رغم التراجع النسبي الذي شهدته أسعار الذهب خلال الأيام الأخيرة، لا تزال حالة الترقب تسيطر على السوق، وسط تساؤلات متزايدة من المواطنين حول أفضل توقيت للشراء، وما إذا كانت الأسعار الحالية تمثل فرصة حقيقية للاستثمار، أم أن الأسواق ما زالت مرشحة لموجات جديدة من الصعود أو الهبوط خلال الفترة المقبلة.
ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، وترقب الأسواق العالمية لنتائج البيانات الاقتصادية الأمريكية وتحركات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، عاد الذهب إلى صدارة اهتمامات المصريين، سواء الراغبين في شراء “الشبكة”، أو المستثمرين الباحثين عن وسيلة آمنة للحفاظ على قيمة مدخراتهم، أو حتى المواطنين الذين يتابعون الأسعار يومًا بيوم لمعرفة الاتجاه القادم.
وفي هذا الإطار، قدم تليفزيون اليوم السابع تغطية خاصة، استضاف خلالها الدكتور وصفي واصف، مستشار شعبة الذهب والتعدين باتحاد الصناعات، للحديث عن مستقبل سوق الذهب، والعوامل التي تتحكم في حركة الأسعار، وأفضل طرق الاستثمار، والنصائح التي يجب أن يضعها المواطن في اعتباره قبل اتخاذ قرار الشراء.
الذهب لم يعد يتحرك بعامل واحد
أكد الدكتور وصفي واصف أن سوق الذهب يمر بمرحلة شديدة الحساسية، موضحًا أن الأسعار لم تعد ترتبط بعامل واحد كما كان الحال في السابق، وإنما أصبحت تتأثر بمجموعة كبيرة من المتغيرات الاقتصادية والسياسية في وقت واحد.
وأوضح أن قوة الدولار الأمريكي، وتحركات أسعار الفائدة، وأداء الاقتصاد العالمي، إلى جانب الأزمات الجيوسياسية والحروب، أصبحت جميعها عوامل تتحكم بشكل مباشر في اتجاه المعدن الأصفر، وهو ما يفسر حالة الصعود والهبوط السريعة التي يشهدها السوق خلال الفترة الأخيرة.
وأشار إلى أن الذهب يظل الملاذ الآمن الأول للمستثمرين وقت الأزمات، لكن مع تشابك الأحداث العالمية أصبح من الصعب توقع حركة الأسعار بدقة، لأن أي تطور سياسي أو اقتصادي قد يغير اتجاه السوق خلال ساعات قليلة.
لماذا زادت مبيعات الذهب رغم التذبذب؟
وعن ارتفاع الإقبال على شراء المشغولات الذهبية خلال الأشهر الماضية، أوضح مستشار شعبة الذهب أن السبب الرئيسي يعود إلى استقرار الأسعار نسبيًا مقارنة بالمستويات القياسية التي سجلها الذهب في فترات سابقة، وهو ما دفع شريحة كبيرة من المواطنين إلى استغلال الفرصة والعودة للشراء بعد فترة من الترقب.
وأضاف أن المستهلك المصري بطبيعته يعتبر الذهب وسيلة آمنة لحفظ قيمة الأموال، لذلك فإن أي تراجع أو استقرار في الأسعار يشجع على زيادة الطلب، خاصة مع عودة المناسبات الاجتماعية وارتفاع الإقبال على شراء الشبكات والمشغولات الذهبية.
وأكد أن السوق استعادت جزءًا من نشاطها الطبيعي، لكن ذلك لا يعني انتهاء حالة التذبذب، لأن الأسعار ما زالت مرتبطة بما يحدث في الأسواق العالمية أكثر من ارتباطها بالعوامل المحلية.
هل قرار الفيدرالي هو العامل الحاسم؟
وأشار الدكتور وصفي واصف إلى أن قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الخاصة بأسعار الفائدة تؤثر بقوة على حركة الذهب عالميًا، لكنها ليست العامل الوحيد.
وأوضح أن الاقتصاد الأمريكي يظل صاحب التأثير الأكبر في الأسواق المالية، إلا أن التوترات العسكرية والصراعات الإقليمية أصبحت لاعبًا رئيسيًا في تحديد اتجاه الذهب، خاصة مع توجه المستثمرين حول العالم إلى الأصول الآمنة كلما ارتفعت المخاطر.
وأضاف أن استمرار الحروب أو اتساع نطاقها قد يدفع الذهب إلى موجات صعود جديدة، بينما قد يؤدي تراجع التوترات واستقرار الأوضاع السياسية إلى تهدئة السوق نسبيًا.
ماذا يفعل المواطن إذا كان يمتلك مبلغًا صغيرًا؟
ووجّه مستشار شعبة الذهب رسالة مهمة للمواطنين، مؤكدًا أن الاستثمار في الذهب يجب أن يكون من الأموال الفائضة، وليس من الأموال المخصصة للإنفاق أو الاحتياجات الأساسية.
وأوضح أن من يضطر إلى بيع الذهب بعد فترة قصيرة قد يتعرض للخسارة إذا جاء البيع في توقيت غير مناسب، لذلك فإن الاستثمار في الذهب يحتاج إلى رؤية طويلة الأجل وصبر، وليس إلى تحقيق أرباح سريعة.
وأضاف أن القرار يجب أن يكون مبنيًا على احتياجات كل شخص، وليس على توقعات السوق فقط، لأن حركة الذهب تظل عرضة للتغير في أي لحظة.
السبائك أم المشغولات؟
وفيما يتعلق بأفضل وسيلة للاستثمار، أكد وصفي واصف أن السبائك الذهبية تظل الخيار الأنسب للراغبين في الاستثمار، نظرًا لانخفاض تكلفة المصنعية مقارنة بالمشغولات.
أما المشغولات الذهبية، فأوضح أنها تناسب من يرغب في الجمع بين الزينة والاحتفاظ بقيمة الأموال، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الأسر المصرية لا تزال تعتبر شراء الذهب جزءًا من الادخار طويل الأجل
كما شدد على ضرورة التعامل مع محلات الذهب الموثوقة، والاحتفاظ بالفاتورة التي تتضمن الوزن والعيار والمصنعية، لأنها تمثل الضمان الأساسي لحقوق المشتري عند إعادة البيع.
السوق في انتظار التطورات العالمية
واختتم مستشار شعبة الذهب حديثه بالتأكيد على أن أحدًا لا يستطيع الجزم بالاتجاه النهائي للأسعار خلال النصف الثاني من عام 2026، لأن المشهد العالمي ما زال مفتوحًا على جميع الاحتمالات.
وأوضح أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط، ونتائج البيانات الاقتصادية الأمريكية، وتحركات أسعار الفائدة، جميعها عوامل ستحدد شكل السوق خلال الأشهر المقبلة، مؤكدًا أن المستثمر الذكي هو من يتابع هذه المتغيرات باستمرار قبل اتخاذ قرار الشراء أو البيع، لأن الذهب سيظل مرآة تعكس ما يحدث في الاقتصاد والسياسة حول العالم، وليس مجرد سلعة يتحدد سعرها داخل الأسواق المحلية.