا المسار لا يعني "إزالة" مليارات البشر، بل يتمثل في انخفاض تدريجي لعدد المواليد على مدى قرنين، بحيث يتراجع عدد السكان بصورة طبيعية مع مرور الوقت، بما يحقق توازناً أفضل بين البشر والموارد المتاحة.

واستعرض الباحثون بيانات تمتد بين عامي 1970 و2020، ووجدوا ارتباطاً قوياً للغاية بين زيادة عدد السكان وتدهور معظم المؤشرات البيئية العالمية.

فخلال تلك الفترة انخفض مؤشر "الكوكب الحي"، الذي يقيس وفرة آلاف الأنواع البرية، بأكثر من 70% مقارنة بمستواه في عام 1970، بينما تضاعفت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وارتفع استهلاك الطاقة العالمية بنحو ثلاثة أضعاف، وزاد استخراج المعادن بأكثر من 4 أضعاف، وقفز إنتاج البلاستيك إلى أكثر من 13 ضعفاً، كما تضاعف استخدام المبيدات الزراعية أكثر من 4 مرات.

وتوضح الدراسة أن النمو السكاني كان العامل الأكبر وراء تراجع التنوع البيولوجي وارتفاع الانبعاثات واستهلاك الطاقة والبصمة البيئية والطلب على المياه العذبة، في حين لعب ارتفاع استهلاك الفرد دوراً أكبر في تضخم إنتاج البلاستيك، بينما أسهم العاملان معاً بدرجات متقاربة في زيادة استخراج المعادن واستخدام المبيدات.

كما يشير الباحثون إلى أن تحسين الكفاءة التكنولوجية ساعد في الحد من بعض الآثار البيئية، لكنه لم يتمكن من تعويض أثر الزيادة المستمرة في عدد السكان، وهو ما أدى إلى استمرار ارتفاع الضغط الإجمالي على النظم البيئية.

تشكّل ندرة الثلوج الناجمة عن ظاهرة الاحترار المناخي عنصراً يهدد إمدادات المياه لمئات الملايين من السكان، وفق ما حذَّرت منه دراسة نشرتها مجلة "نيتشر".

تلفت الدراسة إلى أن الاتجاهات السكانية تختلف بصورة كبيرة بين مناطق العالم. فمعظم الاقتصادات المتقدمة وصلت بالفعل إلى معدلات خصوبة دون مستوى الإحلال، مستشهدة بالصين واليابان وأوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا، بينما تواصل تسجيل معدلات إنجاب منخفضة.

في المقابل، لا تزال أفريقيا تسجل أعلى معدل خصوبة في العالم بمتوسط يبلغ نحو 4.2 طفل لكل امرأة، مع معدل نمو سكاني يناهز 2.37% سنوياً، وهو ما يجعل القارة محوراً رئيسياً في أي سيناريو مستقبلي لتطور عدد سكان العالم خلال العقود المقبلة.

كما تستشهد الدراسة بتجارب عدد من الدول التي نجحت في خفض معدلات الخصوبة من خلال سياسات طوعية.

ففي إيران انخفض معدل الخصوبة من 4.08 أطفال لكل امرأة عام 1992 إلى 1.94 عام 2001 بعد توسيع خدمات تنظيم الأسرة، بينما تراجع في كوريا الجنوبية من 4.07 عام 1972 إلى 1.93 عام 1984، وفي تونس من 4.10 عام 1987 إلى 1.97 عام 2002، فيما احتاجت كوستاريكا إلى نحو 37 عاماً للوصول إلى معدل أقل من مستوى الإحلال، وهي أمثلة يرى الباحثون أنها تؤكد فعالية الاستثمار في التعليم والصحة الإنجابية وتمكين المرأة.

وتشدد الدراسة على أن عدد السكان لا يمثل العامل الوحيد في الضغوط البيئية، إذ تلعب مستويات الاستهلاك دوراً موازياً في تحديد حجم الأثر على البيئة.

ويشير الباحثون إلى أن الدول مرتفعة الدخل تستهلك في المتوسط نحو 13 ضعف ما تستهلكه الدول منخفضة الدخل من الطاقة، بينما تعد الولايات المتحدة وكندا من أعلى دول العالم في استهلاك الطاقة للفرد، وهو ما يفسر استمرار ارتفاع البصمة البيئية رغم تباطؤ النمو السكاني في تلك الدول.

وترى الدراسة أن تحقيق الاستدامة يتطلب الجمع بين خفض النمو السكاني تدريجياً والحد من الاستهلاك المفرط، لأن التركيز على أحد العاملين دون الآخر لن يكون كافياً لخفض الضغط على الموارد الطبيعية.

بحسب الدراسة، فإن تباطؤ النمو السكاني ثم انعكاسه تدريجياً سيحقق مجموعة واسعة من المكاسب البيئية، إذ سيؤدي إلى تقليل الطلب على الأراضي الزراعية والتوسع العمراني، ما يسمح باستعادة الموائل الطبيعية وتعافي الحياة البرية والحد من فقدان التنوع البيولوجي.

كما سيسهم في خفض الطلب على الطاقة والوقود الأحفوري، وتقليل انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والحد من استنزاف المياه الجوفية، وتقليل استخراج المعادن وإنتاج النفايات البلاستيكية والملوثات الأخرى، إضافة إلى تخفيف الضغوط على أنظمة الغذاء والمياه والطاقة.

وعلى الصعيد الاجتماعي، ترى الدراسة أن انخفاض معدلات الخصوبة يؤدي إلى تقليص أحجام الأسر، بما يرفع الإنفاق على تعليم الأطفال ورعايتهم الصحية، ويساعد في الحد من الفقر، خصوصاً في الدول ذات الخصوبة المرتفعة، كما يخفف الضغوط على البنية التحتية والخدمات العامة ويحد من النزاعات المرتبطة بندرة الموارد والهجرة الناتجة عن الضغوط البيئية.

وتناقش الدراسة المخاوف المتعلقة بانخفاض معدلات الإنجاب، وفي مقدمتها شيخوخة السكان وتراجع حجم القوى العاملة، لكنها ترى أن هذه المخاوف لا تعكس بالضرورة ما تظهره البيانات الاقتصادية.

ويشير الباحثون إلى أن عدداً من الدول التي تشهد تراجعاً سكانياً أو خصوبة منخفضة واصل تحقيق نمو في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، مع ارتفاع الإنتاجية والأجور، معتبرين أن التطور التكنولوجي وزيادة الإنتاجية يمكن أن يعوضا جزءاً كبيراً من آثار تقلص القوى العاملة.

وفي المقابل، يقر الباحثون بأن بعض الدول قد تواجه تحديات انتقالية تتعلق بأنظمة التقاعد والرعاية الصحية وأسواق العمل، إلا أنهم يرون أن هذه التحديات تظل أقل كلفة من استمرار النمو السكاني وما يترتب عليه من استنزاف متزايد للموارد الطبيعية وتفاقم آثار تغير المناخ.

ويشدد الباحثون على أن أي انخفاض في عدد السكان يجب أن يتحقق بالكامل عبر وسائل طوعية تحترم الحقوق الفردية، ويرفضون بصورة صريحة أي سياسات قسرية لتحديد الإنجاب.

وتدعو الدراسة إلى توسيع فرص تعليم الفتيات، وتحقيق المساواة بين الجنسين، وتحسين الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة، مشيرة إلى أن أكثر من 200 مليون امرأة حول العالم ما زلن يفتقرن إلى خدمات تنظيم الأسرة التي يحتجن إليها.

ويخلص معدو الدراسة إلى أن الوصول التدريجي إلى عدد سكان عالمي يقارب أربعة مليارات نسمة بحلول عام 2200، بالتزامن مع تبني أنماط إنتاج واستهلاك أكثر استدامة، يمكن أن يخفف الضغط على الموارد الطبيعية، ويعزز استعادة النظم البيئية، ويحسن جودة الحياة للأجيال الحالية والمستقبلية، مع التأكيد أن نجاح هذا المسار يعتمد على استمرار السياسات الطوعية واحترام حرية الأفراد في اتخاذ قراراتهم الإنجابية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة