قال الدكتور أحمد رفيق عوض، مدير مركز القدس للدراسات، إن الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة ليس تحركًا منفصلًا للمستوطنين، وإنما سياسة حكومية إسرائيلية مدعومة وممنهجة.
وأوضح أن الحكومة الإسرائيلية تدعم المستوطنين الذين وصفهم بأنهم «الذراع المدني الذي ينفذ سياسة الحكومة»، مشيرًا إلى أن ما يبدو من رفض أو إدانة الحكومة الإسرائيلية لما يسمى «الإرهاب اليهودي» يأتي، وفق تقديره، في إطار العلاقات العامة وتحسين الصورة فقط.
توسع الاستيطان في مختلف أنحاء الضفة
وأضاف أن المستوطنين يوسعون هجماتهم في مختلف أنحاء الضفة الغربية المحتلة، من جنين شمالًا إلى الخليل جنوبًا، وكذلك في الأغوار ورام الله، مؤكدًا أن الاستيطان يتوسع في كل مكان لأنه، بحسب رؤيته، جزء من خطة استراتيجية متكاملة ومتواصلة.
وأشار إلى أن نتنياهو تفاخر بوجود 102 مزرعة استيطانية، إضافة إلى 100 مستوطنة جديدة، معتبرًا أن ذلك يؤكد أن سياسة الاستيطان ليست مرتبطة بموسم انتخابي فقط، وإنما لها رؤية استراتيجية.
الاستيطان مستمر منذ عام 1967
وأكد عوض أن الاستيطان يمثل سياسة حكومية إسرائيلية مستمرة منذ الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 وحتى اليوم، موضحًا أن حتى الحكومات العمالية التي حكمت إسرائيل بين عامي 1967 و1977 دعمت الاستيطان والاستيطان الديني، ومن بينها حركة «غوش إيمونيم».
ولفت إلى أن الاستيطان تصاعد بصورة أكبر بعد وصول الحكومات اليمينية وحكومات الليكود والائتلافات المختلفة، كما تصاعد بصورة كبيرة جدًا بعد اتفاق أوسلو.
الاستيطان يجمع بين البعد الاستعماري واللاهوتي
وأوضح أن الاستيطان يمثل قلب المشروع الصهيوني الاستعماري، وكذلك قلب المشروع اليهودي التوراتي، مشيرًا إلى أن له دورين؛ الأول استعماري يتمثل في إخضاع الفلسطينيين وسلب أراضيهم وإفقارهم ودفعهم إلى الهجرة، والثاني لاهوتي يقوم على اعتقاد المستوطنين بأن الأرض أرض توراتية وأن المسيح سينزل فيها وأن ذلك يمثل استعادة للماضي التوراتي.
وشدد على أن الاستيطان ليس موجة مؤقتة أو ظاهرة تنتهي، وليس مرتبطًا بأشخاص أو حكومة بعينها، وإنما هو، بحسب وصفه، «خطة لاهوتية استعمارية متواصلة» بغض النظر عن الحكومات والأشخاص والمستوطنين.
ضغوط أمريكية وراء إدانة نتنياهو
وعن بيان نتنياهو الذي أدان فيه أعمال عنف ارتكبها بعض المستوطنين في الضفة الغربية، قال عوض إن الإدارة الأمريكية كانت في مقدمة الجهات التي ضغطت على الحكومة الإسرائيلية.
وأوضح أن الصحافة الإسرائيلية كتبت عن قيام مسؤولين أمريكيين بتوبيخ المسؤولين الإسرائيليين ومطالبتهم بوقف هذه الأعمال، بدعوى أنها تضر بصورة إسرائيل.
المستوطنون يجرون الحكومة الإسرائيلية
وأشار عوض إلى أن المستوطنين، رغم ذلك، هم الذين يقررون و«يجرون الحكومة من أنفها»، معتبرًا أن ذلك يمثل دليلًا على أن الحكومة الإسرائيلية تتآكل وأن المجتمع الإسرائيلي نفسه يتآكل.
وأضاف أن الجيش الإسرائيلي يتهاون أمام هؤلاء المستوطنين، وأنهم أصبحوا، وفق تقديره، قادرين على التأثير في قرارات تتعلق بترقيات الضباط، مشيرًا إلى أن الحديث عن أعداد محدودة من المستوطنين لا يعكس حقيقة الحركة الاستيطانية التي تضم آلاف الأشخاص، بينهم جنود احتياط وغير احتياط.
وأكد أن الحركة الاستيطانية في الضفة الغربية ليست معزولة عن واقعها أو برنامجها السياسي أو مرجعياتها، معتبرًا أن محاولة إسرائيل التنصل من أعمال المستوطنين «مكشوفة جدًا»، وتهدف إلى «ذر الرماد في العيون».
نقل قوات الجيش إلى الضفة يحمل دلالات خطيرة
وحذر عوض من قرار نقل قوات من المناطق التي تشهد عمليات عسكرية كثيفة في غزة وجنوب لبنان إلى الضفة الغربية، معتبرًا أن الأمر «خطير جدًا جدًا».
وأوضح أن الحكومة الإسرائيلية الحالية قد تكون تخشى السقوط في الانتخابات، وتسعى إلى البحث عن جبهة تحقق فيها نصرًا أو غنيمة، محذرًا من أنها قد تضع سيناريوهات خطيرة جدًا للضفة الغربية المحتلة.
