لم يكن الظلام الذى أحاط بعينيها نهاية الطريق، لكنه كان بداية لحكاية مختلفة عنوانها الإرادة، ففى غرفة بسيطة تتسلل إليها خيوط ضوء خافتة من نافذة صغيرة، تجلس "فاطمة على أنور"، لكنها لا تحتاج إلى نور العينين كى ترى مستقبلها، فقد صنعت لنفسها نورًا من العلم والعزيمة والإصرار.
كانت طفلة تبصر الحياة بكل تفاصيلها، تركض وتلعب وتذهب إلى المدرسة مثل أقرانها، حتى جاء المرض دون موعد، وسرق منها نعمة البصر تدريجيًا، لكن ما لم يستطع أن يسلبه منها هو حلمها، فقررت أن تجعل من فقدان البصر بداية جديدة، لا نهاية لأحلامها، حتى أصبحت الأولى على محافظة أسوان "مكفوفين" فى الثانوية العامة بنسبة 90.5%، بعد رحلة طويلة من الألم والكفاح.
بداية الحكاية.. عندما انطفأ نور العينين
تسترجع فاطمة بداية رحلتها قائلة: "اتولدت مبصرة، وكنت بعيش حياة طبيعية جدًا، لغاية الصف الرابع الابتدائى لما بدأت أحس إن فى ضعف شديد فى العين اليسرى، ومامتى كمان لاحظت إن نظرى بقى ضعيف من ناحية واحدة".
وتضيف: "بدأنا رحلة علاج طويلة بين أطباء ومحافظات مختلفة، وفى النهاية قالوا إن العين الشمال فقدت الإبصار بسبب ضمور فى العصب البصرى، والأصعب إنهم حذرونا إن العين اليمين ممكن يحصل لها نفس المشكلة".
ورغم الصدمة، استمرت فاطمة فى الدراسة بعين واحدة، إلى أن جاءت الضربة الأقسى.
أسبوع غيّر العمر كله
تقول بصوت امتزج فيه الحزن بالقوة: "وأنا فى أولى إعدادى بدأت مش بشوف السبورة ولا ملامح الناس، وفى الوقت نفسه جدى توفى، ومكنتش عايزة أزود هموم مامتى، فخبيت عليها إنى مبقتش أشوف".
وتتابع: "رفضت أروح الدروس، ولما قرب الامتحان قلت لمامتى الحقيقة، وكانت صدمة كبيرة لينا كلنا والطبيب أكد أن الضمور وصل للعين الثانية، ومن اللحظة دى فقدت بصرى بالكامل".
وتصف تلك الأيام بقولها: "مكنتش مستوعبة إنى خلاص مش هشوف تانى، فى أسبوع واحد أخويا عمل عملية، وجدى توفى، وأنا فقدت بصرى".
من الانهيار إلى البداية الجديدة
بعد انتهاء رحلة العلاج دون أمل فى استعادة الإبصار، رفضت فاطمة أن تستسلم، وتقول: "من هنا بدأت رحلة جديدة، كان لازم أتعلم أعيش بطريقة مختلفة، واتعلمت القراءة والكتابة بطريقة برايل، والحمد لله قدرت أتعلمها فى شهرين فقط".
ثم التحقت بمدرسة النور للمكفوفين بمدينة أسوان، رغم أن أسرتها تقيم فى مدينة إدفو، وهو ما فرض عليها الإقامة بعيدًا عن أهلها لأول مرة.
وتوضح: "أول أسبوع كان صعب جدًا، كنت فى انهيار بسبب الغربة، ومكان جديد، وصحاب جداد، وأهلى بعيد عنى ساعتين، لكن مع الوقت اتعودت، وبقى ليا أصحاب وأهل هناك".
"قالولى اقعدى فى البيت".. فكان الرد بالتفوق
لم تكن الإعاقة هى التحدى الوحيد، لكن واجهت أيضًا كلمات محبطة من البعض. وتقول: "فى ناس قالولى بلاش تعليم، واقعدى فى البيت، لكن أنا رفضت، أنا بحب أتعلم، ومكنتش هسمح لحد يوقف حلمى".
وأضافت: "تحديت الظروف وتحديت نفسى، وفى تانية إعدادى بقيت الأولى على المدرسة، وفى تالتة إعدادى الأولى على المحافظة، وبعدها الأولى فى أولى وثانية ثانوى، والحمد لله حققت المركز الأول على محافظة أسوان للمكفوفين فى الثانوية العامة".
ورغم تحقيقها هذا الإنجاز، تؤكد بابتسامة هادئة: "المجموع 90.5%، وكنت أتمنى يكون أعلى، لكن الحمد لله على كل حال".
المذاكرة ليست بعدد الساعات
تكشف فاطمة عن طريقتها فى الدراسة قائلة: "أنا مكنتش بعد ساعات المذاكرة، كنت بخصص اليوم كله لمادة واحدة لحد ما أخلصها وأفهمها كويس".
وترى أن فقدان البصر لم يمنعها من التفوق، لكن دفعها لتطوير نفسها فى مجالات عديدة، مؤكدة: "دخلت مسابقات كتير، وخدت مراكز أولى على مستوى الجمهورية، وفزت فى مسابقة ICF الدولية، وكمان مارست الرياضة والفنون".
موهبة فى الرياضيات والبرمجة.. وروح قيادية
لم يتوقف طموح فاطمة عند الدراسة فقط، لكنه امتد إلى تنمية شخصيتها وتقول: "أنا بحب الرياضيات والمواد العلمية، وبقدر أحل المسائل بسرعة، وطورت نفسى كمان فى اللغات والبرمجة".
أما حلمها الأكبر فهو الالتحاق بكلية السياسة والاقتصاد، موضحة: "بحس إن عندى روح قيادية، وبحب القيادة، كنت مسؤولة عن زمايلى فى السكن، ولما دخلت الكشافة اختارونى قائد فريق، وقدرنا نحصد المركز الأول على الجمهورية، وبعدها بقيت قائد معسكر".
رسالة أمل لكل مكفوف
وفى ختام حديثها، وجهت فاطمة رسالة لكل من يواجه ظروفًا مشابهة، قائلة: "اسعى وخلى حلمك قدام عينك حتى لو مش شايفه بعينك، ومتستناش حد يحققلك أحلامك، اعتمد على نفسك، واجتهد، وربنا هيكرمك".

الطالبة-فاطمة-على-أنور

الطالبة-فاطمة-مع-أسرتها_1

الطالبة-فاطمة-مع-شقيقها

الطالبة-مع-والدها

الطالبة-ووالدها-يشربان-المياه

أنامل-فاطمة

فاطمة-تستخدم-طريقة-برايل

منزل-الطالبة

نظرة-أمل-من-والد-فاطمة