عبير حلمي تكتب: بين الغِرار والمثول للحب

الخميس، 27 أغسطس 2026 06:02 م
عبير حلمي تكتب: بين الغِرار والمثول للحب عبير حلمى

الحب كلمة واحدة في حروفها الأربعة، لكنها تحمل ألف معنى؛ والحب الحقيقي لا يُقاس بكثرة الأقوال، بل بصدق الأفعال. فالأفعال وحدها هي اللغة التي يفهمها القلب، وهي البرهان الذي لا يحتاج إلى تفسير.

ونجد أنه من الصعب أحيانًا التعبير عن الحب أو عما يدور بقلب المحب العاشق الولهان، رغم أن التعبير والاعتراف بالحب للطرف الآخر هو أمر حتمي لتقوية أواصر الحب، ويمنحه الاستمرار والاستقرار.

هنا يتبع القلب خطاه السليمة نحو السعادة المرجوة التي يجتمع عليها القلب والعقل معًا.

والمثول للحب النابع عن إرادة قوية، دون الخضوع لشروط أو إكراه أو لأوامر أحد، فإنه يقود صاحبه إلى السعادة الحقيقية، وكما قال عبد الحليم حافظ: «بأمر الحب»، فالقلب يأمر دون سيطرة من العقل أحيانًا، ولكن الشخص المتزن العاقل يجعل القلب والعقل يتناغمان، كل منهما مع الآخر، لتحقيق السعادة الثابتة القوية.

وتوقير الأفعال بالاحترام والتقدير لكل وعد نابع من الحب، أو نصيحة تلفظ بها قلب موثوق به ومن محب مخلص، لا رغبة لديه إلا إسعاد المحبوب والتفاني في تحقيق السعادة المطلقة، وبذل كل شيء للحفاظ على الطرف الآخر مهما تعقدت الأمور وتفاقمت المشاكل الحياتية، فلا بد من المثول للحب دون تحكم أو سيطرة، ونتجنب التشكيك في العلاقة لكي تدوم بالحب الصادق.

بالصدق يتحول الحب هنا إلى السكينة والطمأنينة والأمان والفرح والعطاء الحقيقي، والأهم راحة القلب. ما أجمل أن يمتثل شخص لشخص آخر دون ارتياب النفس أو نشوء القلق أو أن تدمع عيناه، والبعد عن الشعور بالخذلان. ما أجمل أن نجد الحب بمعناه ومغزاه الحقيقي، هو كل بذل وتضحية من أجل سعادة الآخر.

وإنما غرار الحب فهو العكس تمامًا، وهو ما يُدعى ويُسمى «وهم الحب»، وهو حب النفس والذات في المقام الأول؛ هو حب التحكم والتملك والسيطرة وتنفيذ الرأي دون احترام لمشاعر ورأي الآخر، وتصير كلمة حبيب هنا هي الحب الأناني المخادع، يمتلك أدوات الحب ولا يجيد استخدامها بشكل صحيح، وإنما يستخدم أدواته الزائفة للاستدراج والتملك وتحقيق المنافع الشخصية وإشباع الذات الداخلية بمعانٍ مغلوطة، مثل التحكم كرمز للرجولة، والسيطرة هي مفتاح الأمان من وجهة نظر ذلك المخادع الواهم.

غرار الحب، وكأننا نعبر على ينبوع ماء صغير وندعي أننا داخل نهر النيل الأكبر، وهكذا كافة الأحلام الوردية والوعود الزائفة المغرية والأكاذيب المضنية الواهية.

من يغتر بالحب وكأنه عشق الناس جميعًا، وهو لا يمتلك قلب واحد منهم، من يغتر بالحب يكتشف أنه المخدوع الوحيد وسط احتراف الكذب الملون بالأظافر الناعمة. فالاغترار بالحب هو فقر الحب دون دليل واحد لوجوده.

لذلك، بين المثول للحب وغرار الحب هوة عظيمة، لا تشابه بينهما مطلقًا:

مثول الحب: من يخضع له بكل إرادته، بكل سعادة وإخلاص.

وغرار الحب: من يقلل من شأن الحب نفسه، فهو حب معدوم من الإنسانية، وشحيح الحب وأفعاله بلا جدوى أو تأثير. فقد يستخدم شعارات الحب دون ذرة أفعال تؤكدها، سيهلك كل من لا يفهم الفرق بينهما، وقد ضاع منه كل شيء، وأهم شيء وهو عنصر الأمان.

