من وهم الفاشوش لوهم العودة.. رضا فهمي يكشف غرور الإخوان الإرهابية ليلة سقوط مرسي.. احتفلوا بانتهاء المظاهرات وعاشوا وهما أن المعارضة عرفت حجمها.. والتنظيم يراهن على المظلومية لاستعادة تأثير أسقطه وعي المصريين

الجمعة، 28 أغسطس 2026 04:00 م
من وهم الفاشوش لوهم العودة.. رضا فهمي يكشف غرور الإخوان الإرهابية ليلة سقوط مرسي.. احتفلوا بانتهاء المظاهرات وعاشوا وهما أن المعارضة عرفت حجمها.. والتنظيم يراهن على المظلومية لاستعادة تأثير أسقطه وعي المصريين الاخوان

كتبت إسراء بدر

لم يكن سقوط حكم الإخوان في 2013 مجرد مفاجأة سياسية بالنسبة للجماعة الإرهابية، بل كان صدمة كشفت حجم الانفصال بين حساباتها المغلقة وما كان يجري في الشارع المصري. والأكثر دلالة أن هذا الانفصال لم يكن مجرد قراءة خاطئة من خصوم الجماعة، وإنما اعترف به أحد قياداتها، رضا فهمي، الذي كشف خلال ظهوره عبر لقاء تليفزيوني تفاصيل من الساعات الأخيرة لحكم محمد مرسي، مؤكدا أن عددا من الإخوان كانوا في نهاية يوم 30 يونيو يحتفلون باعتقاد أن المظاهرات انتهت وأن الأزمة مرت دون أن تؤدي إلى عزل مرسي.

وقال فهمي: «لحد 30 يونيو بليل كان في ناس بتحتفل إن الموضوع طلع فاشوش»، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من الإخوان اعتقدوا أن ما حدث لن يتجاوز موجات احتجاج سابقة، وأن المعارضة «عرفت حجمها»، بحسب وصفه.

 

شهادة الرجل من داخل الجماعة تكشف أن الإخوان لم يقرأوا المشهد كما كان، وإنما كما تمنوا أن يكون، فبينما كان ملايين المصريين يعلنون رفضهم لاستمرار حكم الجماعة الإرهابية، كانت دوائر إخوانية ترى أن الأزمة انتهت وأنها خرجت من اليوم منتصرة.

 

«طلع فاشوش».. الإخوان احتفلوا قبل أن يعرفوا أن النهاية بدأت

تكشف العبارة التي نقلها رضا فهمي حجم الوهم الذي سيطر على بعض قيادات الجماعة ليلة 30 يونيو، فبدلا من قراءة الحشود الغاضبة باعتبارها رسالة سياسية يصعب تجاهلها، تعاملوا معها باعتبارها موجة عابرة، بل إن بعضهم رأى في انتهاء اليوم دون عزل مرسي دليلا على أن الجماعة الإرهابية تجاوزت الأزمة.

 

هذه القراءة لم تكن مجرد خطأ في التقدير، وإنما كشفت عن أزمة أكبر في طريقة إدارة الجماعة للمشهد، إذ بدت دوائر القرار داخلها منفصلة عن المزاج الحقيقي للشارع، وغير قادرة على إدراك أن ما يحدث لم يكن احتجاجا عابرا يمكن احتواؤه، وإنما لحظة فارقة في علاقة المصريين بحكم الإخوان.

وبينما كان الإخوان يحتفلون بما تصوروه انتصارا، كانت الساعات التالية تحمل نهاية التجربة التي ظنوا أنها أصبحت راسخة. فما اعتبروه «فاشوش» تحول إلى لحظة أسقطت حساباتهم كلها، وأثبت أن الشارع الذي خرج في 30 يونيو لم يكن رقما عابرا في معادلة سياسية، وإنما كان صاحب قرار في إنهاء تجربة حكم الجماعة الإرهابية بلا رجعة.

 

«مرسي عنيد».. شهادة إخوانية على طريقة إدارة الحكم

ولم تقتصر شهادة رضا فهمي على ليلة 30 يونيو، وإنما تناولت أيضا شخصية محمد مرسي، حيث وصفه بأنه «شخص عنيد»، وقال إنه كان من الممكن تقديم النصيحة له لكنه كان يرفضها.

وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها صادرة عن شخصية كانت داخل الدائرة السياسية الإخوانية، وتقدم قراءة لطريقة تعامل رأس السلطة في ذلك الوقت مع النصائح والتحذيرات.

فإذا كان محمد مرسي، وفقا لشهادة أحد قيادات الجماعة، لا يتقبل النصيحة بسهولة، وإذا كانت دوائر إخوانية في الوقت نفسه غير قادرة على قراءة حجم الغضب الشعبي، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحا، فالمشكلة لم تكن فقط في الشارع، وإنما في طريقة قراءة الواقع واتخاذ القرار.

وهكذا اجتمع عاملان في لحظة واحدة: قيادة توصف بالعناد، وتنظيم يعتقد أن مظاهرات الملايين انتهت لصالحه.

 

شهادة من الداخل تهدم رواية ما بعد السقوط

الأهم في اعترافات رضا فهمي أنها تعيد وضع الأحداث في سياقها الحقيقي، فالجماعة التي حاولت بعد سقوطها تقديم روايات متعددة لتفسير ما حدث، تكشف شهادة أحد قياداتها أن قطاعات منها لم تكن تتوقع أصلا أن تنتهي الأمور بعزل مرسي.

وهنا تسقط صورة التنظيم الذي كان يعرف كل شيء ويمتلك كل الحسابات، فبحسب شهادة فهمي، كان هناك من يحتفل في ليلة 30 يونيو لأنه اعتقد أن الأزمة انتهت.

وهذا يعني أن الفجوة بين الجماعة والشارع لم تبدأ بعد السقوط، وإنما كانت موجودة في قلب اللحظة التي سبقت سقوط الحكم نفسه.

فالإخوان لم يفشلوا فقط في إدارة الدولة، وإنما فشلوا أيضا في قراءة المجتمع الذي حكموه، وهي قراءة دفعتهم إلى التعامل مع غضب المصريين باعتباره أزمة مؤقتة، قبل أن يكتشفوا أن الشارع كان قد حسم موقفه.

 

من وهم «الفاشوش» إلى وهم العودة

المفارقة أن رضا فهمي نفسه، الذي كشف حجم الوهم الذي عاشته جماعة الإخوان الإرهابية ليلة 30 يونيو، يبدو أنه لم يخرج من دائرة الوهم، وإنما أعاد إنتاجه بصورة جديدة.

فالرجل الذي روى كيف احتفل إخوان ليلة 30 يونيو باعتقاد أن «الموضوع طلع فاشوش»، يواصل من الخارج الرهان على إمكانية إعادة الحضور الإخواني، من خلال تحركات وكيانات ارتبط بها، من بينها «ميدان» الإخوانية، وكأن سقوط المشروع في الداخل لم يكن كافيا لإقناعه بأن الشارع المصري حسم موقفه.

وهنا تنتقل الجماعة من وهم إلى آخر، من الاعتقاد بأن غضب المصريين يمكن تجاوزه، إلى الاعتقاد بأن تغيير الأدوات والمنصات قادر على إعادة إنتاج التأثير.

فبعدما فشل الرهان على السلطة، أصبح الرهان على الخطاب، وبعدما تعذر استعادة الحضور السياسي، ظهرت محاولات لاستعادته من بوابة المظلومية وإعادة تقديم الجماعة باعتبارها ضحية، في محاولة لتجاوز ذاكرة المصريين عن تجربة حكمها.

لكن تغيير المنصة لا يغير الحقيقة، وتغيير الخطاب لا يمحو الذاكرة، والظهور من الخارج لا يعني امتلاك تأثير حقيقي داخل المجتمع.

فالمصري الذي خرج في 30 يونيو وأسقط حكم الجماعة الإرهابية ليس جمهورا يمكن التعامل معه باعتباره صفحة بيضاء، ولا يمكن إعادة تشكيل موقفه بمجرد إعادة تدوير الرواية نفسها في صورة جديدة.

 

المظلومية ليست طريقا للعودة

الرهان على خطاب المظلومية يصطدم بحقيقة أكثر صعوبة بالنسبة للجماعة الإرهابية وهي أن المصريين لم يروا 30 يونيو من خلال روايات القيادات الهاربة، وإنما عاشوا أحداثها بأنفسهم.

ولهذا فإن محاولة تحويل الجماعة من طرف في تجربة سياسية انتهت إلى «ضحية» في رواية إعلامية لا تكفي لإعادة بناء الثقة أو استعادة التأثير.

قد تتغير اللغة، وتتبدل المنصات، وتتعدد محاولات استدعاء التعاطف، لكن الوعي الذي أسقط التجربة قادر على قراءة ما وراء هذه المحاولات، والتمييز بين المراجعة الحقيقية وبين إعادة تدوير خطاب قديم بأدوات جديدة.

والأخطر على هذه الحسابات أن رضا فهمي نفسه قدم شهادة تكشف كيف كانت الجماعة ترى الشارع في اللحظة التي سبقت سقوطها إذ اعتقدت أن المظاهرات انتهت، واحتفلت بما ظنته انتصارا، بينما كان المصريون يكتبون الفصل الأخير من حكم الإخوان.

وبالتالي فإن المفارقة لا تتعلق فقط بأن الجماعة الإرهابية أخطأت في قراءة 30 يونيو، وإنما بأنها تبدو مستمرة في الخطأ نفسه بعد سنوات، حين تتعامل مع المظلومية والمنصات الخارجية باعتبارها طريقا ممكنا لاستعادة تأثير فقدته.

 

المصريون أسقطوا الوهم الأول ولن يمنحوا الوهم الجديد فرصة

الدرس الأوضح من شهادة رضا فهمي أن المشكلة لم تكن في عدم وصول رسالة الشارع إلى الجماعة، وإنما في عدم قدرتها على استيعابها.

وفي 30 يونيو دفعت الجماعة ثمن هذه القراءة الخاطئة، بعدما خرج المصريون وأسقطوا رهاناتها على استمرار الحكم.

واليوم، مهما تغيرت الأدوات، يبقى العامل الحاسم هو وعي المواطن فالجماعة قد تستطيع إنتاج خطاب، وإعادة تدوير المظلومية، والاستمرار في الظهور عبر منصات خارجية، لكنها لا تستطيع فرض تأثير حقيقي على مجتمع حسم موقفه منها.

لقد تغيرت المعركة من الشارع إلى الشاشات، ومن محاولة السيطرة على السلطة إلى محاولة التأثير في الوعي، لكن النتيجة لا تزال مرتبطة بالمصريين أنفسهم.

فالوعي الذي أسقط وهم «الفاشوش» في 30 يونيو قادر على إسقاط وهم العودة أيضا.

وإذا كان رضا فهمي قد كشف بنفسه أن قيادات الإخوان احتفلت ليلة 30 يونيو معتقدة أن الأزمة انتهت، فإن المشهد اليوم يكشف مفارقة أخرى: الرجل الذي شهد على وهم الجماعة القديم يبدو أنه يراهن على وهم جديد، وهو أن تغيير الأدوات يمكن أن يعيد لها ما فقدته.

لكن التاريخ لا يعاد من خلال المنصات، والذاكرة لا تمحى بالمظلومية، والتأثير لا يصنعه الصراخ من الخارج.

المصريون الذين أسقطوا حكم الجماعة الإرهابية في الشارع، أسقطوا أيضا روايتها في الوعي، ولذلك ستظل محاولات العودة محكومة بحقيقة واحدة تتمثل في أن من أخطأ قراءة الشعب في لحظة فارقة، لن يستطيع خداع وعيه بتغيير الأدوات.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة