الطاقة النووية تعود بقوة إلى أوروبا.. فرنسا تعيد تشغيل مشروع المفاعلات العملاقة.. هولندا تختار شركاءها لبناء محطات جديدة.. السويد تراهن على المفاعلات الصغيرة لتأمين الكهرباء وخفض الانبعاثات ومواجهة تزايد الطلب

الأحد، 30 أغسطس 2026 03:00 ص
الطاقة النووية تعود بقوة إلى أوروبا.. فرنسا تعيد تشغيل مشروع المفاعلات العملاقة.. هولندا تختار شركاءها لبناء محطات جديدة.. السويد تراهن على المفاعلات الصغيرة لتأمين الكهرباء وخفض الانبعاثات ومواجهة تزايد الطلب مفاعل نووى

فاطمة شوقي

تعود الطاقة النووية إلى قلب الاستراتيجية الأوروبية بعد سنوات من التراجع السياسي والجدل حول مستقبلها، في تحول تدفع إليه ثلاثة عوامل رئيسية: الحاجة إلى تأمين إمدادات كهرباء مستقرة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري والواردات الخارجية، والاستجابة للارتفاع المتسارع في الطلب على الكهرباء.

وتتصدر فرنسا وهولندا والسويد هذا التحول، لكن كل دولة تسلك طريقًا مختلفًا. فباريس تراهن على مفاعلات نووية كبيرة من الجيل الجديد، ولاهاي بدأت فعليًا اختيار التكنولوجيا والشركات التي ستشارك في بناء محطاتها المستقبلية، بينما تتجه ستوكهولم إلى المفاعلات المعيارية الصغيرة بوصفها وسيلة أكثر مرونة لإضافة قدرات كهربائية خالية من الوقود الأحفوري.

ويأتي هذا الحراك في وقت تتوقع فيه الوكالة الدولية للطاقة استمرار نمو إنتاج الكهرباء النووية عالميًا خلال السنوات المقبلة. وتتوقع الوكالة ارتفاع إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية بمتوسط 2.8% سنويًا بين 2026 و2030، مدفوعًا بإضافة مفاعلات جديدة وعودة بعض المفاعلات المتوقفة إلى العمل. كما تشير إلى أن الاهتمام بالطاقة النووية أصبح في أعلى مستوياته منذ أزمات النفط في سبعينيات القرن الماضي، مع أكثر من 40 دولة تتبنى سياسات داعمة لتوسيع استخدامها.

 

فرنسا.. العودة الكبرى إلى المفاعلات العملاقة

تضع فرنسا الطاقة النووية في صميم سياستها الرامية إلى تعزيز السيادة والاستقلال في مجال الطاقة، في ظل اعتماد القارة الأوروبية المتزايد على الكهرباء والحاجة إلى مصادر مستقرة ومنخفضة الانبعاثات.

وفي مارس 2026، أكد مجلس السياسة النووية الفرنسي المضي قدمًا في برنامج EPR2لبناء ستة مفاعلات جديدة في ثلاثة مواقع هي بينلي وجرافلين وبوجي، بواقع مفاعلين في كل موقع. كما أكدت الحكومة هدف اتخاذ قرار الاستثمار النهائي من جانب شركة EDF قبل نهاية 2026، مع استهداف تشغيل أول مفاعل جديد بحلول 2038.
ويُنظر إلى برنامج EPR2 باعتباره حجر الأساس في إحياء الصناعة النووية الفرنسية، بعدما واجهت البلاد خلال السنوات الماضية تحديات تتعلق بأعمال الصيانة وتأخر بعض المشروعات وارتفاع تكاليف البناء.
وتراهن باريس على أن الجمع بين الطاقة النووية والطاقة المتجددة سيمنح البلاد منظومة كهرباء أكثر استقرارًا وأقل اعتمادًا على الوقود الأحفوري. كما يتيح استمرار البرنامج الحفاظ على قاعدة صناعية وخبرات متخصصة في المفاعلات وسلاسل الوقود والهندسة النووية.
ولا تتوقف الخطط الفرنسية عند المفاعلات الكبيرة، إذ تؤكد الحكومة أيضًا اهتمامها بتطوير المفاعلات المعيارية الصغيرة SMR**، في محاولة لتوفير خيارات أصغر وأكثر مرونة في المستقبل.

 

هولندا.. من التخطيط إلى اختيار التكنولوجيا

أما هولندا فتتحرك نحو بناء محطتين نوويتين كبيرتين جديدتين، وتعمل الحكومة على تحديد المواقع والتكنولوجيا والجهة التي ستتولى تنفيذ المشروع.

وفي أحدث خطوة، أعلنت شركة NEO NLالتي أنشأتها الحكومة الهولندية لتكون الجهة المكلفة بتطوير المشروع وامتلاكه وتشغيله مستقبلًا، في 25 أغسطس 2026، منح عقود إلى شركتي EDF الفرنسية وWestinghouse الأمريكية لإجراء دراسات تصميم أولية لمحطتين نوويتين جديدتين. ومن المقرر أن تبدأ المرحلة الأولى من الدراسات بعد الصيف، بالتوازي مع استمرار الحكومة في اختيار الموقع النهائي للمحطات.

وكانت الحكومة الهولندية قد درست سبعة مواقع محتملة لإنشاء المحطات، قبل أن تحصر الخيارات في ثلاثة مواقع في جرونينجن وزيلاند، هي موقعان في منطقة إيمسهافن وموقع ترنوزن. ولا يزال القرار النهائي بشأن الموقع لم يُحسم.
ويعني اختيار EDF وWestinghouse في مرحلة الدراسات أن المنافسة دخلت مرحلة أكثر تقدمًا، لكن ذلك لا يعني أن هولندا اختارت بالفعل الشركة النهائية لبناء المحطات. وتوضح وثائق البرنامج أن اختيار المورد التكنولوجي النهائي يأتي ضمن عملية تنافسية ستستمر خلال المرحلة المقبلة.

وتنظر الحكومة الهولندية إلى الطاقة النووية باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع لخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري وبناء منظومة كهرباء أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة تقلبات الأسعار والأزمات الدولية.

 

السويد.. الرهان على المفاعلات الصغيرة

في الشمال الأوروبي، تتبنى السويد استراتيجية مختلفة نسبيًا، إذ لا تكتفي بالتفكير في المفاعلات التقليدية العملاقة، بل تفتح الباب أمام مجموعة من التقنيات النووية الجديدة، وعلى رأسها المفاعلات المعيارية الصغيرة والمتوسطة
وفي يونيو 2026، تلقت الحكومة السويدية طلبًا جديدًا للحصول على دعم حكومي لمشروع تابع لشركة Blykallaفي منطقة نورسوندت قرب يافله، يتضمن ستة مفاعلات معيارية مبردة بالرصاص بإجمالي قدرة تصل إلى 330 ميجاواط وتقول الحكومة إن هذه المفاعلات يمكن أن توفر كهرباء أساسية مستقرة وخالية من الوقود الأحفوري.

كما تقدمت شركة Studsvikبمشروعين آخرين لبناء مفاعلات معيارية تعمل بالماء الخفيف، أحدهما يتضمن مفاعلين إلى أربعة مفاعلات بقدرة إجمالية بين 600 و1400 ميغاواط، والآخر يضم أربعة إلى ستة مفاعلات بقدرة تتراوح بين 1200 و1600 ميجاواط.

وفي مشروع مختلف، تقدمت شركة Nordic Baseload Power بطلب لبناء مفاعلين كبيرين في بارسيباك قرب مالمو بإجمالي قدرة تقدر بنحو 2500 ميجاواط. وتعكس هذه الطلبات اتساع شهية الاستثمار النووي في السويد، وليس فقط توجهًا حكوميًا من أعلى إلى أسفل.

وتقول الحكومة السويدية إن الطاقة النووية الجديدة يمكن أن توفر إنتاجًا مستقرًا وخاليًا من الوقود الأحفوري، وهو أمر مهم لدعم الصناعة والنمو الاقتصادي، خصوصًا مع توقع ارتفاع الطلب على الكهرباء.

 

أوروبا تدخل عصر الكهرباء

ولا يأتي الانتعاش النووي الأوروبي بمعزل عن تغير كبير في طبيعة استهلاك الطاقة. فالوكالة الدولية للطاقة تشير إلى أن الطلب العالمي على الكهرباء دخل مرحلة تسارع جديدة، مدفوعًا بالنمو الصناعي، والسيارات الكهربائية، ومكيفات الهواء والمضخات الحرارية، ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

وتتوقع الوكالة أن ينمو الطلب العالمي على الكهرباء بنسبة 3.6% في 2026 و3.8% في 2027، بينما سيضيف العالم خلال السنوات الخمس المقبلة نحو 50% طلبًا سنويًا إضافيًا مقارنة بمتوسط العقد السابق. وهنا تعود الطاقة النووية لتأخذ مكانًا مختلفًا عن السابق؛ فالقضية لم تعد فقط إنتاج كهرباء منخفضة الانبعاثات، وإنما توفير كهرباء يمكن الاعتماد عليها على مدار الساعة، في منظومة تزداد فيها مساهمة الشمس والرياح لكنها تظل بحاجة إلى مصادر مستقرة يمكنها دعم الشبكة.

وترى وكالة الطاقة الدولية أن الطاقة النووية يمكن أن تؤدي هذا الدور إلى جانب المصادر المتجددة، خصوصًا أنها تنتج الكهرباء بصورة منخفضة الانبعاثات ويمكن تشغيلها بشكل مستمر.

 

أمن الطاقة قبل كل شيء

وتكتسب العودة النووية أهمية إضافية بعد الأزمات الجيوسياسية التي ضربت أسواق الطاقة الأوروبية خلال السنوات الماضية. فقد دفعت الحرب في أوكرانيا والاضطرابات في أسواق الغاز والنفط الحكومات الأوروبية إلى إعادة النظر في مسألة أمن الإمدادات.

ومن هذا المنظور، تمثل المفاعلات النووية الجديدة استثمارًا طويل الأمد في تقليل التعرض لصدمات الوقود والأسعار، مع الحفاظ على قدرة الشبكات الكهربائية على تلبية الطلب المتزايد.

لكن الطريق لن يكون سهلًا؛ فالمفاعلات الكبيرة تحتاج إلى سنوات طويلة من التخطيط والترخيص والبناء، فيما لا تزال المفاعلات الصغيرة في مرحلة مبكرة من الانتشار التجاري العالمي. وتشدد وكالة الطاقة الدولية على أن نجاح تقنية SMR يتطلب دعمًا حكوميًا واضحًا، وأطرًا تنظيمية مناسبة وتمويلًا واستمرار الابتكار.

وهكذا تبدو أوروبا أمام عودة نووية متعددة المسارات،  فرنسا تبني استراتيجية تقوم على المفاعلات العملاقة للحفاظ على قاعدتها الصناعية والسيادية، هولندا تنتقل من مرحلة النقاش إلى اختيار التكنولوجيا وبناء برنامجها النووي الجديد، والسويد تراهن على المفاعلات المعيارية لتوفير كهرباء مرنة وخالية من الوقود الأحفوري.

وفي النهاية، فإن هذا التحول لا يعني تراجع الطاقة المتجددة، بل يشير إلى محاولة أوروبية لبناء مزيج كهربائي يجمع بين الشمس والرياح والطاقة النووية، بهدف مواجهة طلب كهرباء يتسارع، وحماية الاقتصادات من صدمات الطاقة، وتقليل الانبعاثات في الوقت نفسه.
وإذا نجحت هذه الخطط في تجاوز تحديات التمويل والتراخيص والبناء، فقد تتحول السنوات المقبلة إلى بداية نهضة نووية أوروبية جديدة بعد عقود من الانقسام حول مستقبل هذه الطاقة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة