د. محمد كيلاني محمود يكتب: العَفافِرَة.. نحو مصطلح جديد يصف الأشخاص ذوي الإعاقة من داخلهم

الثلاثاء، 04 أغسطس 2026 04:44 م
د. محمد كيلاني محمود يكتب: العَفافِرَة.. نحو مصطلح جديد يصف الأشخاص ذوي الإعاقة من داخلهم محمد كيلاني محمود

في حياة الأشخاص ذوي الإعاقة مصطلحات كثيرة يُنادَون بها بين فئات المجتمع كافة؛ فـ "ذوو الإعاقة" هو المصطلح الأشهر في الوقت الحالي وهو المتعارف عليه في القوانين والتعاملات الرسمية، ويأتي بعده مصطلح "ذوو الهمم" الذي انتشر في دولة الإمارات وانتقل منها إلى بعض البلدان العربية، ثم مصطلح "ذوو الاحتياجات الخاصة" الذي سبق المصطلحين السابقين في الظهور ولا يزال موجودًا بقوة في التعاملات الرسمية وغيرها، وكذلك مصطلح "القادرون باختلاف" الذي ظهر مؤخرا، ثم يأتي مصطلح "المعاقون" أو "المعوَّقون" الذي يعد أقدم المصطلحات المستخدمة حديثًا، وكان يستخدم حصرًا في التعاملات الرسمية مع مصطلح "العجزة" وغير ذلك من مصطلحات.


ومن الملاحظ أن هذه المصطلحات وغيرها تُستخدم في المجتمع بصور مختلفة حسب المقام ونوعية المقال، وهي لا تمنع من وجود وصف خاص لكل إعاقة كالكفيف والأعمى والمشلول والأصم، كما لا تمنع من اجترار معاني العجز والقعود وعدم القدرة على العمل لدى العامة ممن لا يحسنون تزويق الكلمات أو انتقاء الألفاظ.


وفي الجهة الأخرى، وجدت كثيرًا من الأشخاص ذوي الإعاقة لا يفضلون أيّا من هذه الألقاب وإن قبلوا بعضها على مضض لعدم وجود البديل المناسب، ومع هذا الرفض الصامت لم أقف على محاولات حقيقية من داخل هذه الفئة لاختيار لقب يجتمعون عليه. قرأت ذات مرة شكوى لزميلة فاضلة ممن يستخدمن الكرسي المتحرك، وهي تتألم من مناداة الناس لها أحيانًا بـ "المعوّقة" أو "المعاقة" مع أنها تعمل في جهة مرموقة وتحتكّ في العادة بصفوة المجتمع!


إن الإنسان بطبعه يأنس إلى الألقاب السهلة والمسميات البسيطة غير المركبة. فكيف للخاصّة -فضلا عن العامّة- في المواقف العابرة أن يختار عقلهم الباطن "ذوي الهمم" أو "ذوي الإعاقة" ويترك "المعاقين" أو "المعوَّقين" أو "العجزة"؟ إن الانتقاء اللفظي هنا يخضع لآليات عقلية وذهنية مباشرة، فيترتب عليها انتقاء الأسهل والأسلس على اللسان ما دام المجتمع يطرح الخيارات اللفظية كلها؛ وهو ما يُعرف في علم اللسان النفسي (Psycholinguistics) بـ "مبدأ الجهد الأدنى"، حيث يميل العقل تلقائيا لتقليل المجهود اللغوي واختيار الكلمات المفردة.
ومن هنا تنبع فكرة ابتكار لقب جديد يصف هذه الفئة من داخلها، من أحد أفرادها، تتألف من كلمة واحدة، لا تكون اسمًا ووصفًا، أو مسبوقة بـ "ذوي"، كلمة تولد من رحم الإرادة والمثابرة والسعي الدؤوب وتحمل في ثناياها معنى الفقد والمحاولة، كلمة لا تحمل وصفًا شائنًا أو زائدًا يجعل صاحبها شخصا خارقا، كلمة بِكر المعنى، جامعة لكثير من الصفات المشتركة لهذه الفئة، مانعة من اشتراك غيرهم معهم. كل هذه الصفات تمثلت في ذهني مدة من الزمن حتى استقر رأيي أن أعرض عليكم المولود الجديد: العفافرة!

