من أكثر الأشياء التي ترهق الإنسان أن يظل منتظرًا اعتذارًا من شخص أخطأ في حقه، وكأن راحته لن تبدأ إلا عندما يسمع كلمة «آسف»، وكأن إغلاق صفحة مؤلمة من حياته يحتاج إلى اعتراف من الطرف الآخر بأنه أخطأ.
لكن الحقيقة أن الحياة لا تتوقف على اعتذار أحد.
ليس كل من أخطأ في حقك سيعتذر، وليس كل من رحل سيعود، وليس كل من تسبب لك في الألم لديه الشجاعة أو الرغبة أو حتى الوعي الكافي ليعترف بما فعله.
وقد تنتظر سنوات اعتذارًا لا يأتي، بينما يمر العمر وأنت تمنح شخصًا لم يعد موجودًا في حياتك القدرة على التحكم في مشاعرك وراحتك.
لماذا تجعل سلامك النفسي مرتبطًا بشخص آخر؟
لماذا تنتظر منه كلمة حتى تستطيع أن تنسى؟ ولماذا تظل تراجع ما حدث، وتبحث عن تفسير لما فعله، وتقول في داخلك: «لو اعتذر فقط، لانتهى كل شيء»؟
ربما لا يأتي الاعتذار أبدًا.
وربما يأتي بعد سنوات، في وقت لا يعود فيه له نفس المعنى.
وربما يكون الأفضل لك أصلًا ألا يأتي.
نعم، أحيانًا يكون الشخص الذي أخطأ في حقك ورحل دون اعتذار، هو نفسه الشخص الذي كان رحيله أفضل لنفسيتك وراحة بالك.
فليس كل غياب خسارة، وليس كل عودة مكسبًا، وليس كل اعتذار يستحق أن نفتح له الباب من جديد.
هناك أشخاص يدخلون حياتنا ليتركوا درسًا، ثم يرحلون. وقد يكون الدرس الحقيقي هو أن نتعلم ألا نسمح لأحد بأن يهدم سلامنا مرة أخرى.
التعافي لا يحتاج دائمًا إلى اعتذار.
أحيانًا يحتاج فقط إلى قرار منك بأن تقول: لقد حدث ما حدث، وأنا لن أعيش بقية حياتي منتظرًا أن يصلح شخص آخر ما أفسده.
أنت لا تستطيع أن تجبر أحدًا على الندم، ولا تستطيع أن تمنح شخصًا ضميرًا لا يملكه، ولا تستطيع أن تجعل من اختار الرحيل يعود.
لكن تستطيع أن تختار نفسك.
تستطيع أن تغلق دفتر العتاب، وأن تتوقف عن إعادة المشهد في رأسك كل ليلة، وأن تتوقف عن سؤال نفسك: لماذا فعل ذلك؟ ولماذا لم يعتذر؟ وماذا كان يقصد؟
بعض الأسئلة لا تملك لها إجابات، وبعض الإجابات لن تغير شيئًا.
لذلك لا تنتظرها.
سامح من أجل نفسك، لا من أجل من أخطأ في حقك.
وتجاوز من أجل راحتك، لا لأن ما حدث كان بسيطًا.
واترك الماضي خلفك، ليس لأنك نسيت، وإنما لأنك أدركت أن عمرك أغلى من أن تنفقه في انتظار اعتذار.
وقد يكون أجمل انتصار لك أن تصل إلى مرحلة تسمع فيها اسم الشخص الذي آذاك، فتتذكر ما حدث، لكن دون غضب، ودون رغبة في الانتقام، ودون انتظار كلمة منه.
عندها فقط تعرف أنك شُفيت.
فالاعتذار قد يريح القلب، نعم، لكنه ليس شرطًا لاستمرار الحياة.
راحتك قرارك أنت، وليست مكافأة يمنحها لك شخص آخر عندما يقرر أن يعتذر.
لا تجعل إنسانًا أخطأ في حقك ثم رحل، يظل حاضرًا في حياتك من خلال انتظار اعتذاره.
دع من أراد أن يعتذر يعتذر، ومن أراد أن يعود فليعد، لكن لا تعلق حياتك على أي منهما.
فالحياة أكبر من خطأ شخص، وأغلى من اعتذار متأخر، وأجمل من أن نقضيها في انتظار كلمة ربما لن تأتي.
لا تنتظر اعتذارًا حتى تبدأ حياتك من جديد... ابدأها الآن.
فربما كان رحيل من آذاك دون اعتذار، هو أول خطوة في طريق راحتك.
رضا الصفتي يكتب : حين ينام الضوء.. لماذا جعل الله الليل سكنًا؟
ما إن تغيب الشمس وتنسحب ضوضاء النهار شيئًا فشيئًا، حتى يبدأ الكون في ارتداء ثوبه الآخر؛ ثوب السكون والهدوء. تتراجع الحركة، وتخفت الأصوات، وتعود الكائنات إلى أوكارها، وكأن الكون كله يستجيب لأمر إلهي قديم: "وجعلنا الليل لباسًا وجعلنا النهار معاشًا".
غير أن هذه الحقيقة القرآنية لا تقف عند حدود البلاغة اللغوية أو المعنى التعبدي، بل تكشف عن سنة من سنن الحياة الإنسانية، تؤكد أن الليل لم يُخلق للحركة الدائمة، وإنما خُلق ليكون زمنًا للسكن والراحة والاستقرار النفسي والاجتماعي.
فالنهار بطبيعته زمن المكاشفة. الناس في أعمالهم، والطرق مزدحمة، والحياة تدب في كل مكان، والعين المجتمعية حاضرة تراقب وتحاسب بصورة تلقائية. أما الليل، وعلى النقيض، فهو زمن الخفاء. تقل الحركة، وتنحسر الرقابة الطبيعية، وتزداد العزلة، وهو ما يجعل كثيرًا من السلوكيات البشرية المختلفة تظهر بصورة أوضح.
ولعل المتابع للإحصاءات الجنائية في مختلف دول العالم يلاحظ أن نسبة كبيرة من الجرائم والمخالفات تقع خلال ساعات الليل أكثر من ساعات النهار. فالسرقة تبحث عن الظلام، والاعتداء يفضل الخلوة، ومظاهر الانحراف الأخلاقي غالبًا ما تزدهر بعيدًا عن أعين المجتمع. وليس معنى ذلك أن الليل سبب الجريمة، فالمجرم هو المسؤول عن فعله، لكن الليل يوفر بيئة تختلف عن النهار، وتمنح أصحاب النفوس المنحرفة فرصة أكبر للتحرك بعيدًا عن الأنظار.
وهنا تتجلى الحكمة الإلهية في وصف الليل بأنه "سكن". فالسكن في اللغة أعمق من مجرد النوم؛ إنه حالة من الطمأنينة والاستقرار والهدوء. وكأن الرسالة الربانية تقول للإنسان: إن هذا الوقت خُلق لتستريح فيه النفس، وتلتئم فيه الأسرة، ويهدأ فيه الجسد، لا ليكون ساحة مفتوحة للصخب الدائم أو الانفلات السلوكي.
بل إن القرآن استخدم وصفًا أكثر دقة حين قال: "وجعلنا الليل لباسًا". واللباس ليس مجرد ستر، بل حماية ووقاية وراحة. وكأن الليل غطاء رحيم يلف الإنسان بعد عناء يوم طويل، ليحميه من الإرهاق الجسدي والاضطراب النفسي، ويعيد إليه توازنه الذي يحتاجه لمواصلة الحياة.
واللافت أن ما تقوله الفطرة ويقرره القرآن تؤكده اليوم دراسات علم النفس وعلم الأعصاب، التي تربط بين السهر المزمن واضطراب النوم وبين زيادة التوتر والاندفاع وضعف القدرة على التحكم في الانفعالات واتخاذ القرارات السليمة. وهي كلها عوامل قد تدفع بعض الأشخاص إلى سلوكيات خاطئة أو عدوانية.
ومن هنا يمكن فهم جانب من الحكمة الاجتماعية في النظام الذي أراده الله للحياة. فالليل ليس مجرد فترة زمنية مظلمة، بل جزء من منظومة متكاملة لحفظ الإنسان والمجتمع. وعندما يتحول الليل إلى وقت دائم للصخب واللهو والتجوال بلا ضرورة، ويضيع المقصد الذي خُلق من أجله، تظهر آثار الخلل تدريجيًا على الأفراد والأسر والمجتمعات.
إن المتأمل في الآيات القرآنية المتعلقة بالليل والنهار يدرك أن خالق الإنسان هو الأعلم بطبيعته. فقد جعل النهار للحركة والكسب والإنتاج، وجعل الليل للسكون والراحة والتأمل. وما بين الحركة والسكون يتحقق التوازن الذي تحتاجه النفس البشرية.
لقد سبق القرآن بقرون طويلة إلى الإشارة إلى هذه الحقيقة العميقة: أن أمن الإنسان واستقراره النفسي والاجتماعي يبدأ من احترام قوانين الفطرة التي أودعها الله في الكون. ولذلك لم يكن الليل سكنًا عبثًا، ولم يكن لباسًا مصادفة، وإنما كان رحمة إلهية تتجدد كل مساء، لعل الإنسان يدرك أن بعض الحكم لا تُفهم إلا حين نتأمل كيف خلق الله الحياة، وكيف أراد لها أن تستقيم.