كشفت التقارير الصحية الأوروبية عن حصيلة مأساوية لموجات الحر التي ضربت القارة العجوز خلال صيف 2026، حيث تجاوز عدد الوفيات الإضافية المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة حاجز الـ25 ألف حالة وفاة، في رقم صادم يعكس حجم التحديات المناخية التي تواجهها أوروبا.
وجاءت ألمانيا وفرنسا في مقدمة الدول الأكثر تضررًا، مع تسجيل أرقام قياسية في معدلات الوفيات الإضافية، خاصة بين كبار السن وفئات المجتمع الأكثر هشاشة، وفقا لصحيفة 20 مينوتوس الإسبانية.
وأفادت شبكة الرصد الأوروبية EuroMOMO ومنظمة الصحة العالمية بأن أكثر من 80% من الضحايا هم من الأشخاص الذين تجاوزوا 75 عامًا، وأن غالبية الوفيات لم تكن ناجمة بشكل مباشر عن ضربات الشمس، بل عن تفاقم أمراض القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي نتيجة إجهاد الجسم في محاولاته المستميتة لتنظيم درجة حرارته الداخلية، في ظل موجات حر متتالية تجاوزت فيها درجات الحرارة 40 درجة مئوية في العديد من المناطق الأوروبية.
وبحسب البيانات الرسمية، تصدرت ألمانيا قائمة الدول الأكثر تضررًا بـ14 ألف وفاة إضافية حتى 9 أغسطس، تركزت معظمها خلال الأسبوع الأخير من يونيو وحده الذي شهد أكثر من 9,600 حالة وفاة. وجاءت فرنسا في المرتبة الثانية بـ7,300 وفاة إضافية منذ مايو الماضي، تليها إسبانيا بـ4,458 وفاة بين 1 يونيو و19 أغسطس، ثم المملكة المتحدة بـ2,877 وفاة في إنجلترا وويلز، وإيطاليا بـ2,700 وفاة، وبلجيكا بألفي وفاة، وهولندا بـ1,323 وفاة، وبولندا بـ1,070 وفاة، بينما سجلت سويسرا 220 وفاة، ولوكسمبورج 23 وفاة.
وأشارت التقارير إلى أن موجات الحر لم تقتصر على دول الجنوب الأوروبي المعتادة على درجات الحرارة المرتفعة، بل امتدت إلى دول ذات مناخ معتدل مثل بلجيكا وهولندا وبولندا، حيث تجاوزت الحرارة 35 و40 درجة مئوية، مما عرّض نحو 80 مليون مواطن لمخاطر صحية غير مسبوقة، في وقت لم تكن فيه البنية التحتية لهذه الدول مهيأة لموجات الحر الشديدة، خاصة فيما يتعلق بتكييف الهواء في المنازل والمستشفيات ودور المسنين.
وفي سياق متصل، أكد خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ أن شهري يونيو ويوليو 2026 كانا الأكثر حرارة على الإطلاق في غرب أوروبا، حيث سجلت ألمانيا درجات حرارة تجاوزت 41 درجة مئوية في الأسبوع الأخير من يونيو، مما تسبب في أعطال في أنظمة التبريد في المستشفيات ودور الرعاية. كما أعلنت هيئة الأرصاد الإسبانية أن يوليو 2026 كان الشهر الأكثر حرارة وجفافًا في البلاد منذ بدء التسجيلات في عام 1961.
ولم تقتصر تداعيات الحر على الصحة العامة فحسب، بل طالت قطاع الطاقة أيضًا، حيث اضطرت محطات الطاقة النووية في فرنسا ومحطة باكس في هنغاريا إلى تعليق عملياتها مؤقتًا بسبب انخفاض منسوب مياه نهر الدانوب المستخدمة في التبريد، مما أثار مخاوف إضافية بشأن أمن الطاقة في القارة. كما تسببت درجات الحرارة القياسية في حرائق غابات واسعة في عدة دول، وزادت من حدة الجفاف الذي ضرب المحاصيل الزراعية، مما ينذر بأزمة غذائية محتملة في الأشهر المقبلة.
ويؤكد العلماء أن تغير المناخ يلعب دورًا محوريًا في زيادة وتيرة وشدة موجات الحر، محذرين من أن ما حدث في صيف 2026 قد يكون مجرد بداية لمواسم أكثر تطرفًا في المستقبل، إذا لم تتخذ الحكومات الأوروبية خطوات جادة للحد من الانبعاثات الكربونية، وتعزيز استراتيجيات التكيف مع المناخ المتغير، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر، وتوفير ملاجئ باردة للفئات الأكثر تضررًا، والاستثمار في بنية تحتية قادرة على تحمل درجات الحرارة القصوى التي باتت واقعًا لا مفر منه.