من رفض إرادة المصريين إلى استهداف المجتمع بعد 30 يونيو.. كيف تحول الإخوان من السعي لاستعادة السلطة إلى ماكينة انتقام؟.. الإرهابية استبدلت خطاب المعارضة السياسية بمحاولات ضرب ثقة المصريين في الدولة

الجمعة، 28 أغسطس 2026 10:00 م
من رفض إرادة المصريين إلى استهداف المجتمع بعد 30 يونيو.. كيف تحول الإخوان من السعي لاستعادة السلطة إلى ماكينة انتقام؟.. الإرهابية استبدلت خطاب المعارضة السياسية بمحاولات ضرب ثقة المصريين في الدولة الاخوان

كتب: عزوز الديب

 

كشفت السنوات التالية لثورة 30 يونيو 2013، عن تحول واضح في خطاب جماعة الإخوان الإرهابية وأنصارها لينتقل من محاولة استعادة السلطة إلى تبني خطاب أكثر حدة يقوم على التخوين والتكفير والتحريض، بالتوازي مع انتقال جانب من نشاط الجماعة إلى الخارج والمنصات الرقمية، ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا هل كان غضب الجماعة من المصريين مجرد رد فعل على خسارة السلطة، أم أن جذوره تمتد إلى تصور أيديولوجي يجعل الولاء للتنظيم عابرًا للحدود أكثر أهمية من الانتماء الوطني؟.

 

الإجابة لا يمكن اختزالها في واقعة واحدة، لكنها تبدو أكثر وضوحًا عند قراءة مسار الخطاب الإخواني قبل 30 يونيو وبعدها، ومقارنته بالتحولات التي شهدتها أدوات التنظيم من العمل السياسي إلى التحريض الإعلامي والرقمي، ثم النظر إلى شبكاته الخارجية وعلاقاته المالية والتنظيمية.

 

أيديولوجيا تتجاوز حدود الدولة

أحد جذور الأزمة يرتبط بمفهوم «التنظيم» نفسه، فالإخوان نشأوا كحركة عابرة للحدود، وهو ما جعل علاقتهم بمفهوم الدولة الوطنية محل جدل دائم لدى منتقديهم، وفي الأدبيات المنسوبة إلى سيد قطب، أحد أبرز منظري الفكر الإخواني، تظهر رؤية شديدة النقد للمجتمع والدولة الحديثة، بينما ارتبط اسمه بعبارة شهيرة عن الوطن باعتباره «حفنة من تراب عفن»، وهي عبارة استُخدمت لاحقًا على نطاق واسع في النقاش حول موقف الإسلاميين من مفهوم الدولة الوطنية.

الأكثر خطورة أن أدبيات «الجاهلية» لدى التيار القطبي لم تتعامل مع المجتمع باعتباره كتلة واحدة متجانسة، بل قامت على تقسيم حاد بين «المجتمع المسلم» وفق التصور الذي تطرحه الجماعة، وبين مجتمع يُنظر إليه باعتباره ابتعد عن تطبيق الإسلام كما يفهمه التنظيم، وهنا تتحول المشكلة من خلاف حول السياسات إلى صراع على تعريف من يمثل المجتمع ومن يملك حق الحديث باسمه.

 

30 يونيو.. اللحظة التي سقط فيها ادعاء «تمثيل الشعب»

جاءت ثورة 30 يونيو لتشكل الصدمة الأكبر في تاريخ الإخوان السياسي الحديث، فالجماعة التي وصلت إلى الحكم عبر الانتخابات وجدت نفسها أمام حشد شعبي واسع يطالب برحيل الرئيس محمد مرسي، وبدلًا من أن تقود تلك اللحظة إلى مراجعة سياسية عميقة لأسباب فقدان التأييد الشعبي، اتجه جزء من الخطاب الإخواني إلى إعادة تفسير الحدث باعتباره مؤامرة على «الإسلام» نفسه.

وكانت تصريحات وجدي غنيم قبل 30 يونيو نموذجًا مبكرًا على هذا المنحى، إذ استخدم خطابًا شديد الاستقطاب تجاه المشاركين في الاحتجاجات، ووصل إلى وصف الصراع باعتباره مواجهة بين الإسلام وخصومه، ومع سقوط حكم الجماعة، اتسعت الهوة بين التنظيم وقطاع واسع من المصريين، وتحول المواطن الذي شارك في إسقاط الإخوان من ناخب أو معارض سياسي إلى هدف في خطاب بعض قيادات التنظيم، لتبدأ مرحلة جديدة لم تعد فيها المعركة على القصر أو البرلمان، وإنما على المجتمع نفسه.

