تعيش إسبانيا واحدًا من أكثر مواسم حرائق الغابات قسوة في تاريخها الحديث، بعدما تحولت مساحات واسعة من أراضيها خلال صيف 2026 إلى بؤر للنيران، تاركة وراءها غابات مدمرة ومنازل متضررة وسكانًا اضطروا إلى الفرار من مناطقهم، في كارثة بيئية وإنسانية تتسع رقعتها مع استمرار موسم الحرائق.
وبحسب أحدث البيانات التي أعلنتها وزارة التحول البيئي الإسبانية في 18 أغسطس، بلغت المساحة المتضررة من الحرائق منذ بداية العام نحو 254,730 هكتارًا، بينما تشير تحديثات أخرى قائمة على بيانات الأقمار الصناعية إلى أن المساحة تجاوزت 265 ألف هكتار بحلول منتصف أغسطس.
كارثة حرائق إسبانيا.. 33 ألف هكتار تحترق في أندلسيا وسقوط 14 ضحية
ولا تكمن خطورة الكارثة في اتساع المساحات المحترقة فقط، بل في سرعة انتشار النيران وتزامنها مع موجات حر وظروف مناخية شديدة الجفاف جعلت أجزاء واسعة من الأراضي الإسبانية شديدة القابلية للاشتعال.
ومن بين أكثر المناطق تضررًا إقليم أندلسيا، حيث التهم حريق نيبلا في مقاطعة ولبة نحو 33 ألف هكتار وفق القياسات النهائية لنظام كوبرنيكوس الأوروبي، ليصبح ثاني أسوأ حريق في تاريخ الإقليم من حيث المساحة المتضررة. (
وفي الشمال والوسط، واجهت مناطق أخرى حرائق ضخمة أجبرت آلاف السكان على مغادرة منازلهم أو الاحتماء في مناطق آمنة. وكانت حرائق أفيلا ومدريد وكاستيون من أبرز بؤر الأزمة خلال يوليو، بعدما سجلت وحدها عشرات الآلاف من الهكتارات المحترقة.
لكن أكثر فصول الكارثة مأساوية كان الثمن البشري. فقد أودى حريق لوس جاياردوس في ألميريا بحياة 14 شخصًا، في واحدة من أكثر الخسائر البشرية فداحة التي شهدتها حرائق الغابات في إسبانيا خلال العقود الأخيرة.
ومع اتساع رقعة النيران، لم يعد الحديث عن خسائر بيئية فقط؛ فالحرائق تهدد المنازل والمزارع والبنية التحتية والأنشطة الاقتصادية، فضلًا عن تأثير الدخان على جودة الهواء وصحة السكان، كما أن المناطق التي احترقت تواجه بعد انتهاء النيران معركة طويلة لإعادة تأهيل الغطاء النباتي ومنع انجراف التربة وفقدان التنوع البيولوجي.
172 ألف هكتار رمادًا.. أرقام تكشف حجم كارثة حرائق إسبانيا
وتكشف أرقام 2026 مدى التحول الخطير في موسم الحرائق الإسباني. ففي نهاية يوليو وحده، كانت المساحة المحترقة قد تجاوزت 172 ألف هكتار، فيما أعلنت الحكومة الإسبانية مناطق متضررة من 211 حادثًا كارثيًا وقعت منذ نهاية مارس وحتى 27 يوليو، معظمها مرتبط بحرائق الغابات.
وتأتي هذه الكارثة بعد صيف 2025 الذي كان بدوره من أسوأ مواسم الحرائق في إسبانيا، ما يثير مخاوف متزايدة من أن تتحول الحرائق الضخمة والمتكررة إلى ظاهرة أكثر اعتيادًا في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتفاقم الجفاف.
وبينما تتواصل عمليات الإخماد والمراقبة في عدد من المناطق، تبدو إسبانيا أمام فاتورة بيئية واقتصادية وإنسانية ثقيلة. فالأرقام الحالية ليست نهاية القصة؛ إذ لا يزال الصيف مستمرًا، وأي موجة حر جديدة قد تفتح جبهات أخرى للنيران.
إسبانيا لا تواجه مجرد موسم حرائق عابر، بل أزمة بيئية متصاعدة، تُعيد رسم خريطة الغابات وتترك خلفها صيفًا أسود تتسع فيه رقعة الرماد يومًا بعد يوم.