«لم ننجُ إلا بملابسنا».. فلسطينيون ينبشون الركام بحثا عن أعمارهم الضائعة بعد الحرب.. صورة زفاف ورسالة ماجستير وكنبة تحمل رائحة الأخ.. وعملات ورقية وقطعة صوف ولوحات فنية أصبحت آخر ما تبقى من ذاكرة البيوت في غزة

الأحد، 02 أغسطس 2026 11:00 م
 «لم ننجُ إلا بملابسنا».. فلسطينيون ينبشون الركام بحثا عن أعمارهم الضائعة بعد الحرب.. صورة زفاف ورسالة ماجستير وكنبة تحمل رائحة الأخ.. وعملات ورقية وقطعة صوف ولوحات فنية أصبحت آخر ما تبقى من ذاكرة البيوت في غزة غزة

كتب رامى محيى الدين – أحمد عرفة

فاطمة أبو نادي: لم أجد سوى عملة تذكار كتبت عليها " القدس هي عاصمة فلسطين"
أحمد عزام: "كنت أحرق عفش البيت عشان أطبخ.. وده كان أكتر حاجة وجعتني"
الفنانة إيمان جمال: "كل شىء يُعوض إلا الأمان و القصف لم يترك زاوية في البيت إلا وأثر فيها"
سارة بهار: أتذكر كنبة شقيقي الشهيد محمد وملابس والدي حملت ذكراه
محمود العوضية: "بنيت بيتى مرتين والحرب هدمته ولم أستطع أخذ سوى الهواتف والهويات وبعض الأوراق"
ميساء يوسف: "لم أفقد منزلا.. فقدت قطعة من روحى واستطعت إنقاذ أجزاء من "أليس في فلسطين"

 

لم تكن العودة إلى البيت في غزة عودة إلى الأمان، بل إلى فراغ واسع، أمام ما تبقى من جدران متهاوية، يقف أصحاب البيوت محاولين التعرف على أماكن كانت يوما مليئة بالضحكات والدفء، في القطاع لم يعد السؤال: متى نرجع البيت؟ بل أصبح: ماذا تبقى من البيت؟

في ظل الدمار الواسع الذي طال أحياء كاملة في غزة جراء الحرب المستمرة على القطاع، يحاول آلاف السكان العودة إلى بقايا منازلهم بحثا عن أي أثر لحياة سابقة، وسط أوضاع إنسانية معقدة وتدهور في الخدمات الأساسية داخل غزة، وتواصل الغارات الإسرائيلية على مناطق متفرقة من القطاع.

 

أحمد عزام فقد بيته وعائلته

في القطاع، لم تعد العودة إلى البيوت المدمرة مجرد رحلة بحث عن جدران أو سقف، بل أصبحت محاولة مؤلمة للبحث عن الذاكرة نفسها وسط الركام، يقف أصحاب البيوت المهدمة أمام ما تبقى من منازلهم، يحاولون التعرف على أماكن كانت يوما مليئة بالضحكات والدفء.

منزل أحمد عزام قبل القصف
منزل أحمد عزام قبل القصف

 

يقول المواطن الغزي أحمد عزام، الذي فقد منزله وعائلته خلال الحرب، إن الخروج من البيت كان لحظة قاسية لم تترك له سوى ما كان يرتديه من ملابس شخصية: "للأسف ما استطعنا نخرج من بيوتنا غير بملابسنا الشخصية، فقدنا كل شيء جميل من ذكريات داخل المنزل أثناء فترة عيشنا فيه".

ويضيف عزام، الذي كان متزوجا قبل الحرب بسنتين، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن منزله في غرب غزة، تل الهوا، شارع الدحدوح قرب محطة إيتا لتحلية المياه، دُمر بالكامل، ولم يبق منه سوى الركام، واصفا لحظة ما بعد القصف بأنها الأكثر قسوة في حياته، إذ فقد كل ما يملكه من ذكريات وأثاث وأوراق رسمية ومقتنيات شخصية: "ذهب وأموال والشهادات والأوراق الرسمية كلها راحت، ما وجدنا منها حاجة للأسف".

منزل أحمد عزام بعد الهدم
منزل أحمد عزام بعد الهدم

 

لم تتوقف معاناة الرجل عند فقدان المنزل، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل مراكز الإيواء وما تبعها من ظروف صعبة، حيث يشير إلى أنه اضطر لاستخدام أخشاب الأثاث المحطم في إشعال النار للطهي في ظل انعدام غاز الطهي، قائلاً: "أكثر شيء كان يوجعني إني كنت أحرق عفش وأثاث البيت الذي كلفنا دم قلبنا عشان النار".

ويستعيد عزام لحظة الخروج من المنزل بوصفها لحظة انكسار كامل: "باختصار شديد خرجنا من المنزل بالملابس الشخصية التي كنا نرتديها فقط"، هذه جملة تلخص حجم الفقد الذي يعيشه آلاف الفلسطينيين في غزة، حيث لم يعد المنزل مجرد مكان للسكن، بل ذاكرة كاملة تحولت إلى ركام.

في أحياء غزة المدمرة، تتشابه الحكايات وتختلف التفاصيل، لكن القاسم المشترك بينها جميعا هو الفقدان العميق للبيت وما يحمله من حياة سابقة، وبينما يحاول السكان العودة لتفقد ما تبقى من منازلهم، يبقى الركام شاهدا صامتا على سنوات من الذكريات التي تبددت في لحظة.

