لسنوات، تعامل عدد من قيادات وأبواق جماعة الإخوان الإرهابية الهاربين خارج مصر مع المنفى باعتباره منطقة آمنة تتيح لهم مواصلة نشاطهم السياسي والإعلامي بعيدا عن تبعات ما ارتبط بأسمائهم من قضايا وأحكام. لكن تغير المشهد الإقليمي والدولي، خاصة مع الملاحقات الدولية لعناصر الجماعة الإرهابية، أعاد رسم هذه المعادلة، بعدما أصبحت الحسابات السياسية أكثر تعقيدا، وأصبح بقاء أي عنصر مرتبطا بمدى قيمته بالنسبة للجهات التي تستضيفه، وليس بمجرد الشعارات أو التحالفات القديمة.
ويبرز اسم الإرهابي الهارب محمد ناصر، أحد أبرز أبواق الجماعة الهاربين، باعتباره نموذجا لهذه المعادلة، في ظل وجود أحكام قضائية غيابية صادرة بحقه وتعدد الملفات المرتبطة بنشاطه الإعلامي، بالتزامن مع تغيرات متلاحقة في المنطقة يمكن أن تعيد ترتيب حسابات التعامل مع العناصر الهاربة.
سنوات من الهروب
لم يعد الابتعاد عن الأراضي المصرية يعني انتهاء الأزمة بالنسبة للهاربين، فالأحكام والملفات القضائية تظل قائمة، وتتحول مع مرور الوقت إلى عبء قانوني يمكن أن يزداد تأثيره كلما تبدلت الظروف السياسية.
فقد صدر بحق محمد ناصر حكم غيابي بالحبس عامين في عام 2016، أعقبه حكم غيابي بالسجن 10 سنوات عام 2017، ثم صدر بحقه في عام 2025 حكم غيابي بالسجن المؤبد في القضية رقم 339 لسنة 2025، إلى جانب بلاغات ودعاوى أخرى ارتبطت بما يقدمه عبر منصاته الإعلامية.
وتكشف هذه الوقائع أن وجود الشخص خارج البلاد لا يعني اختفاء الملفات التي تلاحقه، وإنما قد تتحول الإقامة في الخارج إلى مجرد تأجيل لمواجهة تبعاتها، خصوصا مع تغير الظروف السياسية التي كانت توفر للهاربين مساحة أوسع للحركة.
من ورقة إعلامية إلى عبء سياسي
اعتمدت جماعة الإخوان الإرهابية خلال السنوات الماضية على عدد من الوجوه الإعلامية في الخارج لتقديم خطابها، والهجوم على الدولة المصرية، وإعادة إنتاج روايتها أمام الجمهور، لكن قيمة هذه الوجوه تظل مرتبطة بقدرتها على تحقيق التأثير المطلوب.
ومع إعادة ترتيب المشهد الإعلامي للجماعة الإرهابية وظهور منصات وأسماء جديدة، تصبح الوجوه القديمة أمام اختبار صعب للحفاظ على حضورها، خصوصا إذا تزامن ذلك مع تراجع التأثير الجماهيري وتراكم الملفات القضائية.
وفي هذه الحالة، يتحول الهارب من ورقة تستخدمها الجماعة إلى عبء محتمل، خاصة عندما يصبح وجوده مرتبطا بملفات قانونية وأحكام قضائية يمكن أن تفرض نفسها على أي حسابات سياسية جديدة.
تصعيد الخطاب.. محاولة للحفاظ على الحضور
وفي مواجهة هذه التحولات، اتسم خطاب محمد ناصر خلال فترات مختلفة بالتصعيد والانفعال والهجوم الحاد، مع التركيز على إثارة الأزمات واستدعاء خطاب المؤامرة، وهي أدوات تساعد على جذب الانتباه والحفاظ على مساحة الظهور الإعلامي.
لكن التصعيد المستمر لا يعني بالضرورة امتلاك التأثير نفسه الذي كان متاحا في سنوات سابقة، إذ أصبح الجمهور أكثر تعرضا لمصادر متعددة للمعلومات، بينما تواجه المنصات التابعة للجماعة تحديات متزايدة في الحفاظ على قدرتها على التأثير والاستقطاب.
ومن هنا يصبح الحفاظ على الحضور الإعلامي بالنسبة لهذه الوجوه معركة في حد ذاتها، خاصة مع صعود أسماء جديدة ومحاولات إعادة تشكيل أدوات الخطاب الموجه من الخارج.
الحسابات تتغير.. والحماية ليست شيكا على بياض
التجارب السياسية خلال السنوات الماضية أثبتت أن التحالفات ليست ثابتة، وأن ما يبدو في لحظة ما حماية دائمة يمكن أن يتغير عندما تتغير المصالح والأولويات.
فالدول تعيد حساباتها وفقا لمصالحها السياسية والأمنية، وما كان مقبولا في مرحلة معينة قد يصبح غير ذي جدوى في مرحلة أخرى، خاصة مع تراجع القيمة السياسية لبعض العناصر أو تحولها إلى مصدر للمشكلات.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية التي تواجه الهاربين؛ فوجودهم في الخارج لا يمنحهم حصانة مطلقة، كما أن استمرار استضافتهم لا يمثل ضمانا دائما لبقاء الظروف التي سمحت لهم بمواصلة نشاطهم.