لم تكن خسارة الإخوان للسلطة في 30 يونيو 2013 مجرد سقوط سياسي، وإنما كشفت أزمة أعمق داخل التنظيم في التعامل مع الهزيمة، فالجماعة التي طالما قدمت نفسها باعتبارها الطرف المظلوم والمدافع عن المظلومين، وجدت نفسها أمام مجتمع منحها فرصة الحضور السياسي ثم رفض استمرارها في المشهد.
لكن هذه اللحظة لم تفتح بابًا لمراجعة تجربة الحكم وأسباب فقدان الثقة الشعبية، بل تحولت إلى رواية جديدة عن المؤامرة والمظلومية، وأصبح تفسير الخسارة والبحث عن المسؤول عنها حاضرًا بقوة، بينما غابت مراجعة أسبابها.
وكانت 30 يونيو لحظة كاشفة؛ لأنها وضعت الجماعة أمام حقيقة أن قطاعًا واسعًا من المجتمع الذي راهنت طويلًا على استمالته لم يعد يثق بها، ومع تعثر محاولات استعادة هذا التأييد، اتسعت دائرة الخصومة، وتصاعد خطاب التحريض والتشويه وبث الشائعات والتشكيك في اختيارات المصريين، وصولًا إلى مهاجمة ما يرتبط باستقرار الدولة ونجاحها، حتى أصبح نجاح الدولة في أي إنجاز نفسه مادة دائمة لديها للهجوم وتزييف الحقائق.
والأخطر أن استمرار المظلومية لا يتوقف عند تبرير الخسارة، وإنما يفتح الباب أمام تراجع الحدود الأخلاقية في التعامل مع من تراهم خصوم خاصة مع غياب المراجعة، فكيف تحولت الهزيمة السياسية إلى «عقدة خسارة»؟ وكيف يمكن أن تتحول المظلومية من وسيلة لاستعادة التعاطف إلى غطاء لتبرير الغضب والعداء والانحطاط الأخلاقي؟
سقوط الرهان على الشعب.. الإخوان يستبدلون خطاب الاستعطاف بنغمة التشف
ويقول طارق أبو السعد، الباحث في شئون الحركات الإسلامية، إن جماعة الإخوان راهنت على مدار تاريخها على محورين أساسيين، أولهما تقديم نفسها باعتبارها جماعة مظلومة، وثانيهما تصوير الحكومة باعتبارها الطرف الذي ظلمها وظلم الشعب في الوقت نفسه، ومن ثم الوصول إلى نتيجة مفادها أن على الشعب أن يثق في الجماعة لأنها، باعتبارها مظلومة، ستدافع عن المظلومين.
وأضاف أن هذه الأكذوبة انكشفت بوضوح منذ أحداث 2011 وما تلاها، عندما استعرض الإخوان القوة في مواجهة الشعب نفسه، رغم أن هذا الشعب هو الذي منحهم الشرعية الشعبية وسمح لهم بالعمل العام، مشيرًا إلى أن ما حدث مثل بالنسبة للمصريين درسًا لم ينسوه، وكشف لهم أن الجماعة التي قدمت نفسها طويلًا باعتبارها مدافعة عن المظلومين يمكن أن تتحول، عندما تصل إلى السلطة، إلى طرف في مواجهة المجتمع نفسه.
وأوضح أن هذا الغدر وتلك الخيانة لم ينسهما الشعب المصري، وأنهما أصبحا جزءًا من الذاكرة السياسية التي جعلت المصريين أكثر رفضًا لفكرة عودة الإخوان مرة أخرى إلى المشهد، لافتًا إلى أن الجماعة، بعد أن فشلت في محاولات استجداء العاطفة الشعبية مرة تلو الأخرى، وجدت نفسها أمام صد واضح من المجتمع.
وتابع: «عندما وجد الإخوان أن استجداء عاطفة الشعب لم يعد يجدي، بدأوا في العودة إلى نغمة أخرى، وهي اتهام الشعب نفسه بأنه لا أمل فيه، وتصوير المصريين باعتبارهم عبيدًا، بدلًا من الاعتراف بأسباب رفضهم للجماعة ومراجعة تجربتها السياسية».
وأشار إلى أن هذا التحول انعكس في مهاجمة أي مشروع أو خطوة من شأنها تحقيق الاستقرار للمجتمع المصري، معتبرًا أن هذا الخطاب كشف مجددًا ما تخفيه الجماعة من غضب تجاه الشعب الذي رفضها وعزلها في 30 يونيو 2013، وأن خسارة الجماعة لم تعد مجرد خسارة سياسية، وإنما تحولت إلى حالة من الخصومة مع المجتمع نفسه.
وأكد أبو السعد أن ما جرى بعد 30 يونيو أصبح، في خطاب الجماعة، أشبه بثأر سياسي لا تريد أن تنساه، ولذلك فإنها تواصل مهاجمة الدولة والمجتمع، في محاولة للتعامل مع خسارتها باعتبارها مؤامرة عليها بدلًا من كونها نتيجة مباشرة لفقدان ثقة قطاع واسع من المصريين فيها.
حين تصبح الهزيمة «مؤامرة».. الهروب من الاعتراف بالفشل إلى صناعة عدو دائم
وقال إبراهيم ربيع، الباحث في شئون الحركات الإسلامية، إن ما يمكن وصفه بـ«عقدة الخسارة» لدى جماعة الإخوان لا يرتبط فقط بفقدانها السلطة أو تراجع حضورها السياسي، وإنما يرتبط بعجزها عن الاعتراف بالفشل وتحويل الهزيمة إلى مراجعة حقيقية للأفكار والممارسات التي قادت إليها، موضحًا أن التنظيم المغلق عندما يعجز عن تفسير خسارته بصورة موضوعية، يبدأ في البحث عن عدو يحملّه مسؤولية الفشل، حتى لو كان هذا العدو هو المجتمع نفسه.
وأضاف ربيع أن الخطورة تبدأ عندما تتحول الهزيمة السياسية من حدث يحتاج إلى مراجعة إلى «مظلومية دائمة» تبرر للجماعة كل ما تفعله لاحقًا، فبدلًا من سؤال: لماذا خسرنا ثقة الناس؟ يصبح السؤال: من الذي حرمنا من حقنا؟ ومن هنا تتغير الحدود الأخلاقية داخل الخطاب التنظيمي، ويصبح التشهير بالخصوم والتحريض عليهم، والتشكيك في كل نجاح يحققه المجتمع، أمورًا يمكن تبريرها باعتبارها جزءًا من معركة الانتقام أو استعادة الحق المزعوم.
كيف تتحول الخصومة إلى وقود لاستمرار الجماعة؟
وأشار إلى أن تنظيم الاخوان لا يتعامل مع الخسارة السياسية باعتبارها مجرد نتيجة قابلة للنقاش، وإنما قد تنظر إليها باعتبارها تهديدًا لهويتها ووجودها، ولذلك فإنها تميل إلى إنتاج روايات تبرر الهزيمة بدلًا من الاعتراف بها، ومع استمرار الفشل تتراجع قيمة المراجعة الأخلاقية لصالح منطق «نحن في مواجهة الجميع».
وأوضح ربيع أن أخطر مراحل هذه الحالة هي عندما يصبح الفشل مصدرًا للعداء، ويصبح العداء بدوره وسيلة للحفاظ على تماسك التنظيم؛ فكلما عجزت الجماعة عن استعادة نفوذها، احتاجت إلى تضخيم صورة الخصم وإثبات أنه عدو دائم، لأن وجود العدو يصبح في هذه الحالة ضرورة لاستمرار الرواية التنظيمية، لافتًا إلى أن ذلك يفسر انتقال الخطاب من محاولة إقناع المجتمع إلى محاولة الانتقام منه معنويًا وسياسيًا.
وأكد أن الانحطاط الأخلاقي في هذه الحالة لا يبدأ بقرار واحد، وإنما يتشكل تدريجيًا عندما يتم إسقاط المعايير الأخلاقية على الخصوم فقط، بينما تصبح أفعال الجماعة مبررة مهما كانت نتائجها، باعتبارها رد فعل على سقوطهم، مشددًا على أن أخطر ما يمكن أن تنتجه الهزيمة السياسية هو رفض الاعتراف بها، لأن الفشل عندما لا يقود إلى مراجعة يتحول إلى غضب، والغضب عندما يجد لنفسه غطاءً عقائديًا يمكن أن يتحول إلى خصومة مفتوحة مع المجتمع.