يضعنا الفيلم القصير "قفلة" للمخرج أحمد الزغبي أمام مواجهة قاسية مع فصيل مجتمعي يتخذ من التجسس والفضول تجاه حياة الأخرين حق أصيل ومكتسب.
الفيلم يحول موقف عابر من سوء الفهم إلى حبكة درامية معقدة عن خوف المجتمع من الاختلاف، الذي سرعان ما تتراكم عليه الأحكام المسبقة.
وعبر مساحة زمنية محدودة يقدم الفيلم صورة مصغرة لرفض المجتمع لمن لا يتشابه مع النموذج الأصلي الذي نما تحت عباءته، بل ويحول هذا الرفض إلى حالة تخوين اجتماعي تستوجب العقاب، ضد كل ما يخرج عن المألوف.
يبدأ الفيلم من تفصيلة عادية في ظاهرها، لكنها قاسية في جوهرها، حيث تعيش امرأة بمفردها داخل شقة بعمارة تسكنها عائلات، يصادف أن تصعد بصحبة شاب يتزامن دخوله إلى المصعد معها أمام أعين الجيران، هذا الوضع المريب حسب ظنهم يضع المرأة تلقائياً تحت مجهر يبيح لهم انتهاك حريتها، معتقدين أن غياب النمط التقليدي للحياة من منظورهم، يمنحهم حق مكتسب لمحاكمتها.
وعبر مساحة زمنية مكثفة، ينقلنا الفيلم إلى قلب هذه المواجهة المحسومة، ويشرح كيف يتحول الخوف من اختلاف الآخر إلى سلطة وصاية مجانية، واتفاق جماعي في انتهاك الحقوق، فالمجتمع هنا لا يكتفي بعدم فهم من لا يشبهه، بل يحول هذا الجهل إلى حكم واجب التنفيذ.
كيف تحول الاختلاف في مجتمعاتنا إلى جريمة غير معلنة، وكيف نبت كل هذا العنف النفسي الموجه ضد كل من لا نعرفه، ولا نفهمه، ولا يشبهنا؟، تسير حبكة الفيلم بصورة ضبابية مضللة، لا يبدو واضحاً إن كانت المراة تعرف الرجل الذي صادف ودخل معها المصعد أم أنه مجرد عابر ركب في اللحظة الخطأ، أمام أعين السكان، حيث تبدأ المحاكمة دون إثبات أو تهمة صريحة، يكفي فقط سلوك لا يشبه العرف السائد.
في تلك المساحة الضيقة، يتحول المصعد إلى قفص احتجاز، يبدأ الجيران باستهداف المرأة والرجل كأنهما تمت مداهمتهما في مكان مشبوه، يقطع الجيران الكهرباء عنهما ويحتجزوهما داخل المصعد، ويبدأ التراشق اللفظي والوصم بأشد العبارات جرحا، ويتصاعد التوتر بينهما أمام صمت المرأة وعدم مواجهة الجيران، حتى يبدأ صغارهم في رش المصعد بخرطوم المياه كعملية تطهير للذنوب المحتملة التي لم ترتكب بعد.
تعكس ملامح المرأة قهرا صامتا واستسلاما قاسيا أمام عقل لا يمكن النقاش معه، العنف النفسي ضدها لا يتغذى على إثبات الحقائق، بل على الشبهات والظنون التي تمنح الجميع شعورا مزيفا بالتفوق الأخلاقي والديني.
مشهد رش المياه واستهداف المحتجزين لا تكمن قسوته فقط في الفعل، بل في الضحكات المنطلقة من الأطفال والمراهقين ونظرات التحقير ضد المرأة والرجل، وكأنها لعبة يمارسها الأطفال أمام أعين ذويهم، ويبدو العداء ضد الآخر سلوك يربي عليه الصغار ويتم توريثه.
هذا المشهد هو قمة المأساة التي نعيشها، حيث يربي الصغار على تصنيف البشر إلى نحن الأفضل وهم المختلفون، هذا التصنيف يمنح الأطفال في المستقبل صلاحية أخلاقية لممارسة العنف اللفظي والجسدي ضد الآخر.
يعكس اسم الفيلم مشاعر "القفلة" النفسية عند البطلة ضد جيرانها، وهي بطلة بحق رغم كل ما تعرضت له ظلت صامتة وصامدة لم تشعر بحاجة إلى تبرير موقفها او شرح نفسها وحياتها أمام أحد، إنها "قفلة" العقل والقلب، أمام مجتمعات تربت على الخوف من الغريب وفرض سوء النوايا.
يحاول الرجل طمأنة المرأة لكن صوت الجماعة أعلى من صوت العقل، تأكيد على أن الضرر النفسي الذي أحدثه المجتمع لا يزول بانتهاء الموقف.