 

ولكن، لماذا العفافرة؟

اشتق المصطلح من جذر (ع ف ر) الذي من معانيه الكلية -كما في معاجم اللغة- الشدة والقوة؛ فيقال: عَفُرَ فلانٌ إذا شَجُعَ وجَلُدَ فهو عِفْرٌ، والأسد الشديد: عِفْرٌ وعَفرْنَي، والمعافر: المصارِع. واشتُقَّ "العِفريت" بمعنى الشديد المارد وفق المعنى نفسه، والعَفَرْناةُ من الإبل وغيرها: الشديد القوي الجريء، وعافَرَ فلانٌ الأمرَ: عالَجَه، وغالَبَه، وصارَعَه. ومن الجذر أيضا معاني العُفار والعَفَر والتعفير، والتي تشير إلى التراب والغبار والتحقير والالتصاق بالأرض، وكذلك الداهية؛ يقال: رَماني عن قَرنٍ أَعْفَرَ؛ أي رَماني بداهِيَة، وهذه المعاني السلبية وغيرها هي التي ينازعها المعافر في حياته ولا ينتسب إليها؛ ومن أقرب ما ذكر من المعاني المشتركة بين المعافر والشخص ذي الإعاقة أن العَفَرَ: الضَّعْفُ، وعدم مطاوعة الرِّجْلَيْنِ صاحبَهما في السَّيْر؛ فكأن العفافرة يعالجون ضعفا نزل بهم ويغالبونه، متحصّنين بمعاني القوة والشدة والجَلَد من جهة أخرى.


أما من جهة القالب الصوتي، فإن "العفافرة" مفردها "عَفّار"، مثل "جبّار وجبابرة"، فيكون الشخص ذو الإعاقة معافرًا من عافَر وجمعه معافِرون، وعفّارًا على المبالغة من عَفُر، ووزن "فَعاعِلَة" يخلق في آذان الناس معاني القوة والسيطرة والذكاء كجبابرة وقياصرة وعباقرة. ومما يزيد من حيوية المصطلح الوليد أني وجدت في الأدبيات الحديثة للأشخاص ذوي الإعاقة ومناقشاتهم استعمالا واسعا لمفردات المعافر والمعافرة للتعبير عن صراعهم اليومي ورغبتهم الملحة في تخطي الصعاب، وأقتبس من ذلك ما كتبته سارة عزت في منشور لها بعنوان (الاستمرارية والمعافرة ... طريق لا يعرف الاستسلام): "في رحلة الحياة، لا يُقاس النجاح بما نبدأه، بل بما نُصرّ على إكماله رغم الصعوبات ... هنا يظهر معنى الاستمرار والمعافرة، حيث لا يكون الطريق ممهدًا، بل مليئًا بالتحديات التي تختبر قوتنا كل يوم". وقد أجريت استبيانا صغيرا شمل أربعين فردا من ذوي الإعاقة وغيرهم؛ لقياس مدى قبولهم للمصطلح الجديد، فجاءت النتيجة مشجعة؛ حيث اختار واحد وثلاثون مشاركا (موافق جدا)، واختار أربعة (موافق)، بينما توقف أربعة عن إبداء الرأي، واعترض مشارك واحد على المصطلح، وهي نتيجة تعزز فكرة القبول المجتمعي بنسبة 87.5% مما دفعني إلى التعجيل بطرح الفكرة ونشرها على نطاق أوسع.


وبعد هذا الطرح، فلا أدّعي أن مصطلح "العفافرة" هو أفضل تسمية لهذه الفئة، وإنما يعد محاولة من داخلهم، وطوبة في الماء الراكد، فإن نجح في اجتياز القبول المجتمعي فإني أدعو الإعلام والكُتّاب أن يتداولوه في برامجهم ومقالاتهم للمساعدة في نشره بين فئات المجتمع، كما لا يسعى المصطلح الوليد إلى أن يحلّ مكان مصطلح "ذوي الإعاقة" أو غيره، بل يطلب موضعًا في الذاكرة المجتمعية وسيحكم الاستعمال والانتشار له أو عليه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة