في أحد أركان مدرسة اليرموك، تعيش قصة إنسانية تختصر الكثير من الألم، لكنها تحمل في الوقت نفسه معنى نادرا للرحمة، هناك يعيش الشابان حماد عرفات ومعتصم عرفات، وهما يواجهان منذ سنوات مرض "العظم الزجاجي"، الذي جعل أجسادهما شديدة الهشاشة، وحول تفاصيل الحياة اليومية إلى معاناة تحتاج إلى رعاية مستمرة وصبر لا ينقطع.
جسد يشبه أجساد أطفال
حماد ومعتصم شابان بأجساد تبدو كأنها أجساد أطفال، يحتاجان إلى رعاية خاصة ومتابعة دائمة، ويعيشان اليوم داخل مدرسة اليرموك في ظروف قهرية ومأساوية للغاية، بعدما فرضت عليهم الظروف واقعا لا يشبه الحياة التي كانا يستحقانها.
حماد ومعتصم عرفات
شهامة أم أحمد عرفات
وسط هذا الألم، تظهر في قصتهما شخصية تحمل جانبا مختلفا تماما من الحكاية، إنها أم أحمد عرفات، زوجة والدهما، التي أصبحت بالنسبة إليهما أما بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لم تتركهما أمام مرضهما وظروفهما الصعبة، بل اختارت أن تكون إلى جوارهما، ترعاهما وتعتني بهما بكل رحمة ورأفة، وتتعامل مع احتياجاتهما اليومية كما لو كانا ابنيها اللذين أنجبتهما.
أم أحمد نفسها تحمل وجعا كبيرا، فقدت ثلاثة من أبنائها، ومع ذلك لم تمنعها أحزانها من مواصلة رعاية حماد ومعتصم، وكأنها، رغم كل ما فقدته، اختارت أن تمنح من بقي لها من طاقة وحب لهذين الشابين اللذين أصبحت حياتهما معلقة بمن يمد لهما يد العون.
تقول أم أحمد إن رعايتها لهما ليست عبئا، وإنما تعتبرها "هدية من الله"، حيث ترى أن الرحمة التي تجدها في قلبها تجاههما هي نعمة تستحق الشكر، مؤكدة أن الله يرسل رحماته على قدر الحب الذي يحمله الإنسان في قلبه، ولذلك لا تتعامل مع خدمتهما باعتبارها واجبا ثقيلا، بل باعتبارها رسالة إنسانية ومسؤولية اختارت أن تحملها بكل رضا.
وبينما تتحدث أم أحمد عن حبها لهما، تكشف حالتهما عن احتياجات يومية تفوق قدرة الأسرة على توفيرها، فالشابان في حالة صحية ومعيشية صعبة للغاية، ويحتاجان إلى مستلزمات أساسية للعناية بهما، من بينها الحفاضات "البامبرز"، التي أصبحت من الاحتياجات الضرورية التي لا يمكن الاستغناء عنها.
شهامة أم أحمد لا تتوقف عند تقديم الرعاية، بل تتجسد في حضورها الدائم إلى جوارهما، وفي حرصها على ألا يشعر الشابان بأنهما وحدهما في مواجهة مرضهما وظروفهما القاسية، ورغم فقدانها ثلاثة من أبنائها، لم تغلق أبواب قلبها، بل واصلت منح حماد ومعتصم الحنان والرعاية، وكأنها تقول بأفعالها إن الأمومة ليست دائما رابطة دم، وإنما قد تكون رحمة واحتواء وتضحية.
ظروف قاسية
في مدرسة اليرموك، لا يعيش حماد ومعتصم فقط مع مرضهما، بل يعيشان أيضا مع ظروف قاسية تجعل أبسط متطلبات الحياة تحديا يوميا، ومع ذلك، تبقى أم أحمد بجوارهما، تحاول أن تمنحهما ما تستطيع من رعاية وحنان، وأن تعوضهما عن قسوة الظروف بحضور يشبه حضور الأم.
قصة حماد ومعتصم ليست فقط قصة مرض، بل قصة إنسانية عن شابين يحتاجان إلى من يمد لهما يد العون، وعن امرأة فقدت ثلاثة من أبنائها، لكنها لم تفقد قدرتها على الحب والعطاء، وبين الألم والاحتياج، تبقى أم أحمد شاهدة على أن الأمومة قد تكون موقفا ورحمة ورعاية، لا مجرد رابطة من الدم.