لم تعد الصين تكتفي بحفظ تاريخها داخل الكتب أو عرض مقتنياته في المتاحف التقليدية، بل باتت توظف أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي والعروض المسرحية المبهرة والمؤثرات البصرية والصوتية المتطورة لتحويل أكثر صفحات تاريخها السياسي تعقيدًا إلى تجربة إنسانية يعيشها الزائر بكل حواسه.

العرض المسرحي فى الصين
وبدعوة من دائرة العلاقات الخارجية فى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصينى، حضرت "اليوم السابع" العرض المسرحي "عبور المسيرة الطويلة الأول"، فى مقاطعة جيانجشي ، المعروفة بأنها مهد الثورة الصينية ونقطة انطلاق المسيرة الكبرى، ، التي قطع خلالها جنود الجيش الأحمر التابع للحزب الشيوعي الصيني نحو 12 ألف كيلومتر هربا من القوميين من أكتوبر 1934 وانتهت في أكتوبر 1936، في واحدة من أبرز المحطات الفارقة في تاريخ الصين الحديث.

عرض مسرحي
ملحمة سياحية ثقافية كبرى
ويعد العرض الذى بدأ فى مارس 2023، أول ملحمة سياحية ثقافية كبرى في الصين تتمحور حول "السياحة الحمراء"، التي تهدف إلى إحياء تاريخ الثورة الصينية وتعريف الأجيال الجديدة به من خلال وضع خريطة سياحية متكاملة تخلد محطات المسيرة الكبرى التي قام بها جنود الجيش الأحمر فى 3 مقاطعات رئيسية هي جيانجشي، وجويشو ونينجشيا.
وما يميز العرض المسرحي، ليس فقط الملحمة التاريخية المعروفة، وإنما كيفية سردها باستخدام تقنيات العرض المتطورة وأحدث وسائل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. فالمسرح نفسه يعتمد على أحد أكثر المسارح الدوارة متعددة الأبعاد تطورًا في الصين، إلى جانب أحدث تقنيات العرض السمعي والبصري ثلاثي الأبعاد، وأنظمة الإضاءة والمؤثرات الرقمية، بما يمنح الجمهور تجربة بانورامية غامرة يشعر خلالها وكأنه يعيش أحداث المسيرة بنفسه، فيتحول التاريخ من مادة تُقرأ إلى تجربة تُعاش.

شلال حقيقي على المسرح
مراكب وشلالات
وخلال العرض، تجد الممثلين يستخدمون مراكب على سبيل المثال فى مجرى مائى معد كجزء من خشبة المسرح، كما تم الاستعانة بتقنية تسمح بوجود شلال مياه حقيقي منهمر ويمكنك أن تشعر بالرذاذ وهو يلامس وجهك إذا كنت تجلس فى الصفوف الأمامية. وفى ديناميكية مبهرة ، عكف الممثلون على تمثيل أبرز محطات المسيرة الكبرى بمساعدة المؤثرات البصرية والصوتية، وفى الخلفية تظهر مشاهد وإضاءات استثنائية فى شاشات العرض. كما يتمتع المسرح بأحدث التقنيات التي تسمح بتحريكه فى مختلف الاتجاهات، ورفع أجزاء منه فى الهواء وإنزال ستائر تساعد على إضفاء عنصر الإبهار والإبداع على العرض.
ورغم أن فكرة العرض جزء من التاريخ السياسى للصين، إلا أن تقديمه بهذه الطريقة وتحويله من مجرد حدث سياسى وعسكري إلى ملحمة فنية تمزج بين التاريخ والتكنولوجيا المبهرة، ساهم فى جذب فئات الشعب الصيني بمختلف أطيافه وخاصة جيل الشباب.

جانب من العرض
6 فصول
ويتكون العرض من ستة فصول تبدأ من عبور نهر يودو، مرورًا بوداع 86 ألف جندي، ووعد الحياة والموت، وصولًا إلى "بيان العصر الجديد"، في رحلة تستغرق 90 دقيقة، لكنها تختصر واحدة من أهم المحطات التي مهدت لقيام الصين الحديثة.

محررة اليوم السابع فى العرض فى الصين
منظور أشخاص عاديين عاشوا اللحظات التاريخية
ولا يقدم العرض التاريخ باعتباره سردًا للأحداث أو استعراضًا للبطولات العسكرية فقط، بل يعتمد أسلوبًا دراميًا يروي القصة من منظور أشخاص عاديين عاشوا تلك اللحظات التاريخية. ومن خلال تقنية الاسترجاع الزمني، يستعيد رحلة الجيش الأحمر التي امتدت لنحو 25 ألف "لي" أو 12 ألف كيلومتر، والتي بدأت في أكتوبر عام 1934 عندما عبر أكثر من 86 ألف ضابط وجندي نهر يودو لبدء المسيرة الطويلة.
ولتحقيق هذا التأثير، استعانت الصين بفريق إبداعي من كبار المخرجين والكتاب والمنتجين على المستوى الوطني، وخضع العمل لثلاث سنوات من التطوير، بهدف تقديم عمل يجمع بين الدقة التاريخية والقيمة الفنية.
عمل يخلد الماضى بطريقة عصرية
وتعكس هذه التجربة فلسفة الصين في الحفاظ على ذاكرتها الوطنية؛ فبدلاً من الاكتفاء بتخليد الماضي، تسعى إلى إعادة تقديمه بصورة معاصرة تربط بين التاريخ والحاضر والمستقبل، مستفيدة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والوسائط التفاعلية للوصول إلى جيل نشأ في العصر الرقمي.
أبرز ملامح السياحة الحمراء
ويعد هذا النهج أحد أبرز ملامح "السياحة الحمراء"، التي لم تعد مجرد زيارة لمواقع تاريخية، بل أصبحت صناعة ثقافية متكاملة توظف المسرح والسينما والواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي والعروض التفاعلية لإحياء الذاكرة الوطنية، وتحويلها إلى تجربة تعليمية وسياحية وترفيهية في الوقت نفسه.
ومن خلال هذه التجارب، تتحول أحداث مضى عليها أكثر من تسعين عامًا إلى قصة معاصرة تسهم في ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بالجذور التي قامت عليها الصين الحديثة.