تتجه الأنظار إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، حيث تستعد إحدى اللجان الفرعية التابعة للجنة القضائية لعقد جلسة استماع مرتقبة بعنوان "مختبئون على مرأى من الجميع.. مواجهة شبكة جماعة الإخوان في أمريكا"، في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام داخل المؤسسات الأمريكية ببحث أنشطة الجماعة وشبكاتها المالية، وآليات عملها داخل الولايات المتحدة، لا سيما ما يتعلق بمصادر التمويل والكيانات الوسيطة والمؤسسات ذات الطابع الخيري.
وتعكس هذه التحركات تحولًا في آليات المواجهة الأمريكية، من التركيز على الجوانب التنظيمية والفكرية إلى تتبع مسارات الأموال والكيانات التي يُشتبه في استخدامها كغطاء خيري أو مدني لتمويل أنشطة مرتبطة بالتنظيمات الإرهابية، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الرقابة القانونية والمالية على شبكات الإخوان داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ويأتي هذا التحرك في وقت تكثف فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إجراءاتها المرتبطة بمكافحة تمويل الإرهاب، بعد إعلان وزارة الخزانة الأمريكية في 23 يوليو فرض عقوبات على قيادي مصري بارز في جماعة الإخوان، إلى جانب ثلاثة أفراد وثلاثة كيانات، وكشفت عن شبكات لجمع الأموال، و أن منظمات مرتبطة بجماعة الإخوان وكيانات أخرى استخدمت مؤسسات خيرية وأنظمة مالية غير رسمية لنقل الأموال عبر ولايات قضائية مختلفة.
كما يتزامن ذلك مع تحركات تشريعية داخل الكونجرس، من بينها مشروع القانون H.R. 4097 الخاص بمراجعة مدى استيفاء مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) لمعايير تصنيفه منظمة إرهابية أجنبية، إلى جانب دعوات من عدد من المشرعين الجمهوريين لتشديد الرقابة على الكيانات التي يشتبه في ارتباطها بجماعة الإخوان أو دعمها المالي، في إطار توجه يركز على تفكيك شبكات التمويل أكثر من الاكتفاء بملف التصنيف.
أستاذ قانون دولي: أمريكا تنتقل من جدل التصنيف إلى ملاحقة تمويل الإخوان عالميًا
فيما يشير الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الامريكيه والاوروبيه والمصريه للقانون الدولي، إلى أن استعداد اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ الأمريكي لعقد جلسة استماع تحت عنوان مختبئون على مرأى من الجميع لمواجهة شبكة جماعة الإخوان في أمريكا لا يأتي من فراغ بل هو حلقة في مسار تشريعي وتنفيذي ممنهج انطلق منذ فترة خاصة مع مطلع عام 2026 وعندما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على قيادي إخواني مصري بارز إلى جانب ثلاثة أفراد وثلاثة كيانات.
وقال "مهران" في تصريح لـ"اليوم السابع "، أن الدوافع الحقيقية للتحرك التشريعي ترتكز على ثلاثة محاور متداخلة، أولها أن استراتيجية مكافحة الإرهاب الأمريكية لعام 2026 وصفت الإخوان بأنهم الجذر الفكري للإرهاب الحديث وربطتهم تنظيمياً بالقاعدة وداعش وهو توصيف يُقدم سنداً عقائدياً للملاحقة التشريعية، وثانيها أن العقوبات التي صدرت في يناير 2026 ضد فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان كشفت وفق الخزانة الأمريكية عن شبكات جمع أموال استخدمت مؤسسات خيرية وأنظمة مالية غير رسمية لنقل الأموال عبر ولايات قضائية متعددة دعماً لحركات اخرى تتبع لها ، وثالثها الحملة الجمهورية لزيادة الرقابة على المنظمات الإسلامية التي تتجاوز الإخوان لتشمل مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية CAIR.
وأوضح أن القراءة القانونية الدقيقة لمسار الملاحقة الأمريكية تكشف عن نقلة نوعية استراتيجية، مؤكداً أن واشنطن انتقلت من مرحلة التصنيف الرمزي للجماعة إلى مرحلة تفكيك بنيتها المالية الدولية وهو ما يُعدّ الأداة الأشد فاعلية قانونياً، لأن الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب لعام 1999 التي صادقت عليها أمريكا ودول عديدة تُجرّم صراحةً توفير الأموال لأي منظمة تنوي استخدامها في أعمال إرهابية حتى لو ادّعت أنها خيرية أو سياسية.
ولفت استاذ القانون الدولي إلى أن ولاية تكساس سبقت الكونغرس بتصنيف الإخوان وCAIR منظمتَين إرهابيتَين وهو مسار قانوني يضغط على الحكومة الفيدرالية لتحويل التصنيفات التنفيذية إلى تشريعات ملزمة، مشيراً إلى أن مشروع القانون H.R. 4097 الخاص بتصنيف CAIR يكشف عن نية تشريعية لتوسيع دائرة الملاحقة.
ورأى أن هذا التحرك يمثل فرصة دولية حقيقية لتعزيز التعاون بين مصر وأمريكا في مواجهة شبكات التمويل الإخوانية العابرة للحدود وتفعيل اتفاقيات تسليم المجرمين ومكافحة غسل الأموال التي تُجرّم بصراحة تحويل الأموال لدعم التنظيمات المصنفة إرهابية وأن تستثمر القاهرة هذا المناخ الأمريكي المتحول لتقديم ملفاتها التوثيقية لدعم التصنيف الدولي للجماعة.
خبير حقوقي: فتح ملف الإخوان فى مجلس الشيوخ خطوة مهمة لكشف شبكات التمويل والنفوذ
بينما يؤكد الدكتور شريف عبد الحميد، رئيس مؤسسة مانديلا للحقوق والديمقراطية، أن فتح ملف أنشطة جماعة الإخوان الإرهابية وشبكاتها داخل الولايات المتحدة يعد خطوة مهمة تأخرت كثيرا لأن الجماعة اعتمدت لسنوات على بناء شبكات متداخلة من الجمعيات والمؤسسات والكيانات ذات الطابع الديني أو الخيري والمدني، واستفادت من هذه المساحات لتوسيع نفوذها السياسي والمجتمعي وجمع الأموال".
وأوضح في تصريح لـ"اليوم السابع " أن خطورة جماعة الإخوان لا تقتصر على وجود هيكل تنظيمي معلن، وإنما ترتبط بقدرتها على التحرك من خلال مؤسسات وسيطة وشخصيات وكيانات تبدو منفصلة في ظاهرها، بينما قد تجمع بينها روابط مالية أو فكرية أو تنظيمية تحتاج إلى تحقيق جاد وشفاف.
وأشار إلى أن العقوبات التي أعلنتها وزارة الخزانة الأمريكية في 23 يوليو، واستهدفت أفرادًا وكيانات أتهمتها الوزارة بالمشاركة فى جمع الأموال، أعادت ملف التمويل إلى مقدمة النقاش الأمريكي.
وتابع: "بيان الخزانة كشف أن المواجهة الحقيقية تبدأ من تتبع الأموال، وفحص المؤسسات التي تستخدم العمل الخيرى أو التحويلات غير الرسمية لنقل التمويل بين أكثر من دولة، وليس فقط من خلال ملاحقة القيادات المعروفة".
واعتبر أن تحرك الشيوخ الأمريكي يمثل خطوة مهمة في مواجهة التنظيمات العابرة للحدود، خاصة مع تزايد المخاوف الأمريكية المتعلقة بمصادر التمويل، والكيانات الوسيطة، والعلاقات المحتملة بين بعض شبكات الجماعة وتنظيمات مصنفة إرهابية.
وقال عبد الحميد إن إعادة طرح الملف داخل لجنة تابعة للجنة القضائية بمجلس الشيوخ تعكس تحولًا في طريقة تعامل المؤسسات الأمريكية مع الجماعة الإرهابية، موضحاً أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بخطابها السياسي أو نشاطها في الشرق الأوسط، وإنما امتدت إلى بحث كيفية تحركها داخل المجتمعات الغربية.
وأكد عبد الحميد أن هذه ليست أول محاولة داخل الكونغرس لفتح ملف الجماعة، إذ سبق أن طرحت خلال السنوات الماضية مشروعات ومبادرات تتعلق بتصنيف جماعة الإخوان أو بعض فروعها، ومراجعة أنشطتها ومصادر تمويلها وصلاتها الخارجية.
وأضاف أن الضغوط التي يقودها عدد من أعضاء الحزب الجمهوري، إلى جانب إجراءات وزارة الخزانة ومشروعات القوانين المطروحة، تشير إلى وجود اتجاه سياسي متصاعد لإعادة تقييم تعامل الولايات المتحدة مع التنظيم وشبكاته.
وقال رئيس مؤسسة مانديلا إن البعد الحقوقي لا يتعارض مع مواجهة جماعة الإخوان أو شبكات تمويل الإرهاب، بل يضمن أن تكون المواجهة أكثر قوة ومصداقية، لأن التنظيمات المتطرفة تستفيد أحياناً من الأخطاء القانونية والتعميمات لتقديم نفسها باعتبارها ضحية.
وأضاف: "لا يجوز الخلط بين المسلمين باعتبارهم مواطنين يمارسون حقوقهم الدينية والمدنية، وبين تنظيم سياسي عابر للحدود له مشروع وأهداف وشبكات مصالح؛ فحماية الحريات الدينية واجبه، لكن هذه الحريات لا يمكن أن تكون ستاراً لجمع الأموال أو دعم تنظيمات إرهابية أو ممارسة أنشطة تخالف القانون".
واختتم عبد الحميد بأن فتح الملف داخل مجلس الشيوخ قد يساعد في كشف طبيعة الشبكات المالية والتنظيمية المرتبطة بالجماعة، ودفع المؤسسات الأمريكية إلى تطبيق رقابة أكثر جدية على التحويلات والكيانات غير الربحية، ومحاسبة المتورطين، وتجفيف مصادر تمويل التنظيمات الإرهابية.