الجريمة الصامتة خلف الألوان.. رحلة "أسطوانة الموت" من مخازن العاشر إلى فاجعة "مول القاهرة الجديدة".. الداخلية تسقط "شبكة الغازات المجهولة".. وضبط 856 أسطوانة غاز كانت معدة للتوزيع لترسل الخوف إلى أماكن أخرى

الأحد، 23 أغسطس 2026 07:28 م
الجريمة الصامتة خلف الألوان.. رحلة "أسطوانة الموت" من مخازن العاشر إلى فاجعة "مول القاهرة الجديدة".. الداخلية تسقط "شبكة الغازات المجهولة".. وضبط 856 أسطوانة غاز كانت معدة للتوزيع لترسل الخوف إلى أماكن أخرى ضبط 856 أسطوانة غاز هيليوم

كتب محمود عبد الراضي

في لحظة واحدة خاطفة، تحولت ألوان البهجة التي تكسو جنبات مول شهير بقلب التجمع الخامس إلى مشاهد من الرعب والذهول.

صخب أطفال يلهون، وعائلات تبحث عن لحظة فرح، ومحل هدايا يضوع بالبهجة والبالونات الملونة، فجأة هدمت كل ذلك صرخة مدوية هزت أركان المكان.

لم تكن الصرخة سوى انفجار لعين لأسطوانة غاز "الهيليوم"، حال بين عشرات الأبرياء وبين حياتهم الآمنة، ليترك خلفه حصيلة ثقيلة تدمي القلوب: ثلاثة جثامين غارقة في الدماء، وخمسة عشر جريحاً تفرقوا بين مستشفيات العاصمة يصارعون الآلام.

 

حملات أمنية

لكن المأساة لم تتوقف عند حدود تلك اللحظة الدموية؛ إذ بدأت الأجهزة الأمنية رحلة سباق مع الزمن لكشف الخيط الأول لهذه الفاجعة، والإجابة عن السؤال المحرق: كيف تحولت أداة للبهجة إلى قنبلة موقوتة تسلب الأرواح؟

لم تكن الدلائل في موقع الحادث سوى بداية خيط قاد رجال التحريات إلى رحلة مطاردة امتدت خارج حدود القاهرة. وعبر تقصٍ دقيق للبيانات وتتبع مسارات التوريد، تكشفت الحقيقة المظلمة التي تختفي خلف الستار.

لم تكن تلك الأسطوانة سوى واحدة من مئات القنابل الموقوتة التي خرجت من وكرين غير شرعيين؛ حيث أسفرت التحريات المكثفة عن تحديد المصدر الرئيسي للموت، وتبين أنهما شركتان غير ترخيصيتين، ملحق بهما مخزنان لتعبئة الغازات الصناعية بطرق عشوائية بمدينة العاشر من رمضان بمحافظة الشرقية.

في تلك البقعة النائية، كانت تُدار تجارة الموت بلا رقيب ولا ضمير، حيث تُعبأ الأسطوانات العتيقة بالغاز وتحت ضغوط هائلة دون أدنى مراعاة لمواصفات الأمن والسلامة الجسدية.

وبمجرد صدور إذن النيابة العامة وتقنين الإجراءات، داهمت القوات الأمنية المقرين في مباغتة محكمة، لأسفرت الحملة عن ضبط القائمين على إدارة هذا النشاط الإجرامي.

 

ضبطيات ضخمة

ولم تكن المفاجأة في السيطرة على الموقعين فحسب، بل فيما عُثر عليه داخلهما؛ إذ التحفظ على 856 أسطوانة غاز كانت معدة للتوزيع لترسل الخوف إلى أماكن أخرى.

ولم تتوقف جهود التتبع عند هذا الحد، بل واصلت الأجهزة الأمنية تتبع خطوط السير للأسطوانات التي خرجت بالفعل من تلك المخازن المظلمة، لتتمكن من استعادة وضبط 141 أسطوانة أخرى كانت قد وجدت طريقها بالفعل إلى واجهات محال الهدايا والمكتبات في عدة محافظات، لتنقذ بذلك أرواحاً أخرى كانت على موعد مفترض مع مأساة جديدة.

تم اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيال المتهمين، وجارٍ عرضهم على النيابة العامة لمباشرة التحقيقات والمواجهة بالتهم المنسوبة إليهم، لتبدأ مرحلة الحساب القضائي عن كل قطرة دم أُريقت.

 

عقوبات القتل الخطأ وإدارة المنشآت الخاطرة

في هذا السياق، تطرح المأساة تساؤلات قانونية حول العقوبات المتوقعة بحق المسئولين عن هذه الكارثة.

يوضح الخبراء القانونيون أن القانون المصري يتصدى بصرامة لمثل هذه الجرائم الإهمالية المتكاملة الأركان.

ينص قانون العقوبات في المادة 238 على أن كل من تسبب خطأ في موت شخص آخر بأن كان ذلك ناشئاً عن إهماله أو أرعنه أو عدم حيطته أو عدم مراعاته للقوانين واللوائح، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر. وإذا نتج عن الفعل وفاة أكثر من ثلاثة أشخاص كما هو الحال في هذه الفاجعة، تتغلظ العقوبة لتصل إلى الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنوات، وقد تصل إلى ثماني سنوات إذا كان الجاني قد ارتكب خطأ جسيماً أو كان تحت تأثير مسكر أو مخدِر، أو امتنع عن تقديم المساعدة للمصابين.

أما فيما يتعلق بالإصابات، فتطبق المادة 244 من القانون ذاته، والتي تعاقب بالحبس والغرامة كل من تسبب في جرح شخص أو إيذائه خطأً نتيجة الإهمال، وتشتد العقوبة إذا نتج عن الجريمة عاهة مستديمة أو طالت عدداً كبيراً من الضحايا.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تشغيل مخازن وتعبئة غازات بدون ترخيص يخضع لأحكام قانون المحال العامة رقم 154 لسنة 2019، والذي يعاقب بغرامات مالية ضخمة وإغلاق المنشأة مصحوباً بمصادرة الأدوات والمعدات المكتشفة، إلى جانب المسؤولية الجنائية الكاملة عن تعريض حياة المواطنين للخطر وإدارة نشاط يهدد الأمن العام.

تنتظر أسر الضحايا والمصابين كلمة العدالة، علها تطفئ نار القلوب التي احترقت بفقد ذويها، بينما تواصل الجهات المختصة ملاحقة كل من تسوّل له نفسه العبث بأرواح الأبرياء بدافع التربح غير المشروع.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة