أزمة سبتة ومليلية تعيد المخاوف إلى إسبانيا.. المهاجرين يكشفون نقطة ضعف مدريد في شمال أفريقيا..عودة شبح "المسيرة الخضراء" ؟ وهل تستطيع إسبانيا الاعتماد على أمريكا والناتو إذا تصاعد الخلاف مع المغرب؟

الأربعاء، 05 أغسطس 2026 05:00 م
أزمة سبتة ومليلية تعيد المخاوف إلى إسبانيا.. المهاجرين يكشفون نقطة ضعف  مدريد  في شمال أفريقيا..عودة شبح "المسيرة الخضراء" ؟ وهل تستطيع إسبانيا الاعتماد على أمريكا والناتو إذا تصاعد الخلاف مع المغرب؟ أزمة سبتة

كتبت: هناء أبو العز

لم تعد أزمة سبتة بالنسبة لإسبانيا مجرد أزمة هجرة جديدة على حدودها الجنوبية، فمع تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين من المغرب إلى الجيب الإسباني في شمال أفريقيا، عاد إلى الواجهة ملف أكثر حساسية بالنسبة لمدريد: مستقبل سبتة ومليلية، ومدى قدرة إسبانيا على الدفاع عن أراضيها المعزولة داخل القارة الأفريقية.


وخلال الأيام الماضية، تحولت سبتة إلى بؤرة توتر، بعدما شهدت تدفقًا جماعيًا للمهاجرين، في أزمة دفعت مدريد إلى تعزيز وجودها الأمني والعسكري في المدينة، بينما تصاعدت في الداخل الإسباني المخاوف من أن تكشف الأزمة عن نقطة ضعف يمكن استغلالها سياسيًا في المستقبل.

ووفق أحدث التطورات، تحدثت تقديرات عن وصول نحو 72 ألف مهاجر إلى سبتة، ما دفع وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي إلى عقد اجتماع طارئ لبحث تشديد الإجراءات ضد تهريب المهاجرين وتعزيز أمن الحدود.

لكن خلف أزمة الهجرة يبرز سؤال أكثر حساسية: ماذا لو تحولت الضغوط على سبتة ومليلية من أزمة حدود إلى أزمة سيادة؟

لماذا تخشى إسبانيا من سبتة ومليلية؟

تعتبر سبتة ومليلية مدينتين تتمتعان بالحكم الذاتي داخل إسبانيا، وتقعان على الساحل الشمالي للمغرب، وتربطهما حدود برية مباشرة مع الأراضي المغربية.

وتتمسك مدريد بسيادتها على المدينتين، بينما يطالب المغرب بهما منذ استقلاله عام 1956، ويعتبرهما جزءًا من أراضيه، فيما تصفهما بعض الأصوات المغربية بأنهما بقايا استعمارية إسبانية في شمال أفريقيا.

وتعود سيطرة إسبانيا على سبتة إلى عام 1668، بينما أصبحت مليلية تحت الحكم الإسباني منذ عام 1497، لتصبح المدينتان من أبرز البقايا المرتبطة بالتاريخ الإمبراطوري الإسباني في القارة الأفريقية.

ولهذا، فإن أي أزمة كبيرة على الحدود لا تقرأ في مدريد باعتبارها أزمة هجرة فقط، بل يمكن أن تتحول سريعًا إلى قضية تتعلق بالأمن القومي والسيادة.

المهاجرون يعيدون شبح "المسيرة الخضراء"

وأعادت أزمة سبتة الأخيرة إلى ذاكرة الإسبان ما حدث عام 1975، عندما نظم المغرب "المسيرة الخضراء"، وهي تعبئة جماهيرية شارك فيها عشرات الآلاف، في وقت كانت فيه إسبانيا تمر بمرحلة شديدة الحساسية مع احتضار الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو.

وانتهت تلك التطورات بانسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية، وهو ما جعل "المسيرة الخضراء" واحدة من أبرز المحطات التي يستعيدها الإسبان عند الحديث عن قدرة المغرب على استخدام التحركات الجماهيرية والضغط السياسي لتحقيق أهداف إقليمية.

ومن هنا ظهرت في الصحافة الإسبانية خلال الأيام الأخيرة مقارنات بين أحداث الماضي وما يحدث الآن في سبتة، رغم اختلاف الظروف والسياقات، حيث يرى المؤرخ خوسيه لويس رودريغيز خيمينيز، أستاذ التاريخ في جامعة ري خوان كارلوس، أن أحداث عام 1975 أظهرت كيف يمكن لاستغلال لحظات الضعف السياسي أن يغير المعادلات على الأرض.

هل أصبحت حكومة سانشيز نقطة ضعف؟
 

تأتي الأزمة في وقت تواجه فيه حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز تحديات سياسية داخلية، وهو ما دفع أصواتًا معارضة إلى التحذير من أن أي ضعف داخلي قد يشجع المغرب على زيادة الضغط بشأن سبتة ومليلية.

ويرى وزير الخارجية الإسباني السابق خوسيه مانويل غارسيا مارغالو أن مدريد يجب أن تحافظ على علاقات جيدة مع الرباط، لكن في الوقت نفسه عليها أن توضح أن هناك "خطوطًا حمراء" لا يمكن تجاوزها.

وتزداد حساسية الملف بسبب طبيعة العلاقة المعقدة بين البلدين؛ فإسبانيا تحتاج إلى التعاون مع المغرب في ملفات عديدة، خصوصًا الهجرة والأمن، لكن الخلاف بشأن سبتة ومليلية يظل من الملفات التي يمكن أن تعيد العلاقات الثنائية إلى مربع التوتر.

المغرب والولايات المتحدة.. تحالف يثير حسابات مدريد

ولا تتوقف  المخاوف الإسبانية عند المغرب وحده، إذ أصبحت واشنطن جزءًا من الحسابات الجديدة حول مستقبل سبتة ومليلية، حيث  تحسنت العلاقات الأمريكية المغربية بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب في 2020 الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، في خطوة شكلت تحولًا كبيرًا في الموقف الأمريكي من النزاع.

ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، باتت العلاقة القوية بين واشنطن والرباط محل اهتمام إسباني أكبر، خصوصًا مع وجود خلافات سياسية بين مدريد والإدارة الأمريكية في ملفات مختلفة.

وأثار عضو الكونجرس الأمريكي ماريو دياز بالارت جدلًا بعدما تحدث عن سبتة ومليلية باعتبارهما تقعان في الأراضي المغربية، كما ورد في تقرير قدمه إلى الكونجرس وصف المدينتين بأنهما تحت الإدارة الإسبانية وتقعان في الأراضي التي يطالب المغرب بالسيادة عليها.

ورغم أن دياز بالارت نفى أن يكون ذلك تعبيرًا عن تحول أمريكي رسمي بشأن مستقبل المدينتين، فإن مجرد طرح القضية في الكونجرس أعاد الملف إلى دائرة النقاش الدولي.

إسرائيل تدخل على خط الأزمة

ولم تتوقف الضغوط السياسية عند واشنطن، فقد دخلت إسرائيل أيضًا على خط الجدال، فبعد أزمة تدفق المهاجرين إلى سبتة، نشر السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون تعليقًا انتقد فيه إسبانيا، متسائلًا عن استمرار وجود ما وصفها بـ"جيوب استعمارية" في أفريقيا.
لكن رئيسة البعثة الإسرائيلية في مدريد، دانا إيرليخ، أوضحت لاحقًا أن تصريحات دانون لا تمثل موقفًا رسميًا لإسرائيل.

ومع ذلك، جاءت الواقعة في ظل توتر واضح بين حكومة سانشيز وإسرائيل على خلفية موقف مدريد من الحرب في غزة، وهو ما جعل التعليق الإسرائيلي يضيف بعدًا سياسيًا جديدًا إلى أزمة سبتة.

ماذا حدث في جزيرة "ليلى" عام 2002؟

ولا تحتاج إسبانيا إلى العودة بعيدًا في التاريخ لتتذكر أن الخلاف مع المغرب بشأن الأراضي يمكن أن يتحول إلى أزمة عسكرية، ففي عام 2002، اندلعت أزمة جزيرة "ليلى" أو "بيرخيل"، وهي جزيرة صغيرة غير مأهولة بالقرب من سبتة، بعدما نزلت قوات مغربية عليها، قبل أن تتدخل إسبانيا وتستعيد السيطرة عليها.

وانتهت الأزمة بعد أيام، لكنها بقيت مثالًا على سرعة تحول الخلافات حول الأراضي الصغيرة إلى مواجهة سياسية وعسكرية بين مدريد والرباط.

كما شهدت سبتة أزمة كبيرة أخرى عام 2021، عندما دخل نحو 8 آلاف شخص إلى المدينة خلال فترة قصيرة بعد تخفيف المغرب الرقابة على الحدود، في واقعة اعتُبرت وقتها واحدة من أكبر أزمات الهجرة بين البلدين.

هل يدافع الناتو عن سبتة ومليلية؟
 

هنا تظهر واحدة من أكثر النقاط حساسية بالنسبة لإسبانيا: إذا تحولت الأزمة إلى مواجهة حول سبتة أو مليلية، فهل يشملهما دفاع حلف الناتو؟
في عام 2022، أشار الأمين العام السابق للناتو ينس ستولتنبرغ إلى سبتة ومليلية ضمن الأراضي الإسبانية التي تدخل في نطاق مسؤولية مدريد، لكن مسألة تطبيق المادة الخامسة من معاهدة الناتو، الخاصة بالدفاع الجماعي، ليست بهذه البساطة، إذ إن حدود الالتزام بالحماية في حال وقوع هجوم على المدينتين تظل قضية سياسية وقانونية شديدة الحساسية.
ولهذا تبدو مدريد أكثر حرصًا على التأكيد أن سبتة ومليلية جزء لا يتجزأ من الأراضي الإسبانية، وأن سيادتها عليهما ليست محل تفاوض.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة