شهدت الأوساط السياسية والإعلامية خلال الأيام الماضية حالة واسعة من الجدل، عقب ظهور الباحث والعالم المصري الأكاديمي عصام حجي في مقطع مصور أثار موجة عارمة من الاستنكار. المقطع الذي أراد له صاحبه أن يبدو كمراجعة موضوعية لموقفه من أحداث 30 يونيو 2013 وما تلاها، تحول إلى ما يشبه محاولة لـ "غسيل سمعة" جماعة الإخوان الإرهابية وتبرئتهم من الإرهاب في موسم الشهادات المضروبة، عبر طرح وصفه الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة طارق أبو السعد بالسطحي والساذج، والمفتقر لأدنى قواعد المنهج العلمي والتوثيق المنطقي.

طارق أبو السعد
خطورة الشهادة وسياقها الزمني
وأوضح "أبو السعد" تكمن خطورة ما أدلى به "حجي" في كونه صادرًا عن شخصية أكاديمية وعلمية مرموقة لها وزنها في مجالات علوم الفضاء والجيولوجيا. ويُذكر أن عصام حجي من مواليد طرابلس بليبيا عام 1975، لوالد تشكيلي ووالدة مصرية، وتخرج في كلية العلوم بجامعة القاهرة عام 1997، قبل أن ينتقل إلى فرنسا لينال الماجستير والدكتوراه من جامعة باريس السادسة والسوربون، ثم اتجه إلى الولايات المتحدة ليعمل باحثًا في معهد القمر والكواكب بهيوستن، ولاحقًا مع مختبر الدفع النفاث (JPL) التابع لوكالة "ناسا".
وأضاف الباحث في شون الحركات الإرهابية؛ أنه في عام 2012، تم تقديمه للرأي العام المصري كعالم يدعم الرئيس المعزول محمد مرسي وجماعته. ومع تحول الشارع ضد حكم الإخوان، آثر الصمت وعاد لـ أمريكا، ليتم الاستعانة به عقب ثورة 30 يونيو وتولي المستشار عدلي منصور الرئاسة المؤقتة، حيث شغل منصب مستشار رئيس الجمهورية للشؤون العلمية بين عامي 2013 و2014. موضحًا أن هذه الخلفية الأكاديمية والموقع التنفيذي السابق هما ما دفعا اللجان الإلكترونية التابعة للجماعة لاستغلال مقطعه المصور واعتباره "شهادة براءة" تُثبت مظلوميتهم، رغم أن اعترافات قيادات عناصر الجماعة والوقائع المثبتة على مدار السنوات الماضية تؤكد بشكل قاطع حجم الخطر الذي شكلته هذه الجماعة على أمن الدولة والمجتمع.
قفزات تاريخية وفجوات غير مبررة
أشار طارق أبو السعد، إلى أن الشهادة التي قدمها عصام حجي تنطوي على تناقضات ساخت في القشور وتجاهلت جوهر الأزمة، موضحًا أن "حجي" بدأ حديثه بتقديم نفسه كأحد أبناء الجالية المصرية بالخارج الذين يزورون الوطن للترفيه والاستمتاع بالسواحل دون دراية بالسياسة، ثم قفز فجأة ليجد نفسه مستشارًا لرئيس الجمهورية.
وأضاف الباحث في شؤون الحركات الإرهابية طارق أبو السعد أن عصام حجي تعمّد التغاضي عن شرح الكيفية والملابسات التي وصل بها إلى أروقة الرئاسة، وكذا الأسباب التي دفعت السلطة الناشئة آنذاك لاستدعائه، أو الأسباب التي جعلته يقبل المنصب بالأساس. وأكد أبو السعد أن إخفاء هذه التفاصيل والفجوات العميقة يطعن في مصداقية الشهادة برمتها، ويضع صاحبها في دائرة التشكيك وعدم القناعة بكونه كان مجردًا أو بعيدًا عن الصراعات السياسية.
الاستدلال الساذج بسلاح "قالوا له"
وفي تفنيده لطبيعة الأدلة التي اعتمد عليها العالم المصري، قال الباحث طارق أبو السعد إن حجي حاول تبرئة الرئيس المعزول وجماعته من اتهامات الإعلام بأسلوب ينحدر إلى العاطفية والسطحية. حيث روى حجي أنه أثناء عمله في الرئاسة جاع ولم يجد طعامًا، وعندما تساءل مستنكرًا عن البط والإوز الذي كان يأكله مرسي، "قالوا له" إن الإخوان كانوا يأتون بأكلهم من منازلهم، وعندما تأخر ليلاً وطلب سيارة تقله "قالوا له" إن زمن العمل ليل نهار انتهى بذهاب الإخوان.
وأوضح أبو السعد أن "حجي" بني نتائجه الخطيرة التي زعم فيها أن الشعب المصري تعرض لخديعة إعلامية كبرى بناءً على مقولة شفهية من مجهولين تتلخص في عبارتهم "قالوا له". وتساءل أبو السعد مستنكرًا: كيف لرجل علم يدعو لترسيخ المنهج العلمي في الفكر والتفكير أن يسقط في حومة الاستدلال بعبارات مرسلة وشائعات عاطفية لا تمت للمنهجية بصلة؟ أليس القفز إلى نتائج كبرى بناءً على انطباعات فردية عابرة هو الجهل بعينه الذي يفترض بالعلم أن يحاربه؟.
تجاهل سجل الجرائم الشامل
وشدد الباحث طارق أبو السعد على أن البحث والتقييم المنطقي لمرحلة الإخوان يتطلبان حصر وتفنيد القضايا والتهم الثابتة قانونًا وواقعًا، لا الاقتصار على حكايات الطعام والشراب. وذكر أبو السعد بأن السجل الجرمي للجماعة مثبت بالوثائق والاعترافات التفصيلية للمنتمين إليها، والتي لا يمكن لطمسها أو التغاضي عنها أن يمحو أثرها، ومنها:
الاعتداء على مؤسسات الدولة:
محاولة اقتحام مبنى الحرس الجمهوري لتسليق السور وإخراج مرسي فرضًا لسلطة مزدوجة وتدويل القضية.
الخطاب التكفيري والتسليح:
الخطاب التحريضي من أعلى منصة الاعتصام، واعتراف عناصرهم وعلى رأسهم أحمد المغير بتسليح معسكري رابعة والنهضة.
استهداف البنية التحتية والمواطنين:
حرق دواوين المحافظات ومراكز الشرطة، وحرق عشرات الكنائس وتفجيرها بمن فيها، وتفجير محولات الكهرباء لإشاعة الفوضى.
الاغتيالات والتحريض:
اغتيال النائب العام الأسبق ومحاولات اغتيال قيادات شرطية وعسكرية ومسؤولين، وإطلاق قنوات تبث سموم التحريض على القتل.
المساس بالسيادة الوطنية:
تصريحات قياداتهم التي تهين الدولة "طظ في مصر"، ودعوات قيادات وسيطة كـ محمد الهامي لاحتلال سيناء لتفكيك مؤسسات الدولة وإعادتها على مقاس التنظيم.
واختتم الباحث في شؤون الحركات الإرهابية طارق أبو السعد حديثه بالتحذير من خطورة مثل هذه الشهادات غير المحسوبة، مشيرًا إلى أن التاريخ والوقائع المثبتة بحمام الدم والمخططات التفجيرية لا يمكن اختزالها أو تبرئتها لمجرد أن رئيسًا سابقًا "لم يأكل بطًا وإوزًا" وفقًا لما "قالوه" لعالمٍ اختار أن ينسى قواعد المنهج العلمي عند الحديث عن أمن بلاده.