 

من الخصومة السياسية إلى خطاب التكفير

أخطر ما كشفته السنوات التالية كان توظيف «التكفير» كأداة سياسية، فدار الإفتاء المصرية وثقت في أكثر من مناسبة خطاب وجدي غنيم التكفيري، ومن ذلك تكفيره للمشاركين في الانتخابات، كما وثقت هجومه على شخصيات مصرية بارزة، معتبرة أن التكفير يمثل إحدى أدوات التيارات المتطرفة لتشويه الخصوم وتبرير الاعتداء عليهم.

هذه ليست مجرد لغة سياسية خشنة؛ فالانتقال من اتهام الخصم بالخيانة إلى إخراجه من دائرة الانتماء الديني أو الوطني يفتح الباب أمام التعامل معه باعتباره «عدوًا» لا مواطنًا مختلفًا، وهنا تكمن خطورة الخطاب: فحين يصبح ملايين المصريين الذين اختاروا موقفًا سياسيًا معينًا موضع تكفير أو تخوين، تصبح فكرة التعايش السياسي نفسها مستحيلة.

 

«نداء الكنانة».. عندما وصل التحريض إلى مستوى أكثر خطورة

في عام 2015 ظهر أحد أكثر النماذج وضوحًا على التحول من الخطاب السياسي إلى التحريض، فيما عُرف باسم «نداء الكنانة».البيان، الذي وقعه عدد من العلماء والقيادات المحسوبة على التيار الموالي للإخوان، تضمن تهديدات وتحريضًا استهدف سياسيين وقضاة وضباطًا وإعلاميين، وهو ما أثار آنذاك موجة واسعة من الجدل والانقسام حتى داخل دوائر إسلامية كانت متحالفة مع الجماعة.

 

واللافت أن الخلاف لم يكن فقط بين الإخوان وخصومهم؛ إذ ظهرت أصوات من داخل التيارات الإسلامية نفسها رفضت لغة العنف التي تضمنها البيان، وهو ما يؤكد أن القضية تجاوزت حدود المعارضة السياسية إلى خلاف حول مشروعية استخدام العنف كأداة لإسقاط الدولة.

وهكذا تحولت فكرة «استعادة الشرعية» تدريجيًا لدى بعض التيارات المرتبطة بالجماعة من شعار سياسي إلى خطاب يبرر استهداف مؤسسات الدولة ورموزها.

 

المواطن في قلب المعركة

الأخطر في هذا المسار أن الدولة ليست الطرف الوحيد الذي يتضرر من الإرهاب أو التحريض، فالمواطن هو من يدفع الثمن في النهاية، عندما تُستهدف منشأة عامة، أو وسيلة نقل، أو بنية تحتية، أو شخصية عامة، لا تكون النتيجة سقوط مسؤول سياسي، وإنما تعطيل حياة آلاف المصريين.

وعندما تنتشر شائعة عن نقص سلعة أو انهيار اقتصادي أو أزمة طاقة، فإن الهدف النهائي ليس فقط الحكومة، بل ثقة المواطن في قدرته على إدارة حياته وفي قدرة الدولة على حماية مصالحه، وهنا يصبح الفضاء الإلكتروني امتدادًا للمعركة السياسية.

 

من الشارع إلى الشاشة.. معركة الشائعة

مع تضييق المساحة المتاحة للتنظيم داخل مصر، اكتسب النشاط الخارجي والإعلامي أهمية أكبر، وتحولت المنصات الرقمية إلى ساحة رئيسية للتأثير.

والتكتيك الأكثر فاعلية لم يعد بالضرورة نشر معلومة كاذبة بصورة مباشرة، وإنما يمكن أن يبدأ الأمر من واقعة حقيقية، ثم يجري اجتزاؤها من سياقها، أو تضخيمها، أو إعادة نشر حادث قديم باعتباره جديدًا، أو تقديم تحليل متشائم باعتباره حقيقة مؤكدة، بهذه الطريقة تتحول الشائعة من معلومة إلى حالة نفسية جماعية.

وتساعد طبيعة منصات التواصل الاجتماعي على ذلك، حيث يمكن لمئات الحسابات إعادة نشر المحتوى نفسه خلال فترة قصيرة، بما يمنحه انطباعًا زائفًا بالانتشار والتوافق الشعبي.

 

كما ظهرت خلال السنوات الأخيرة أنماط أكثر نعومة، فبدلًا من ظهور الحساب باعتباره تابعًا لجماعة سياسية، يقدم نفسه باعتباره «خبيرًا اقتصاديًا» أو «ناشطًا مستقلًا» أو «صانع محتوى»، بينما يتركز خطابه بصورة مستمرة على توقع الانهيار، وتضخيم الأزمات، وإثارة فقدان الثقة.

 

وهنا تصبح المعركة أكثر تعقيدًا، لأن المتلقي لا يواجه خطابًا سياسيًا مباشرًا يمكنه بسهولة التعرف عليه، وإنما يواجه محتوى يبدو مهنيًا أو محايدًا لكنه قد يحمل أجندة سياسية واضحة.

 

ماذا عن التمويل الخارجي؟

لا يمكن التعامل مع ملف التمويل باعتباره مجرد رواية سياسية، فوجود شبكات مالية وتنظيمية مرتبطة بالحركات الإسلامية في أوروبا وخارجها أصبح موضوعًا لعدد من الدراسات والتقارير.

وتشير دراسة منشورة عبر مؤسسات أوروبية إلى أن شبكات التمويل المرتبطة بالتيارات السلفية والإسلامية يمكن أن تتجاوز النشاط الخيري إلى التأثير السياسي، فيما تناولت دراسات أحدث الشبكات المرتبطة بجماعة الإخوان في أوروبا وصلاتها التنظيمية والمالية.

كما تناولت وثائق وبرلمانات أوروبية الجدل حول نفوذ شبكات مرتبطة بالإخوان داخل أوروبا وعلاقاتها بمؤسسات وجمعيات تعمل في مجالات اجتماعية ودينية وسياسية.

لكن من المهم التمييز بين وجود شبكات تمويل ونفوذ حقيقية وبين الادعاء بأن كل قناة أو منصة معارضة لمصر تتلقى تمويلًا مباشرًا من جهاز استخبارات أجنبي، أو أن التمويل يُدار وفق نظام «مؤشرات أداء» لقياس عدد الشائعات أو حجم الغضب في الشارع؛ فهذه تفاصيل تحتاج إلى وثائق وأدلة محددة حتى يمكن تقديمها كحقائق صحفية.

 

«بيزنس المعارضة».. عندما تتحول القضية إلى صناعة

مع استمرار وجود قيادات وناشطين إخوان في الخارج، نشأت منظومة تضم وسائل إعلام ومنصات رقمية ومراكز بحثية وفعاليات سياسية وجماعات ضغط.

وبمرور الوقت، يمكن أن تتحول القضية السياسية إلى منظومة مصالح قائمة بذاتها: قيادات تحتاج إلى استمرار الحضور الإعلامي، منصات تحتاج إلى محتوى دائم، ومؤسسات تحتاج إلى جمهور، وهو ما يجعل استمرار الصراع هدفًا في حد ذاته بالنسبة لبعض المستفيدين منه.

وهنا تبرز مفارقة شديدة الأهمية كلما تراجعت قدرة التنظيم على الحشد داخل مصر، زادت حاجته إلى صناعة صورة إعلامية توحي بأنه لا يزال قادرًا على التأثير.

وبالتالي يصبح تضخيم أي أزمة، مهما كانت محدودة، وسيلة لإثبات أن التنظيم ما زال حاضرًا وأن المجتمع على وشك الانفجار.

 

لماذا لا تنتهي المعركة بانتهاء التنظيم داخل الشارع؟

لأن التنظيمات الأيديولوجية لا تعتمد فقط على العضوية المباشرة، قد تتراجع الخلايا التنظيمية، لكن الأفكار يمكن أن تستمر عبر المحتوى الرقمي، والشائعات، والخطاب الاستقطابي، وإعادة إنتاج المظلومية.

وتشير دراسات حديثة حول شبكات الإخوان في أوروبا إلى أن قدرة الشبكات المرتبطة بالتنظيم لا تعتمد فقط على الهياكل الرسمية، وإنما كذلك على الروابط الشخصية والأيديولوجية التي تسمح باستمرار النشاط بأسماء وأشكال مختلفة حتى بعد تفكيك بعض الكيانات.

وهذا يعني أن المواجهة الحقيقية لا تقتصر على الجانب الأمني؛ بل تمتد إلى المعركة على الوعي.

 

الخلاصة.. من «نحن والشعب» إلى «نحن ضد الشعب»

وهنا يبرز السؤال كيف تحول خلاف جماعة سياسية مع المجتمع الذي رفض مشروعها إلى خطاب يتعامل مع هذا المجتمع باعتباره خصمًا؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة