ظاهرة ليست بالجديدة على المجتمع، لكنها تتجدد بتغير الأسماء وتعدد الحيل، وتظل النتيجة واحدة: مآسٍ إنسانية وبيوت تُخرب، وأسر تقتلع من استقرارها في لحظة عين، إنهم "المستريحون"، أصحاب الوهم والوعود البرّاقة بتوظيف الأموال، الذين استطاعوا تحويل أحلام البسطاء والباحثين عن الثراء السريع إلى كوابيس مظلمة، متخذين من الطمع ورغبة الربح السريع مدخلاً لسلب أموال طالما جُمعت بشقاء السنين.
فخ الثراء السريع.. من هم "المستريحون"؟
يُطلق مصطلح "المستريح" في الشارع وعلى الصعيد الإعلامي والقانوني على هؤلاء المتورطين في جرائم توظيف الأموال والاستيلاء عليها بدون وجه حق خارج إطار القانون.
هم أشخاص يمتلكون قدرات عالية على الإقناع والتأثير النفسي، ويتقنون تمثيل دور رجال الأعمال أو المستثمرين الناجحين.
يعتمد المستريح في نشاطه المؤثم على طرح مخطط إجرامي يقوم على تقديم أرباح وهمية خيالية لا يخضع لها أي سوق استثماري منطقي أو مشروع تجاري قائم، إذ تصل نسبة الأرباح المعروضة أحياناً إلى 50% شهرياً أو سنوياً.
ولكسب ثقة الضحايا ودعم مخططهم، يلتزم هؤلاء الجناة بسداد الأرباح المقررة بدقة متناهية في البداية لعدة أشهر، مستخدمين أموال المودعين الجدد لسداد مستحقات القدامى، حتى إذا ما اتسعت شبكة الضحايا وجمعوا الملايين، يبدأ الفصل الأخير بالامتناع عن السداد والتوارى عن الأنظار ثم الهرب بالأموال.
ثقافة "الطمع" وغياب التعامل الآمن
تطرح هذه الظاهرة سؤالاً ملحاً حول الأسباب التى تدفع الكثيرين لإيداع أموالهم لدى أفراد غير موثوقين وتجاهل الجهاز المصرفي الرسمي.
وتبرز هنا ثقافة الطمع والرغبة في تحقيق مكاسب سريعة دون عناء، كعامل أساسي يجعف الضحايا ينقادون خلف السراب.
على الرغم من وجود البنوك والمؤسسات المالية الرسمية التي توفر بيئة آمنة تماماً لحفظ وأستثمار الأموال واستثمارها وفق أطر قانونية وضمانات كاملة، فضلاً عن وجود شهادات وأوعية ادخارية ذات عوائد مجزية، فإن البحث عن الفوائد المضاعفة والأرباح المرتفعة التي يقدمها "المستريح" تجعل البعض يعرضون مدخراتهم للخطر المباشر، متجاهلين كافة تحذيرات الخبراء والمؤسسات المالية.
ملايين ضائعة ومآسٍ تنتهي بالموت والطلاق
تتضخم أرقام الأموال المستولى عليها في هذه القضية بشكل مرعب؛ حيث ينجح المستريح الواحد في جمع مئات الملايين من الجنيهات في فترة زمنية قصيرة.
ويبرز في هذا السياق مستريحون جمعوا ملايين الجنيهات من مواطنين في قرى ومراكز بأكملها.
هذه الملايين لم تكن مجرد أرقام في حسابات الجناة، بل كانت "تحويشة العمر" للآلاف من المواطنين، مما أسفر عن تداعيات مأساوية على الصعيد الإنساني والاجتماعي، فمن بين الضحايا من فقد كافة مدخراته، ومنهم من تعرض لأزمات صحية حادة ومات حزناً فور اكتشاف الخدعة، إلى جانب ما شهدته بعض الأسر من حالات طلاق وانهيار للمنظومة العائلية نتيجة الديون المتراكمة والضغوط النفسية الهائلة التي خلفها النصب.
تحرك أمني حاسم وضربات استباقية
أمام هذه المخاطر المجتمعية، تتعامل وزارة الداخلية بحزم وقوة مع كافة البلاغات الواردة بشأن جرائم توظيف الأموال والنصب. حيث تتحرك الأجهزة الأمنية فوراً عقب تلقي الإخطارات، وتكثف من تحرياتها لضبط المتهمين وملاحقتهم وتتبع أموالهم وممتلكاتهم وإحالتهم إلى النيابة العامة.
وفي هذا الصدد، أشاد عدد من الخبراء الأمنيّين بالتحركات السريعة لقطاعات وزارة الداخلية، ولا سيما قطاع مكافحة جرائم الأموال العامة والجريمة المنظمة، في تتبع الممتلكات وتفكيك تلك الشبكات.
وأكد اللواء خالد الشاذلي، الخبير الأمني، أن المواجهة الأمنية لجرائم توظيف الأموال تتسم بالسرعة والحرفية العالية، حيث تعتمد الأجهزة الأمنية على التكنولوجيا الحديثة وتحريات جمع المعلومات لملاحقة هؤلاء النصابين قبل تهريب الأموال أو اختفائهم، مشدداً على أن وعي المواطن يمثل خط الدفاع الأول لسد المنافذ أمام هؤلاء التشكيلات.
من جانبه، أوضح اللواء علاء الدين عبد المجيد، الخبير الأمني، أن الاستجابة الفورية لقطاعات وزارة الداخلية في ضبط المتهمين وإحالتهم للقضاء تعكس حرص الدولة على صون حقوق المواطنين والحفاظ على الاستقرار المجتمعي، مشيراً إلى أن الضربات الأمنية المتلاحقة نجحت في تقويض العديد من تلك الشبكات وملاحقة القائمين عليها وتجميد أصولهم وممتلكاتهم.
العقوبات القانونية المقررة
لم يقف القانون المصري مكتوف الأيدي أمام جرائم توظيف الأموال، حيث يفرد لها عقوبات مشددة للحد من انتشارها، فيقول الخبير القانوني علي الطباخ: ينص القانون رقم 146 لسنة 1988 في شأن الشركات العاملة في مجال تلقي الأموال لاستثمارها، على حظر تلقي الأموال من الجمهور امتناعاً أو استثماراً إلا من خلال الشركات المقيدة في السجلات المخصصة لذلك.
وتصل العقوبة القانونية المقررة لممارسي نشاط توظيف الأموال دون ترخيص إلى السجن المدة التي لا تقل عن 5 سنوات، والغرامة التي لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد على مثل قيمة الأموال التي تلقاها الجاني، أو ما هو مستحق منها، أيهما أكبر.
كما يلزم القانون المتهمين برد الأموال المستولى عليها إلى أصحابها، فضلاً عن العقوبات المتعلقة بجرائم النصب والاحتيال الواردة في قانون العقوبات المصري والتي قد تصل للسجن المشدد في حالة العود أو ارتكاب الجريمة في إطار تشكيل عصابي.
إن مواجهة ظاهرة "المستريح" تقتضي تكاتف التوعية المجتمعية والرفع من درجة الوعي المالي، إلى جانب الجهود الأمنية والقضائية، للتأكيد على أن البنوك والمؤسسات المصرفية الرسمية هي الملاذ الآمن الوحيد لاستثمار الأموال وحفظ المقدرات.