نجيب محفوظ المزيف.. كيف صنعت السوشيال ميديا أديبًا لم يكن موجودًا؟ صفحات تحمل اسم صاحب نوبل وتنسب إليه عشرات الحكم عن الحب والخيانة والرجولة.. رحلة البحث عن أصل المقولات تكشف كيف تحول «البوست» إلى مصدر

السبت، 29 أغسطس 2026 12:00 م
نجيب محفوظ المزيف.. كيف صنعت السوشيال ميديا أديبًا لم يكن موجودًا؟ صفحات تحمل اسم صاحب نوبل وتنسب إليه عشرات الحكم عن الحب والخيانة والرجولة.. رحلة البحث عن أصل المقولات تكشف كيف تحول «البوست» إلى مصدر نجيب محفوظ

رامى محيى الدين

"ليس من الضروري أن تصاحب عددًا كبيرًا من الأصدقاء لتثبت شخصيتك، فالأسد يمشي وحيدًا أما الخروف فيمشي مع القطيع".. جملة تبدو للوهلة الأولى مثل حكمة عابرة من صفحات التنمية البشرية، لكن ضع أسفلها اسم «نجيب محفوظ»، وأضف صورة بالأبيض والأسود لصاحب نوبل، وستتحول في لحظة إلى «اقتباس أدبي» يتناقله الآلاف باعتباره خلاصة تجربة واحد من أهم الروائيين العرب.

هذه ليست حالة افتراضية؛ فالعبارة نفسها ظهرت على صفحة تحمل اسم «أقوال نجيب محفوظ»، ورصدها الكاتب حسن عبد الموجود في تحقيق نشرته «أخبار الأدب» التابعة لمؤسسة أخبار اليوم في أبريل 2024 حول ما وصفه بنسخة نجيب محفوظ «الفالصو». ولم تكن العبارة سوى واحدة من عشرات الجمل التي وجدها منشورة باسم محفوظ على صفحات مواقع التواصل.

من هنا تبدأ حكاية أديبين يحملان الاسم نفسه،الأول هو نجيب محفوظ الذي نعرفه: صاحب «الثلاثية» و«الحرافيش» و«زقاق المدق» و«اللص والكلاب»، والروائي العربي الذي حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1988، أما الثاني فلم يكتب رواية واحدة، لكنه يكتب يوميًا على فيسبوك وإنستجرام وإكس ومواقع الاقتباسات، يتحدث عن العلاقات السامة، والصديق الخائن، والزوجة، والرجولة، والكرامة، و«حذف الناس من حياتك»، هذا هو نجيب محفوظ المزيف الذي صنعته السوشيال ميديا.

محفوظ الذي يكره لعبة «الغميضة»

تتبّع الصفحات التي تحمل اسم نجيب محفوظ يكشف عالمًا كاملًا من الجمل التي يصعب العثور لها على أصل في رواياته أو قصصه أو حواراته المنشورة، فإحدى الصفحات نسبت إليه عبارة: «منذ طفولتي وأنا أكره لعبة الغميضة، فمن يختفي من حياتي لا أبحث عنه»، وتجد صفحة أخرى محفوظ يقول: «لا يوجد خيار أمامي سوى النهوض، فما زال بإمكاني حذفكم من مقاعد الانتظار، ثم يتحول صاحب نوبل إلى منظّر في «الرجولة»: «حتى لو تعطر الرجال بأفخم العطور ستبقى رائحة الرجولة أفعالًا لا أقوالًا».

وفي منشور آخر يقدم درسًا في العلاقات الأسرية: «الرجل يظهر في مرض زوجته، والمرأة تظهر في فقر زوجها، والإخوة في تقسيم الإرث، والصاحب الصادق يظهر في وقت الشدة، كل هذه الجمل رصدها تحقيق «أخبار الأدب» منشورة على صفحات تحمل اسم محفوظ أو تنسب الكلام إليه، من دون تقديم مصدر محدد من أعماله، والقائمة لا تنتهي هنا.

«ثابتان لا يتغيران: سند أبوك وقلب أمك، أما ما تبقى فلا تراهن».

«لا يسأل عنك إلا من يرى يومه ناقصًا بدونك».

«عندما تنتهي المصالح تصمت الهواتف ولن يتذكرك أحد».

«مهما حاولت أن ترد الإساءة بالإساءة سيغلبك أصلك الطيب».

«تموت الشجرة بجانب البئر عطشًا لكنها لا تنحني أبدًا لطلب الماء».

«يسمعون نصف الحديث ويفهمون ربعه ويتكلمون عليك أضعافه».

«ثق بنفسك وبقدراتك، فالإيمان بالنفس هو مفتاح النجاح».

«لا تجبر أحدًا على البقاء في حياتك، فمن يريد الرحيل فليرحل».

«اخترت نفسي والنفوس عزيزة».

«أمي أفضل إنسانة تجبر بخاطري وتراضيني».

والمصدر هنا أيضًا ليس رواية مجهولة لمحفوظ عثر عليها باحثون مؤخرًا، وإنما صفحات على مواقع التواصل، بحسب الرصد المنشور في «أخبار الأدب»، المشكلة ليست فقط في ركاكة بعض العبارات أو اختلاف أسلوبها عن لغة محفوظ، بل في أنها تبدأ رحلتها بلا مصدر، ثم تتحول مع كثرة المشاركة إلى شيء يشبه الحقيقة.

«أنت محاط بالحمقى».. من أين جاءت؟

واحدة من أشهر الحالات تقول: «أحيانًا يكون أقوى إنجازاتك بالحياة هو أنك ما زلت بقواك العقلية، وما زلت تتعامل بأخلاق، مع أنك محاط بكمية لا تحصى من الحمقى، الجملة منتشرة باسم نجيب محفوظ إلى درجة أن البحث عنها يقود إلى صور، ومنشورات، وصفحات حكم، ومواقع تجمع الاقتباسات، لكن السؤال الصحفي البسيط هو: أين قالها؟، هل وردت في «الثلاثية»؟ لا يوجد مصدر معروف،هل جاءت في «الحرافيش» أو «ميرامار» أو «ثرثرة فوق النيل»؟ لا توجد إحالة موثقة، هل قالها في حوار صحفي أو كتبها في مقال؟ لا يظهر مصدر منشور يمكن الرجوع إليه.

وتتبعت «اليوم السابع» العبارة في يوليو 2026، ووجدت أنها تدور داخل الدائرة نفسها: موقع ينقل عن صفحة، وصفحة تنقل عن صورة، ثم تنتقل الصورة إلى مواقع أخرى باعتبارها «اقتباسًا لنجيب محفوظ». وحتى موقع Goodreads يوردها ضمن الاقتباسات المنسوبة إليه، بينما ينبه الموقع نفسه إلى أن الاقتباسات يضيفها المستخدمون ولا يتحقق من صحتها. والنتيجة: عبارة واسعة الانتشار، لكن بلا مصدر معروف في أعمال محفوظ أو حواراته المنشورة، وهنا تظهر إحدى أهم قواعد التحقق في عالم الاقتباسات: ألف مشاركة لا تساوي مصدرًا، وصورة نجيب محفوظ بجوار جملة لا تجعل الجملة لنجيب محفوظ.

2
بوست عليه اسم نجيب محفوظ   

 

جملة تبحث عن مؤلف

بعض الاقتباسات لا يكتفي بتغيير مكانه؛ بل يغير صاحبه أيضًا، جملة تقول: «إننا نشعر بالأسى على أنفسنا أحيانًا، ليس لأننا أسأنا التصرف، بل لأننا أحسنا التصرف أكثر من اللازم» انتشرت سنوات طويلة على الإنترنت، مرة تُنسب إلى نجيب محفوظ، ومرة إلى جبران خليل جبران، ومرة تُنشر بلا اسم.

صحيفة «النهار» اللبنانية أخضعت العبارة للتحقق في 2021، بعد أن وصلت درجة انتشارها إلى أن الرئيس اللبناني آنذاك ميشال عون نشرها منسوبة إلى جبران. وأظهر البحث أنها تداولت بصيغ مختلفة منذ سنوات؛ بعض الحسابات نسبها إلى جبران وأخرى إلى محفوظ، بينما لم يظهر دليل موثوق يثبت نسبتها لأي منهما، هذه الحالة تكشف آلية مهمة في صناعة «الاقتباس المزيف»: الجملة تأتي أولًا، ثم نبحث لها عن اسم كبير، لا يهم كثيرًا هل صاحب الاسم كتبها بالفعل أم لا؛ المهم أن وجود «نجيب محفوظ» أو «جبران» أسفلها يمنحها قيمة أكبر وفرصة أوسع للانتشار.

3
بوست عليه اسم نجيب محفوظ  

 

لماذا نضع اسم محفوظ تحت أي حكمة؟

الناقد الدكتور حسين حمودة تناول الظاهرة في مقال بعنوان «تقويل نجيب محفوظ»، نشرته «اليوم السابع» في أبريل 2024، ووصف انتشار عشرات المواقع والصفحات التي تصنف ما تنسبه إليه تحت عناوين مثل «نجيب محفوظ عن الحب»، و«عن السعادة»، و«عن النجاح»، و«عن الخيانة»، و«عن الصداقة»، و«عن المرأة»، بل و«عن الصمت».

وأشار حمودة إلى أن ما يُنسب إلى محفوظ يسير في اتجاهين مختلفين، الأول: جمل منتزعة بالفعل من بعض رواياته، لكن يتم اقتطاعها من سياقها، وأحيانًا إعادة صياغتها، ثم تقديمها وكأنها رأي نجيب محفوظ الشخص، والثاني: أقوال مختلقة لا ترد أصلًا في أعماله، لكنها تناسب تجارب ومشاعر الأشخاص الذين يعيدون مشاركتها، فيضعون اسم محفوظ أسفلها ليمنحوها «نبرة الحكمة» والمصداقية، وهذه نقطة تفتح بابًا آخر من أبواب «محفوظ المزيف».

4
   بوست عليه اسم نجيب محفوظ

 

هل كل ما قاله أبطال رواياته هو رأيه؟

حتى عندما تكون الجملة موجودة بالفعل داخل رواية لنجيب محفوظ، فهذا لا يعني بالضرورة أن نجيب محفوظ يتبناها، الرواية مليئة بشخصيات مختلفة ومتناقضة: متدين وملحد، مثالي وانتهازي، قاتل وضحية، غني وفقير، محافظ وثائر. وكل شخصية تتحدث وفقًا لتكوينها وظروفها ودورها في العمل، لكن السوشيال ميديا تمحو كل ذلك، تأخذ جملة قالها بطل روائي في موقف محدد، وتحذف اسم الشخصية واسم الرواية والسياق، ثم تضع صورة نجيب محفوظ فوقها، فتتحول الشخصية إلى المؤلف.

وحذر حسين حمودة من هذا النوع من الخلط، مؤكدًا أن اقتطاع كلام الشخصيات ونسبته إلى محفوظ شخصيًا أسهم في إساءة قراءة أعماله، بل وفي توجيه اتهامات إليه على أساس مواقف عبّرت عنها شخصياته وليس الكاتب نفسه، أي أننا لسنا أمام نوع واحد من التزييف، بل عدة أنواع: عبارة مختلقة تمامًا، أو عبارة حقيقية أعيدت صياغتها، أو كلام شخصية روائية تحول إلى «حكمة شخصية» لصاحب الرواية.

5fa4dfb3-4856-4285-a5f6-4adb396409b8
بوست عليه اسم نجيب محفوظ

 

صفحات باسم محفوظ.. ومحتوى لا علاقة له به

الأمر تجاوز الاقتباسات العاطفية والحِكم الاجتماعية، تحقيق «أخبار الأدب» رصد صفحة تحمل اسم محفوظ نشرت محتوى دينيًا يدعو، من بين أمور أخرى، إلى تعليم الأطفال أن الموسيقى حرام. ونقلت الصحيفة صورة للمنشور بعد أن لفتت الصحفية نضال ممدوح الانتباه إليه، هنا تصبح المسألة أخطر من جملة لطيفة خاطئة النسبة، وجود اسم نجيب محفوظ وصورته على الصفحة قد يدفع بعض المتابعين إلى الاعتقاد بأن ما يُنشر يعبر بطريقة ما عن أفكاره أو تراثه، بينما الصفحة في الحقيقة لا تمثل محفوظ ولا أسرته ولا أعماله، وبالتالي يمكن لاسم كاتب متوفى أن يتحول إلى «علامة تجارية» يستعملها آخرون لجذب المتابعين، ثم يقدمون من خلالها محتوى سياسيًا أو اجتماعيًا أو دينيًا لا علاقة له بصاحب الاسم، والمفارقة: حتى النص الصحيح قد يتغير، قصة الاقتباسات لا تقف عند حدود السوشيال ميديا، فحتى بعض العبارات التي لها أصل حقيقي في كتب محفوظ تعرضت لأخطاء نقل أو طباعة.

في تحقيق لـ«الشرق» حول مخطوط «أصداء السيرة الذاتية»، تبين مثلًا أن جملة متداولة في طبعات وعلى مواقع التواصل تبدأ بـ«قوة الذاكرة»، بينما أظهر المخطوط أن محفوظ كتب «قسوة الذاكرة». كما كشف التحقيق عن أمثلة أخرى أدت فيها أخطاء صغيرة في الطباعة إلى تغيير المعنى، وهذا المثال مهم لأنه يوضح أن سؤال «هل الجملة لنجيب محفوظ؟» لا يكفي أحيانًا، السؤال الأدق يصبح: هل هي له؟ وهل نُقلت كما كتبها فعلًا؟

7
بوست عليه اسم نجيب محفوظ  

 

كيف نعرف نجيب محفوظ الحقيقي؟

لا توجد طريقة سحرية، لكن هناك قاعدة شديدة البساطة: اطلب المصدر، إذا كانت الجملة من رواية، فما اسم الرواية؟، إذا كانت من قصة، فما المجموعة؟، إذا كانت من حديث صحفي، من أجرى الحوار وأين نُشر؟، وإذا كان المصدر الوحيد هو صورة متداولة أو موقعًا لجمع الحكم، فالأدق صحفيًا ألا نقول «قال نجيب محفوظ»، بل «عبارة متداولة ومنسوبة إلى نجيب محفوظ بلا مصدر موثق».، وهذه الصياغة الأخيرة لا تثبت أن محفوظ «لم ينطق بها في أي لحظة من حياته»، لكنها تقول الحقيقة المتاحة: لا يوجد أمامنا دليل موثق يسمح بنسبتها إليه.

550
بوست عليه اسم نجيب محفوظ   

 

نجيب محفوظ الذى كتبناه نحن

ربما تكون أغرب مفارقات الظاهرة أن نجيب محفوظ الحقيقي لم يكن في حاجة إلى كل هذه الكلمات، كاتب أمضى عقودًا في بناء عالم روائي يناقش السلطة والدين والحب والفقر والطموح والموت والحرية والعدالة وتحولات المجتمع المصري، انتهى به الأمر على بعض صفحات الإنترنت إلى رجل يقدم نصائح من نوع: من تركك اتركه، ومن تجاهلك لا تبحث عنه، وثق بنفسك، ولا تجبر أحدًا على البقاء، المشكلة هنا ليست الإساءة إلى مكانة محفوظ فقط، بل اختزال الأدب نفسه، الرواية التي تطرح سؤالًا ولا تقدم إجابة نهائية تتحول إلى «كوتس».، الشخصية المتناقضة تتحول إلى حكمة، والسياق يختفي، واسم صاحب نوبل يبقى.

وهكذا صنعت السوشيال ميديا نجيب محفوظ آخر، يشبه احتياجات مستخدميها أكثر مما يشبه صاحب «الثلاثية»، نجيب محفوظ الحقيقي كتب عشرات الأعمال وترك وراءه مشروعًا أدبيًا يمكن العودة إليه والتحقق منه، أما الآخر، فيولد كل يوم داخل بوست جديد، الأول كتبه نجيب محفوظ، والثاني.. كتبناه نحن.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة