لم يكن المشهد في غزة مجرد جنازة جماعية، بل بدا وكأنه اليوم، الذي قررت فيه ذاكرة مدينة كاملة أن تبكي دفعة واحدة، بعد نحو ثلاث سنوات من بقائهم تحت أنقاض رفح، خرجت جثامين 112 شخصا من عائلتي أبو شريعة والحساينة إلى النور للمرة الأخيرة، لتحمل على الأكتاف نحو المقابر، بعدما ظل أصحابها طوال هذه السنوات في عداد المفقودين، لا يعرف ذووهم أين يرقدون، ولا كيف يودعونهم.
كان الأهالي يقولون إن الحداد لم يبدأ، لأن الوداع لم يحدث، فالموت، في الثقافة الفلسطينية، ليس لحظة القتل وحدها، بل لحظة العثور على الجثمان، والصلاة عليه، واحتضان الكفن للمرة الأخيرة، ومواراته الثرى، وكل ذلك تأخر سنوات، اليوم، تحقق جزء من ذلك الوداع.

رفات 120 شهيد من عائلة واحدة
وراء هذا اليوم تقف رحلة طويلة من البحث المضني، فبحسب أقارب العائلتين، استغرقت عمليات الحفر والنبش 136 يوما متواصلة، بحثا بين آلاف الأطنان من الركام عن أي أثر للضحايا، لم تكن المهمة انتشال جثامين كاملة دائما، بل في كثير من الأحيان جمع بقايا بشرية متناثرة، في محاولة لإعادة أصحابها إلى أسمائهم، وإلى قبور تحمل أسماءهم، بعد سنوات ظلوا فيها حبيسي الأنقاض.
ورغم انتشال 112 جثمانا، فإن المأساة لم تنته، حيث يقول أقارب العائلتين إن ما يقارب 157 جثمانا آخر لا يزال تحت الردم، ينتظر من يعثر عليه، ليحصل أصحابه على ما يعتبره الفلسطينيون أبسط حقوق الإنسان بعد الموت: قبر معلوم، وصلاة، ووداع أخير.
حلم سبق الوداع
وسط هذا اليوم الثقيل، تروي الكاتبة الفلسطينية نعمة حسن، وهي من أقارب العائلتين، تفاصيل بدت بالنسبة لها أكبر من مجرد مصادفة، حيث تقول إن ابنتها استيقظت صباحا وهي تخبرها بحلم رأته قبل ساعات، رأت فيه عمها، الذي بقي تحت الركام منذ سنوات، جاء إليها مبتسما، صافحها وقال لها: "مع السلامة".
لم تكن الأسرة تعلم أن هذا اليوم سيحمل خبرا مختلفا، ومع حلول المساء، وصلهم نبأ نجاح فرق البحث في انتشال جثامين عدد من أفراد العائلة الذين ظلوا مفقودين طوال السنوات الماضية، بينهم عم الطفلة وأفراد من أسرته.
جرائم الاحتلال خلال عامين من الحرب على غزة
تضيف حسن أن هؤلاء خرجوا اليوم إلى "حرية الموت"، بعد أن ظلوا محرومين حتى من حق الدفن، مشيرة إلى أن رحلة البحث الطويلة لم تكن سوى محاولة شاقة لجمع رفات 112 إنسانا من تحت الركام، فيما لا تزال عشرات الجثامين الأخرى تنتظر من يعثر عليها.
وتختم حديثها بالدعاء لعائلتي أبو شريعة والحساينة، اللتين لم تكتفيا بفقد الأحبة، بل عاشتا سنوات من الانتظار المؤلم، بين أمل العثور على الجثامين، وخشية أن تبقى إلى الأبد تحت الأنقاض.
رواية الناجي.. كيف اجتمعت العائلات في المكان الأخير؟
الصحفي يوسف فارس نقل شهادة أحد أقارب العائلتين، الذي روى له ما جرى في ذلك اليوم، مشيرا إلى أنه كان ما يقارب 300 شخص من رجال العائلة ونسائها وأطفالها يعيشون في منازل متجاورة داخل مربع سكني واحد في رفح، ومع تصاعد القصف، بدأت العائلات تغادر بيوتها، لتجتمع في مبنى واحد يعود للمختار فتحي أبو شريعة، الذي كان وجوده يمنح أفراد العائلة شعورا بالأمان وسط الفوضى.
ويقول قريب العائلة، كما نقل فارس، إن الجميع اعتقد أن التجمع في مكان واحد سيكون أكثر أمنا، لكن ذلك المكان تحول إلى مسرح للمجزرة، بعدما تعرض لقصف أدى إلى مقتل من كانوا بداخله، ومنذ ذلك اليوم، لم تستطع كثير من الأسر أن تودع أبناءها، ولم تُرفع صلاة الجنازة، كما لم يُلق التراب على القبور، ولم تجد الأمهات ما يبكينه سوى فراغ البيوت.
ويصف فارس جنازة اليوم بأنها لحظة انفجار للبكاء المؤجل، وكأن السنوات الثلاث الماضية لم تكن سوى انتظار طويل لهذه الساعات القليلة التي استطاع فيها الأهالي أن يقولوا أخيرا: "وداعا".
ضحايا الحرب الإسرائيلية على غزة
جنازة لا تحمل الأجساد فقط
الصحفية يافا أبو عكر رأت أن ما جرى يتجاوز فكرة تشييع أكثر من مئة جثمان، حيث كل نعش يحمل معه بيتا وعمرا كاملا، وذكريات أسرة بأكملها، ولم تكن المقبرة تستقبل ضحايا فحسب، بل تستقبل حكايات انقطعت فجأة، وأمهات عدن للبكاء كما لو أن المجزرة وقعت هذا الصباح.
وترى أبو عكر أن هذه الجنازة أعادت فتح جراح لم تغلق، لأن كثيرا من العائلات لم تعش مرحلة الحداد الطبيعية، حيث بقيت سنوات لا تعرف أين يرقد أحباؤها، أو متى ستتمكن من وداعهم.
أكبر جنازة منذ بداية الحرب
ومن موقع التشييع، وصف الصحفي محمد شلحة المشهد بأنه أكبر جنازة شهدتها غزة منذ بداية الحرب، حيث احتشد آلاف الفلسطينيين لتشييع عشرات الأطفال والنساء والشباب وكبار السن الذين عادوا جميعا في يوم واحد من تحت الركام.
امتدت صفوف النعوش، وارتفعت التكبيرات والدعوات، فيما اختلطت دموع الأمهات بصمت الرجال، في مشهد أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر المآسي الإنسانية إيلاما، أن يبقى الإنسان سنوات ينتظر العثور على جسد ابنه أو أمه أو أخيه، ليتمكن فقط من دفنه.
ماذا تبقى من الأسر الفلسطينية؟
وداع لم يكتمل بعد
ورغم انتهاء مراسم دفن 112 جثمانا، لا يشعر ذوو العائلتين بأن الحكاية انتهت، فلا تزال عشرات الجثامين، بحسب أقاربهم، تحت أكوام الركام في رفح، تنتظر أن يعثر عليها أحد، بينما تستمر العائلات في عد الأيام، على أمل أن يأتي يوم آخر يشبه هذا اليوم، يعود فيه من بقي تحت الأنقاض إلى الضوء، ولو للمرة الأخيرة.
في غزة، لا تنتهي المأساة بانتهاء القصف دائما، فأحيانا تستمر سنوات، في انتظار أن يرفع حجر، أو يزال ركام، أو يعثر على قطعة من كفن لم يُدفن، ولهذا، لم تكن جنازة اليوم مجرد تشييع لـ112 شخصا، بل كانت وداعا مؤجلا لسنوات، وشهادة على معاناة عائلات بقيت عالقة بين الفقد والرجاء، وبين موت وقع منذ زمن، وحداد لم يبدأ إلا اليوم.