مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، وجدت جماعة الإخوان الإرهابية، مساحة جديدة لممارسة نشاطها الدعائي، بعدما أصبح الفضاء الإلكتروني ساحة رئيسية لتشكيل الرأي العام، ومن هنا ظهرت اللجان الإلكترونية والحسابات الوهمية التي تعمل على إعادة تدوير الرسائل نفسها بأشكال مختلفة.
المعركة الإلكترونية التي يخوضها التنظيم، لا تقوم على حساب واحد أو صفحة واحدة، وإنما على شبكة من الحسابات التي تعمل بصورة منظمة لتضخيم موضوعات بعينها وتحويل وقائع فردية إلى أزمات عامة.
وتتمثل إحدى الأدوات الأساسية في إطلاق الهاشتاجات الموجهة، ثم إعادة نشرها عبر عدد كبير من الحسابات، بما يعطي انطباعًا بوجود حالة غضب جماهيرية واسعة، وقد يشارك في هذه العملية عدد محدود من الحسابات، لكن تكرار الرسالة نفسها بصورة مستمرة يمكن أن يصنع وهم الانتشار.
كما تعتمد هذه اللجان، على تضخيم الأزمات الفردية، فإذا وقعت مشكلة محدودة في مكان ما، يتم تقديمها باعتبارها نموذجًا لحالة عامة في الدولة كلها، ثم تبدأ الحسابات في إعادة النشر والتعليق والربط بين الواقعة وقضايا أخرى، بهدف خلق حالة من الاحتقان الوهمي، والأخطر، هو استخدام تقنيات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق لإنتاج مقاطع صوتية أو مرئية تبدو في ظاهرها حقيقية، بينما تكون مصطنعة أو معدلة.
هذه التكنولوجيا تمثل تحديًا كبيرًا أمام المستخدم العادي، لأنه قد يشاهد فيديو لمسؤول أو شخصية عامة ويعتقد أن التصريح حقيقي، بينما يكون المحتوى قد تعرض للتعديل أو الاقتطاع أو الفبركة.
كما تلجأ الحسابات الوهمية إلى التنكر في صورة صفحات إخبارية مستقلة أو حسابات لمواطنين عاديين، وهو ما يجعل اكتشاف مصدر الرسالة أكثر صعوبة، وتصبح المعركة هنا معركة ثقة، من هو صاحب الحساب؟ ومن يقف وراءه؟ ومن يمول المحتوى؟ وما الهدف من نشره؟
وتتجاوز الحرب الإلكترونية، حدود التشويه السياسي إلى استهداف الأشخاص أنفسهم، فقد تتعرض الشخصيات العامة والإعلاميون والمفكرون وحتى المواطنون الذين يعلنون مواقف مؤيدة للدولة لحملات سب وتشويه ممنهجة.
وهذا النوع من الحملات لا يستهدف الفرد وحده، وإنما يهدف إلى تخويف الآخرين من التعبير عن آرائهم، فإذا رأى المستخدم أن شخصًا تعرض لحملة إلكترونية واسعة بسبب موقف سياسي أو وطني، فقد يفضل الصمت حتى لا يصبح هو الهدف التالي.
ومن هنا تتحول اللجان الإلكترونية إلى أداة ضغط اجتماعي، لا مجرد أداة للدعاية، فهي تحاول خلق بيئة رقمية تجعل خطابًا واحدًا يبدو وكأنه الصوت الوحيد، بينما يتم إقصاء الأصوات الأخرى من خلال الهجوم والتشويه.
ومواجهة هذا النوع من الحملات لا تعني إغلاق المجال العام أو منع النقد، على العكس، النقد الحقيقي يظل ضروريًا لأي مجتمع، لكن الفارق واضح بين النقد القائم على معلومات وبين حملة منظمة تقوم على الحسابات الوهمية والفبركة والتحريض.
ويحتاج المستخدم قدر كبير من الوعي الرقمي، فلا يكفي أن يرى فيديو حتى يصدقه، ولا يكفي أن يجد هاشتاجًا متصدرًا حتى يعتقد أنه يعبر عن غالبية المجتمع، كما يجب التأكد من تاريخ الصور والفيديوهات ومصدرها والسياق الذي قيلت فيه التصريحات، فحرب الشائعات لا تقل أهمية عن المواجهة التقليدية، لأن الهدف النهائي هو العقل، وإذا تمكنت الشائعة من تغيير تصور المواطن للواقع، فإنها تكون قد حققت جزءًا من هدفها حتى لو كانت المعلومة كاذبة.
ولهذا فإن مواجهة الجماعة المحظورة في الفضاء الرقمي تطلب تعاونًا بين الإعلام المهني والمؤسسات المختصة والمواطن نفسه، فكل مستخدم يستطيع أن يكون جزءًا من المشكلة عندما يعيد نشر معلومة مجهولة المصدر، كما يستطيع أن يكون جزءًا من الحل عندما يتحقق قبل المشاركة، وهو ما يؤكد أن الوعى هو السلاح الأقوى في مواجهة الجماعة الإرهابية.