شهدت مدينة سبتة أزمة هجرة غير مسبوقة، دخل خلالها أكثر من 60 ألف مهاجر معظمهم المغرب في غضون 24 ساعة، مما أثار توترات دبلوماسية بين إسبانيا وإيطاليا، ودفع الرئيس الكولومبي جوستافو بترو إلى توجيه اتهامات مباشرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالوقوف وراء الأزمة، فيما دعت جمعيات قضائية إسبانية إلى احترام حقوق الإنسان.
تفاصيل الأزمة وأبعادها الإنسانية
اندلعت الأزمة يوم الخميس 30 يوليو 2026، عندما عبر عشرات الآلاف من المهاجرين سباحة أو سيراً على الأقدام من المغرب إلى سبتة، المدينة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 84 ألف نسمة. وقدرت السلطات الإسبانية عدد الوافدين بنحو 50 ألف شخص، عاد معظمهم طوعاً إلى المغرب لاحقاً، حيث بلغ عدد العائدين حوالي 73.500 وفقاً لمصادر الشرطة. وأسفرت محاولات العبور عن سقوط 86 قتيلاً على الأقل، إضافة إلى عدد كبير من الجرحى والمفقودين.
ووصف وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس ما حدث بأنه "أمر غير معتاد للغاية"، لكنه أشار إلى أن عملية إعادة المهاجرين تمت في غضون 48 ساعة فقط بفضل تعاون السلطات المغربية. وأكد أن المغرب قدم تعاونه "منذ اللحظة الأولى" لمنع تدفق المهاجرين وإعادتهم فوراً.
التوتر الدبلوماسي بين إسبانيا وإيطاليا
أثارت الأزمة ردود فعل أوروبية متباينة، تصدرتها إيطاليا التي أعلنت تعليق اتفاقية شنجن مع إسبانيا مؤقتاً، وفرضت اعتباراً من 1 أغسطس 2026 فحوصات عشوائية في المطارات والموانئ على المواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي القادمين من إسبانيا. وبررت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني القرار بأنه "إجراء استثنائي لحماية الأمن الوطني ومنع تداعيات محتملة على البلاد".
وردت إسبانيا باستدعاء السفير الإيطالي في مدريد، ووصف وزير الخارجية ألباريس تصريحات نظيره الإيطالي أنطونيو تاياني بأنها "لا تليق بوزير خارجية دولة شريكة وصديقة"، مشدداً على أن مدريد تتوقع "تضامناً أوروبياً وليس ديماجوجية حزبية". واتهم ألباريس ما وصفه بـ"الأممية الرجعية" بنشر الأكاذيب والأخبار الزائفة حول سلامة منطقة شنجن
وانضمت فنلندا والدنمارك إلى الموقف الإيطالي، حيث أعلنت فنلندا الاستعداد لإعادة فرض ضوابط حدودية إذا دعت الحاجة. ودعا رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيش إلى تعليق عضوية إسبانيا في شنجن مؤقتاً. لكن المفوضية الأوروبية أوضحت أن سبتة ومليلية لا تخضعان لنظام شنجن، مؤكدة أن سلامة الفضاء مضمونة بالكامل.
اتهامات الرئيس الكولومبي لإسرائيل
في تطور لافت، اتهم الرئيس الكولومبي جوستافو بترو، الذي تنتهي ولايته الجمعة المقبل، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه المسؤول عن أزمة سبتة. وكتب بترو على منصة "إكس": "يدفعون للفقراء ليخاطروا بحياتهم للوصول إلى إسبانيا.
وأضاف بترو أن نتنياهو هو من يدفع، وليس "الفاشي الذي قصف غيرنيكا"، متابعاً: "نتنياهو الذي قتل 22 ألف طفل فلسطيني مقدس، حيث ولد المسيح، وحيث توجد القدس المدينة المقدسة والمتعددة الثقافات". واتهم بترو نتنياهو أيضاً بتزوير الانتخابات الرئاسية الكولومبية التي فاز بها خليفته أبيلاردو دي لا إسبريا، قائلاً: "نتنياهو هو من دفع ثمن التزوير الانتخابي في كولومبيا ولهذا يريدون إسكاتي".
موقف القضاء الإسباني
في سياق متصل، دعت جمعيات قضائية وحقوقية إسبانية، منها "قضاة من أجل الديمقراطية" و"الاتحاد التقدمي للمدعين العامين"، إلى استجابة مؤسسية تقوم على احترام سيادة القانون وحقوق الإنسان في أزمة سبتة. وأعربت هذه الجمعيات عن "ألمها لخسائر الأرواح البشرية"، مشيرة إلى أن الأحداث "تستدعي استجابة مؤسسية تقوم على احترام سيادة القانون وحقوق الإنسان والحقوق الأساسية".
وشددت الجمعيات على أن مراقبة الحدود "اختصاص شرعي للدولة"، لكنها حذرت من أن هذه السلطة "يجب أن تمارس دائماً ضمن الإطار الدستوري والالتزامات الدولية التي تعهدت بها إسبانيا في مجال حقوق الإنسان، دون أن تتقدم أي غاية، مهما كانت مشروعة، على احترام الحياة وكرامة الأشخاص"، وحذرت من أن الأحداث لا يمكن أن تصبح "ذريعة لتغذية خطاب الكراهية أو كراهية الأجانب أو الدعوة لملاحقة المهاجرين".
خلفية الأزمة
يعزو مراقبون تدفق المهاجرين إلى تفسير خاطئ لقرار للمحكمة العليا الإسبانية صدر مطلع يوليو 2026، ينص على عدم إعادة المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر قرب سبتة ومليلية بشكل موجز، بل يجب اتباع الإجراءات القانونية التي تتيح فرصة طلب الحماية الدولية. واستغل مهربو البشر هذا القرار لنشر معلومات مضللة على وسائل التواصل الاجتماعي مفادها أن الوصول إلى سبتة يضمن الإقامة القانونية في إسبانيا.
ورداً على الأزمة، نشرت إسبانيا قواتها المسلحة لتعزيز الأمن في سبتة ومليلية، ونصبت حاجزاً عائماً عازلاً بطول 500 متر على طول رصيف طراجال لمنع المهاجرين من الالتفاف حول الحواجز البرية عن طريق البحر. وأعلنت السلطات المغربية اعتقال 70 شخصاً للاشتباه في تورطهم في تنظيم أو المشاركة في أعمال عنف مرتبطة بالعبور الجماعي.