وكيف تأمن النفس إلا مع الصدق والصراحة؟! وكيف تأمن نفس إلا في أحضان أفعال الحب، وليست أدواته المنتقاة بعناية خاصة لسقوط العديد من الضحايا وسط الشعارات الزائفة وأسطول الحجج والمبررات الواهية؟

كيف لا نعرف الفرق بين المثول المكنون في عمق الحب والحنان المتلفح بآلاف المواقف الحقيقية المؤكدة لكل حرف ولكل اشتياق ولكل همسة حب صادقة، وإن لم نتفوه بكلمة واحدة، ويكفي نعمة الإحساس وصدق المشاعر التي تصل دون أدنى مجهود ودون افتعال العبارات المستهلكة بالدعوات المغرضة والنغمات المرعبة في عتمة ليل بين ضلوع خائنة وجبايا تبدو أنها تتعاطف، وهي لا تمثل العطف والعاطفة بأي صفة.

وبين غرار الحب، أقل ما يوصف بأنه وصمة عار لمحب كاذب، غائب الوعي عن ردود أفعال الظلم والقهر من حبيب مكلوم، وعن حساب لا مفر منه في الدنيا والآخرة.

دع الحب وشأنه. عندما نجد أدوات الحب متمكنة دون أفعال، سنرى حتمًا انقضاء الأمر آجلًا أم عاجلًا. يا مدعي الحب، استيقظ.

سنصل للمثول الصادق في الحب بالأفعال الراضية المرضية، دون استخدام شعارات من نفح فم فاسق كاذب متلون، أجير الشيطان وخاتم بأصبعه.

نمتثل للحب ولا نتمثل به من باب التمثيل لتحقيق المنافع الشخصية وإشباع الذات المريضة.

نمتثل للحب الواعد بالصدق والداعي للحب الحقيقي بكل سهولة ودون مجهود، سيصل للقلب ويزف له الأفراح الدائمة.

الحب الصادق بقلب لا يغضب ولا ينتهر، قلب حنون رومانسي مجنون أحيانًا (جنون الحب)، ولكنه كامل العقل والاتزان، صاحب كلمة ومسؤولية. مهما حصل أو قد يحدث، فهو جاهز بالبرهان.

هذا هو الحب، وليس لنا سواه، نثق به ونترجاه (حب الله خالق السماء والأرض)، ولنمتثل به لنحيا الحب على الدوام دون شقاق أو نفاق، وتصير الأرض مثال سماه.

نحيا بالحب المانح العطايا وغافر الخطايا، نحيا بالحب الخليل دون الاقتراب من الحب العليل، كثير الشك والغيرة والأنا والأنانية، فهو حب مريض والشفاء منه ليس بالأمر السهل أبدًا.

ولا رغبة لنا في الشفاء من حب حقيقي لامع ناصع البياض والنقاء، شفاف حالم ناصر، يمنح العطايا دون أن يأخذ، وهنا الحبيب دائمًا صاحب ابتسامة تنير الحياة، وإن فارقت الحياة، باقية الكلمات والأفعال على الدوام، بخلود القلب والروح جنبًا إلى جنب للتمام.

كيف نحيا على غرار الحب وصولًا إلى المثول به دون التنكيل؟

كلمة «غرار الحب» بدون حرف العلة «على» تجعل من المعنى الاغترار والاغتراب عن الحب نهائيًا؟

هل تصدق حرف علة يُخلِف المعنى ويقلب موازين الجمل والعبارات ويجعل من ثوائه إلى مثواه الأخير؟

لندقق الحرف وننتقي العبارات، فبعض الكلمات نور وبعضها قبور.

وتصير الأمور على مثول الحب غير المبتذل الواصف للأفعال الجيدة، وإنما نسير إلى هدى الطريق بالحب الصادق الأمين.

فالتنكيل بالحب هو تدميره من الداخل بالقسوة والخيانة والخذلان ونقض العهد وفض مجالس الصلح، فلا عزاء لنا بالحب بعد فرض الرأي عن عمد دون نقاش أو تفاهم، لمجرد «أكون أو لا أكون».

التنكيل بصفات الحب النقي الطاهر المشبع للنفس وغذاء للروح.

فيتحول القلب إلى زنزانة تُحبس بها الروح خلف الجدران، ولا عزاء للضمير حين ذلك.

فالبقاء للحب الطاهر النقي بالكلمات وبالأفعال معًا، فالكلمات هي تعبير عما يدور بالقلب والعقل، والأفعال تؤكد كل حرف قيل أو دار بخلد الأفكار.

فكثيرًا لا نجيد التعبير، فنسعى لما هو أسمى من التعبير والوصف، وهو صدق المشاعر مع كل فعل أمين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة