في عمق الصعيد، حيث تقاس قيمة الرجل بحسن السمعة وطهارة الذمة، وتُوزن الكرامة بميزان لا يقبل المساومة، دارت أحداث قصة غريبة ومؤلمة تداخلت فيها مشاعر الحب المشوه مع أدران الانتقام.
كانت هذه الواقعة الاستثنائية أكثر من مجرد بلاغ جنائي أُدرج في دفاتر الشرطة بمحافظة أسيوط؛ بل كانت اختباراً حقيقياً لمفهوم الجوار وقيم العيش والملح التي دهستها أقدام الطمع والجشع في لحظة غفلة عن الضمير.

الكاتب الصحفي محمود عبد الراضي
خطوبة فاشلة
بدأت الفصول الأولى للمأساة عندما تقدم شاب من أبناء إحدى قرى أسيوط لخطبة فتاة من أسرة بسيطة ومشهود لها بالاستقامة، كان والد الفتاة مزارعاً كافح طوال حياته ليربي أبناءه بشرف من عرقه وجهده في أرضه الزراعية الصغير.
وبعد استشارة العائلة والدراسة، جاء قرار الأب بالرفض، مستنداً إلى حقه الطبيعي في اختيار الأنسب لابنته وما يراه مجدداً لراحتها ومستقبلها، لم يكن هذا الرفض سوى موقف عادي يحدث في مئات البيوت كل يوم، لكنه بالنسبة لهذا الشاب تحول إلى جرح غائر أطاح بكبريائه، وأوقد في قلبه جمر الغل والرغبة العارمة في التدمير، بدلاً من أن يتمالك الشاب نفسه ويرضى بالقضاء والقدر، سمح للشيطان أن يستوطن عقله.
الانتقام من أسرة الفتاة
كانت فكرة الانتقام تخمر في رأسه يوماً بعد يوم، لكنه لم يرد أن يكون انتقاماً تقليدياً بآلة حادة أو بمشاجرة عابرة؛ بل أراد ضربة قاضية تكسر ظهر الجار، وتجعله مطأطأ الرأس بين أهالي القرية، وتسحق سمعته النظيفة التي طالما افتخر بها طوال عقوده الماضية.
هدف خياله المريض إلى تحويل هذا الشيخ الطيب من مزارع مكافح يقتات من رزقه الحلال إلى مجرم مطارد يفقد حريته وشرفه دفعة واحدة.

اللواء مجدي السمري
زراعة المخدرات
اختمرت الخطة الشيطانية في ذهنه، واختار الأرض الزراعية الخاصة بالجار لتكون مسرحاً لعمليته الدنيئة، كانت تلك المساحة الخضراء بالنسبة للمزارع بمثابة ابنه الروحي، يسقيها كل صباح ويزيل عنها الأعشاب الضارة لترد له الخير والمحصول.
وفي هزيع الليل الأخير، عندما خيم الهدوء الساكن على الحقول وخلد الجميع إلى النوم، تسلل الشاب بدم بارد كالأفعى إلى قلب أرض جاره.
كان يحمل في يده بذوراً لم تكن يوماً لزرع الخير، بل كانت بذور نباتات مخدرة محظورة، قام بغرسها بعناية في زوايا محددة ومخفية داخل التربة، لتنمو تحت عين الشمس دون أن يفطن لها صاحب الأرض المفجوع بجهله لما حُك ضدها.
مرت الأيام، وبدأت الشتلات المحرمة تنمو وتكبر وسط المحاصيل العادية، والشاب يراقب الوضع عن بعد بابتسامة خبيثة ينتظر لحظة الصفر.
وعندما بلغت الشتلات حجماً كافياً ليكون حيازتها جريمة تودي بصاحبها خلف الأسوار لسنوات طويلة، قرر تنفيذ الجزء الثاني والنهائي من سيناريو الانتقام.
بلاغ ضد الجار
اتجه إلى الجهات الأمنية وقدم بلاغاً كاذباً، يزعم فيه بأسلوب يدعي الحرص على المصلحة العامة، أن جاره المزارع يتخذ من أرضه الزراعية ستارات لزراعة وتجارة المواد المخدرة بعيداً عن أعين القانون.
تلقى رجال المباحث الجنائية في أسيوط البلاغ، وتحركت القوات فوراً إلى الموقع لمداهمة الأرض والمعاينة الميدانية.
وعلى أرض الواقع، كانت الصدمة قاسية للشيخ المسن الذي فوجئ برجال الشرطة يحيطون بأرضه، ويستخرجون من بين زروعاته تلك النباتات المخدرة.
اختنق صوت الرجل المفجوع، وسقطت دموعه حارقة على أرضه التي لم تطأها خطيئة من قبل، بينما خيمت حالة من الذهول والزهول على أهالي القرية الذين لم يصدقوا أن يقع هذا المزارع الطيب في مثل هذه الجريمة النكراء.
لكن الخبرة الأمنية الواسعة والذكاء الفطري لضباط المباحث كانا بالمرصاد لهذه الحيلة الرخيصة.
أثناء إجراء المعاينة وفحص طبيعة الأرض وطريقة توزيع الشتلات، لاحظ رجال الشرطة ارتباكاً في طريقة زرع تلك النباتات، إذ كانت تبدو وكأنها أقحمت مؤخراً وتفتقد التنسيق الذي يتبعه المزارعون المتمرسون، فضلاً عن ذلك، أثارت تفاصيل البلاغ والدقة الزائدة التي تحدث بها المبلغ الشكوك في نفوس المحققين، مما دفعهم إلى فتح تحقيق موسع وتتبع خيوط القضية من زوايا أخرى بعيداً عن الظاهر.
خلافات السبب
بدأ رجال الأمن في جمع التحريات السرية حول طبيعة العلاقة بين صاحب الأرض والمبلغ، وسرعان ما طفت على السطح حقيقة الخلاف السابق وواقعة رفض الخطبة التي تركت أثراً بالغة في نفس الشاب.
وبمواجهة الشاب بالتحريات الدقيقة وتناقض أقواله خلال التحقيق، بدأت حصونه التظاهرية تتهاوى واحداً تلو الآخر.
لم يستطع الصمود أمام الأدلة الدامغة والتضييق المستمر، ليقدم في النهاية اعترافاً تفصيلياً كشف فيه عن حجم الغل الذي امتلكه، وكيف خطط ونفذ زرع المخدرات بنفسه للانتقام من جاره وإلباسه التهمة لتدمير حياته وسمعته.
أُلقي القبض على المتهم الخائن وفي المقابل، غادر المزارع المسن موقع الأحداث مرفوع الرأس، بعدما نجحت يقظة رجال الشرطة في إعادة الحق إلى نصابه، وحماية سمعة عائلة كريمة من الوصم والدمار.
عادت البسمة إلى وجوه أهالي القرية الذين استشعروا قيمة العدالة التي سحقت المكر في مكمنه، ليبقى الدرس الخالد أن الباطل مهما توارى خلف الأقنعة الخبيثة، فإن النور كفيل بكشفه، وأن ما يُزرع بالغل لا يحصد صاحبُه إلا الخسران والندم خلف أسطورة السجون.
جاء ذلك في بودكاست خلف الأسوار مع محمود عبد الراضي، الذي استضاف في حلقة جديدة اللواء مجدي السمري مساعد وزير الداخلية الأسبق مدير مكافحة المخدرات، الذي استعاد هذه القصة التي مر عليها عدة سنوات.