في غرف الطوارئ لا توجد رفاهية الانتظار، ولا مساحة للتجربة، ولا فرصة لتأجيل القرار. هناك دقائق قد تفصل بين إنقاذ حياة مريض وفقدانه، وهناك حالات تصل إلى المستشفى وهي على حافة الخطر، لتبدأ معركة حقيقية بين الفرق الطبية والوقت.
خلال الفترة الأخيرة، قدمت مستشفيات جامعة سوهاج نماذج متعددة للتعامل مع الحالات الحرجة والمعقدة، بداية من إصابات القلب النافذة، مرورا بجراحات المخ والأعصاب الدقيقة، وصولا إلى التدخلات الحديثة في تخصصات الجهاز الهضمي وجراحات اليد، بما يعكس تطور الإمكانيات الطبية والتجهيزات والكوادر القادرة على التعامل مع الحالات التي تحتاج إلى تدخل عاجل ودقيق.
إصابة نافذة بالقلب.. طفل يصل في حالة حرجة والقرار يتخذ خلال دقائق
من بين الحالات التي تختبر جاهزية أي مستشفى، الإصابات النافذة بالقلب، التي تتطلب تدخلاً سريعا للغاية، لأن النزيف الداخلي أو إصابة الأوعية الدموية الرئيسية يمكن أن تؤدي إلى تدهور الحالة خلال دقائق وفي إحدى الحالات، استقبل مستشفى الطوارئ الجديد طفلًا لم يتجاوز التاسعة من عمره، بعد تعرضه لإصابة نادرة تمثلت في اختراق إبرة لجدار عضلة القلب.
وبمجرد وصول الطفل، تحرك الفريق الطبي لإجراء جراحة استكشافية عاجلة بالصدر، كشفت عن وجود جرح نافذ بالبطين الأيمن للقلب، وتمكن الفريق من رتق الجرح باستخدام رقعة من غشاء التامور والسيطرة على الإصابة.
لم تكن العملية مجرد تدخل جراحي، وإنما كانت اختبارا لمنظومة كاملة تضم جراحة القلب والصدر والتخدير والتمريض والرعاية الحرجة، تعمل في توقيت واحد لإنقاذ حياة طفل.
طعنة نافذة بالقلب.. المنظار يدخل سباق إنقاذ الحياة
وفي حالة أخرى أكثر تعقيدا، وصل طفل يبلغ من العمر 5 سنوات إلى المستشفى مصابا بطعنة نافذة بالقلب والأوعية الدموية الرئيسية هنا لم يكن التحدي في إجراء الجراحة فقط، وإنما في اختيار الطريقة التي تحقق أسرع وأدق تدخل ممكن مع تقليل الضرر الناتج عن العملية وتم استخدام منظار الصدر الجراحي في التدخل، بما ساعد الفريق الطبي على الوصول إلى موضع الإصابة والتعامل معها، واستخراج الجسم الحاد والسيطرة على النزيف وترميم الإصابات، قبل أن يخرج الطفل من العملية في حالة مستقرة ويخضع للملاحظة الطبية، هذه الحالات تكشف أن التكنولوجيا الطبية لا تصبح ذات قيمة حقيقية إلا عندما تكون متاحة في اللحظة التي يحتاج إليها المريض.
15 عملية مخ وأعصاب في أقل من 24 ساعة.. عندما تتحول سرعة القرار إلى إنقاذ
وفي مجال جراحات المخ والأعصاب، ظهر تحدى آخر لا يقل صعوبة فالحالات العصبية الحرجة ترتبط غالبا بالوقت، خاصة في حالات النزيف أو أورام المخ أو مشكلات الصمامات المخية وإصابات العمود الفقري ونجح فريق جراحة المخ والأعصاب بالمستشفيات الجامعية في إجراء 15 عملية جراحية دقيقة خلال أقل من 24 ساعة ضمن جهود إنهاء قوائم الانتظار وشملت العمليات جراحات أورام بالمخ، وتركيب صمامات مخية، وتفريغ نزيف مزمن تحت الأم الجافية، ومراجعة وتسليك الصمامات المخية، بالإضافة إلى جراحات الانزلاق وتثبيت الفقرات والفتق بالظهر.
ورغم اختلاف الحالات، فإن القاسم المشترك بينها هو الحاجة إلى فريق طبي قادر على اتخاذ القرار سريعًا، وتجهيز غرفة العمليات، والتعامل مع المريض قبل وأثناء وبعد الجراحة.
رئيس الجامعة: هدفنا أن تكون المستشفيات جاهزة للحظة الأصعب
وقال الدكتور حسان النعماني، رئيس جامعة سوهاج، إن تطوير المستشفيات الجامعية لا يستهدف فقط زيادة عدد الخدمات الطبية، وإنما رفع قدرتها على التعامل مع الحالات الحرجة والمعقدة التي تحتاج إلى إمكانيات متقدمة وتدخل سريع.
وأكد أن الجامعة تعمل على توفير أحدث الأجهزة والتقنيات الطبية، بالتوازي مع دعم الفرق الطبية وتطوير قدراتها، بما يسمح بتقديم خدمة علاجية متقدمة لأهالي سوهاج ومحافظات الصعيد.
وأضاف أن إنقاذ الحالات الحرجة يمثل أحد أهم أدوار المستشفيات الجامعية، خاصة أن طبيعة الحالات التي تستقبلها أقسام الطوارئ تتطلب جاهزية مستمرة، وقدرة على التحرك الفوري بمجرد وصول المريض.
وأشار إلى أن إدخال تقنيات حديثة، مثل منظار الصدر الجراحي ومنظار مفاصل الرسغ والكوع، يمثل جزءًا من منظومة أوسع تهدف إلى توطين الخدمات الطبية المتقدمة داخل سوهاج.
6 ملايين جنيه لجهاز جديد.. التكنولوجيا في خدمة المريض الحرج
ضمن خطة رفع مستوى التجهيزات، دخل جهاز منظار مفاصل الرسغ والكوع الخدمة بوحدة الجراحات الميكروسكوبية لأول مرة داخل مستشفيات جامعة سوهاج، بتكلفة نحو 6 ملايين جنيه، بدعم وتبرع من بنك فيصل الإسلامي.
وقد يبدو الجهاز بعيدا عن مفهوم "الطوارئ" بالمعنى التقليدي، إلا أن وجود مثل هذه التقنيات يعكس فلسفة أوسع في تطوير المستشفى امتلاك أدوات قادرة على التعامل مع الحالات الدقيقة والمعقدة بدلًا من اضطرار المريض إلى البحث عن مركز متخصص خارج المحافظة.
فالجهاز يمكن استخدامه في عدد من جراحات الرسغ والكوع وإصابات الأربطة والغضاريف والكسور وبعض إصابات الأعصاب، وهي تدخلات تحتاج إلى دقة عالية وخبرة متخصصة.
مناظير الفراغ الثالث.. علاج متقدم دون جراحة تقليدية
وفي تخصص الجهاز الهضمي، شهدت المستشفيات الجامعية تطبيق تقنية شق عضلة المريء بالمنظار POEM لعلاج حالات تعذر ارتخاء المريء "الأكالازيا"، من خلال إجراء ثلاث عمليات خلال ورشة عمل متقدمة لمناظير الفراغ الثالث وتعكس هذه التقنية اتجاهًا نحو الاعتماد على التدخلات الأقل جراحية، والتي يمكن أن تقلل من مضاعفات العمليات وتسرع فترة تعافي المرضى كما أن إدخال هذه التقنيات داخل مستشفيات سوهاج يوسع دائرة الخدمات المتقدمة المتاحة أمام مرضى الصعيد.
مدير المستشفيات الجامعية: الجاهزية تبدأ قبل وصول المريض إلى غرفة العمليات
وقال المدير التنفيذي للمستشفيات الجامعية إن التعامل مع الحالات الحرجة لا يعتمد على جهاز واحد أو تخصص واحد، وإنما على منظومة متكاملة تبدأ منذ استقبال المريض في الطوارئ، مرورًا بالتشخيص السريع، ثم اتخاذ القرار وتكوين الفريق الطبي المناسب، وتجهيز غرفة العمليات، وانتهاءً بالرعاية المركزة والمتابعة بعد الجراحة.
وأكد أن المستشفيات الجامعية تعمل على رفع درجة الجاهزية بصورة مستمرة، وتوفير الإمكانيات اللازمة للتعامل مع الحالات الطارئة والمعقدة، إلى جانب التوسع في استخدام التقنيات الحديثة التي تساعد الأطباء على التدخل بدقة وسرعة.
وأضاف أن النماذج التي شهدتها المستشفيات مؤخرا، سواء في إصابات القلب أو جراحات المخ والأعصاب أو غيرها من التخصصات الدقيقة، تؤكد أهمية التكامل بين التخصصات المختلفة في إنقاذ حياة المرضى.
فريق واحد لإنقاذ حياة واحدة
الحالات الحرجة لا تنقذها غرفة العمليات وحدها خلف كل حالة ناجحة يقف فريق يبدأ من الاستقبال والطوارئ، مرورًا بأطباء التخصص، والتخدير، والتمريض، وأطقم الأشعة والمعامل، ثم الرعاية المركزة وفي حالات إصابات القلب تحديدا، يصبح التنسيق بين جراحي القلب والصدر والتخدير والتمريض ضرورة لا تحتمل التأخير، بينما تحتاج حالات المخ والأعصاب إلى منظومة مختلفة من التخصصات والتجهيزات.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية للمستشفيات الجامعية ليس فقط في امتلاك الأجهزة، وإنما في القدرة على تشغيل هذه الإمكانيات داخل منظومة واحدة عندما يصل المريض في أخطر لحظات حياته.
لماذا أصبحت التكنولوجيا عاملا حاسما في الطوارئ؟
في الحالات الحرجة، كل دقيقة لها ثمن التقنيات الحديثة تساعد على سرعة الوصول إلى موضع الإصابة، وتقليل حجم التدخل الجراحي في بعض الحالات، وتحسين دقة الإجراءات، وتقليل المضاعفات، وهو ما يجعل الاستثمار في الأجهزة الطبية جزءًا أساسيًا من منظومة إنقاذ المرضى.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي فالجهاز يحتاج إلى طبيب مدرب، والطبيب يحتاج إلى فريق متكامل، والفريق يحتاج إلى مستشفى جاهز لاستقبال الحالة في أي وقت.