شيطنة الضفة الغربية تمهيد لسيناريوهات خطيرة
وقال إن هناك 26 كتيبة في الضفة الغربية المحتلة، متسائلًا عن الهدف من دفع هذه القوات إلى منطقة وصفها بأنها جبهة عزلاء ولا توجد فيها بنية عسكرية.
وأوضح أن إسرائيل تعمل على تضخيم ما يجري في الضفة الغربية المحتلة، من خلال الحديث عن فوضى السلاح، واحتمال انقلاب السلطة الفلسطينية على الاحتلال، والبناء غير القانوني، والفلتان، واتهام السلطة الفلسطينية بالتحريض على الإرهاب.
وأكد أن هناك «شيطنة حقيقية للضفة الغربية المحتلة» بهدف تعظيم هذه الجبهة وتحويلها وكأنها جبهة لبنان أو سوريا.
تحذير من الضم والتهجير وإسقاط السلطة
وحذر عوض من أن الاحتلال الإسرائيلي قد يهيئ الرأي العام لارتكاب سيناريوهات خطيرة في الضفة الغربية المحتلة، من بينها ضم أجزاء من الضفة، أو تهجير مجمعات سكنية، أو محاولة إسقاط السلطة الفلسطينية، أو اتخاذ إجراءات أخرى غير مسبوقة.
وأشار إلى أن إسرائيل استولت على مؤسسة دولية هي معهد قلنديا، كما تحدث عن مناقصة للبناء في منطقة «إي 1»، دون أن يكون هناك، بحسب قوله، موقف قوي.
وأكد أن هذه التطورات تعطي إسرائيل إشارات بأنها تستطيع أن تفعل أي شيء في الضفة الغربية المحتلة، متسائلًا عن معنى دفع 26 كتيبة إلى الضفة إذا لم تكن هناك بنية عسكرية تستدعي ذلك.
وقال إن الأمر ليس لحماية الفلسطينيين بالتأكيد، وربما يكون هناك تفكير في عمل عسكري داخل الضفة الغربية، معربًا عن أمله في أن يكون مخطئًا في هذا التقدير.
الانتخابات الإسرائيلية قد تدفع إلى إجراءات غير مسبوقة
وأشار عوض إلى أن الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر المقبل قد تكون عاملًا مؤثرًا في تحركات الحكومة، محذرًا من أن الحكومة الإسرائيلية الحالية قد تقدم على إجراءات غير مسبوقة بهدف الحصول على أصوات وتثبيت رؤيتها الاستراتيجية لمستقبل الضفة الغربية المحتلة.
انتقادات لتصريحات السفير الأمريكي
وعن تصريحات السفير الأمريكي في تل أبيب، مايك هاكبي، التي أدان فيها اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم، قال عوض إن السفير «يجمل الاحتلال»، معتبرًا أن تصريحاته ذات طبيعة مزدوجة ولا يمكن معرفة ما الذي يريده منها على وجه الدقة.
وانتقد حديث السفير عن وجود إجماع في إسرائيل على إدانة أعمال العنف في الضفة الغربية، معتبرًا أن ذلك لا يعكس حقيقة ما يجري.
وأضاف أن السفير، بدلًا من أن يسمي الأشياء بمسمياتها ويحمي مواطنين أمريكيين من الهجوم الاستيطاني على قرية قصرة، يطلق تصريحات تحمل لغة ثنائية ومزدوجة التفسير، معتبرًا أنه يؤدي دورًا تضليليًا ويجمل السياسة الإسرائيلية.
الضغط الأمريكي هو العامل الأهم لردع إسرائيل
وأكد عوض أن العامل الذي يمكن أن يكبح إسرائيل هو الإدارة الأمريكية، لكنه شدد على ضرورة أن يكون الضغط حقيقيًا.
وأشار إلى أن ثلاثة منازل في قصرة محاصرة منذ 20 يومًا، بينها منزل لمواطن أمريكي، دون أن يؤدي الضغط الأمريكي، بحسب قوله، إلى إنهاء القضية.
وأضاف أن هجومًا وقع بالعشرات من المستوطنين على قرية جالود القريبة من قصرة، دون أن يحدث شيء على الإطلاق، مؤكدًا أن الضغط الأمريكي لا يكفي لردع إسرائيل، إن كان هناك ضغط من الأساس.
غياب الضغط العربي وصمود الفلسطينيين
وأوضح أن الضغط الحقيقي يجب أن يأتي أيضًا من الإقليم العربي، لكنه أكد أن هذا الضغط غير موجود على الإطلاق، مشيرًا إلى أن وجوده كان سيجعل الإدارة الأمريكية تأخذ الموقف العربي بعين الاعتبار.
وشدد على أن صمود الفلسطينيين يمثل عاملًا مهمًا في مواجهة هذه الهجمة، معتبرًا أن صمود الفلسطيني هو ما يمكن أن يؤدي إلى احتواء هذه الهجمة بشكل أو بآخر.
تسويات الأحزاب تتحكم في السياسة الإسرائيلية
وقال عوض إن إسرائيل، في رأيه، لا تسأل عن صديق أو حليف أو عدو، معتبرًا أن الحكومة الحالية «فقدت عقلها» وتعادي العالم من أجل إرضاء بعض الأحزاب أو الحفاظ على الائتلاف الحكومي.
وأوضح أن السياسة الخارجية الإسرائيلية أصبحت، بحسب رؤيته، انعكاسًا لتسويات داخلية بين الأحزاب، قائلًا إن استمرار سموتريتش وبن غفير داخل الحكومة يتطلب منحهما ما يريدان في الضفة الغربية المحتلة، وإلا انهارت الحكومة.