خسائر 733 يوما من الحرب على غزة
خسائر 733 يوما من الحرب على غزة

 

ورغم حجم الدمار، يتمسك كثير من الأهالي بزيارة أماكن بيوتهم السابقة، في محاولة لاستعادة شيء من الماضي أو التحقق من وجود أي بقايا يمكن إنقاذها، لكن في معظم الحالات، لا يجدون سوى حجارة متناثرة وذكريات معلقة بين ما كان وما انتهى، وهكذا تتحول غزة إلى مساحة مفتوحة من الحكايات الإنسانية الثقيلة، حيث يصبح البيت أكثر من بناء، والركام أكثر من أنقاض، بل سجلا لذاكرة جماعية تحاول الصمود رغم الألم، ورغم كل ما فقدته.

جرائم الاحتلال في غزة
جرائم الاحتلال في غزة

 

تدمير هائل

ووفقا فلإحصائيات التي نشرها المكتب الإعلامي الحكومى بغزة في 2 يوليو، فإن هناك 227703 مبانى متضررة بالقطاع بسبب الحرب،  و510 ألف وحدة سكنية مدمرة، بينهم 335 ألف مبنى ووحدة سكنية تدمرت بشكل كامل، و75 ألف مدمرة بشكل جزئي وغير صالحة للسكن، و410 غير صالح للسكن نهائيا، وأكثر من 100 ألف وحدة دمرها الاحتلال لكن صالحة للسكن.


كما كشفت الإحصائيات، أن هناك 350 ألف أسرة فلسطينية تحتاج إلى إيواء، وأكثر من 132 ألف خيمة اهترأت كليا وغير صالحة للإقامة من أصل 135 ألف خيمة، و2 مليون إنسان مدني تعرض للنزوح بسبب سياسة التهجير القسري، و346 مراكز للإيواء والنزوح القسري استهدفتها إسرائيل بالقصف.

حجم الدمار في بلديات غزة بسبب الحرب.. وحدة القياس نسبة مئوية
حجم الدمار في بلديات غزة بسبب الحرب.. وحدة القياس نسبة مئوية

 

فقدت رسالة ماجستير واحتفظت بعملة ورقية

في غزة، لم تعد العودة إلى البيوت المدمرة مجرد رحلة بحث عن الجدران التي سقطت، بل أصبحت رحلة موجعة نحو الذاكرة نفسها، حيث يقف الناس أمام الركام محاولين استعادة ملامح حياة كانت يوما مليئة بالتفاصيل الصغيرة والدفء الإنساني، هنا تروي الإعلامية الفلسطينية فاطمة أبو نادي، التي فقدت منزل أسرتها خلال الحرب، تفاصيل تجربتها مع الفقد والعودة إلى المكان بعد الدمار، قائلة إن منزل العائلة تضرر بشكل كبير خلال الحرب، ولم يبق منه ما يمكن إنقاذه أو استعادته.

وتضيف في تصريحات لـ"اليوم السابع"، أن لحظة العودة إلى المنزل كانت صادمة، إذ لم تجد سوى آثار الدمار والعبث، مؤكدة: "لم نستطع إنقاذ أي شئ، جميع المقتنيات سرقت، حتى رسالة الماجستير وكتبي وجدهم مسروقين".

وتشير إلى أن فقدان المقتنيات لم يكن مجرد خسارة مادية، بل فقدان لسنوات من الجهد والدراسة والذكريات الشخصية التي كانت تمثل جزءا أساسيا من حياتها العلمية والإنسانية، موضحة أن العودة إلى المكان لم تكن عودة إلى بيت بالمعنى المعروف، بل إلى مساحة مدمرة تحمل آثار ما كان يوما حياة كاملة، وأصعب ما في التجربة هو الوقوف أمام مكان يحمل الذكريات دون القدرة على التعرف عليه أو استعادة أي جزء منه.

لم تترك الحرب في قطاع غزة للفلسطينيين سوى القليل من مقتنياتهم الشخصية، بعدما تحولت آلاف المنازل إلى ركام، وضاعت بين الأنقاض صور العائلة، والكتب، والوثائق، والهدايا، وكل ما كان يحمل تفاصيل الحياة اليومية، وبينما فقد كثيرون كل ما يملكون، بقيت بعض المقتنيات الصغيرة شاهدة على ذاكرة أصحابها، لتتحول إلى رموز إنسانية تختزن قصصا تتجاوز قيمتها المادية.

كانت فاطمة أبو نادي واحدة ممن عادوا للبحث بين ما تبقى من منزلهم، في محاولة لاستعادة ما يمكن إنقاذه من الذكريات، وبين أكوام الأوراق والملفات، وجدت شيئا لم تكن تتوقع أن يبقى بعد كل ما جرى، وهو عملة ورقية كانت قد احتفظت بها منذ سنوات دراستها في الهند، لتعيد إليها لحظة من حياتها ارتبطت بالدفاع عن القضية الفلسطينية خارج وطنها.

وتقول إنها كانت تراجع أوراقها وملفاتها بعد الحرب، وتحاول معرفة ما بقي وما فقدته، قبل أن تعثر على تلك العملة القديمة، مضيفة: "وجدت هذه العملة ما زالت محفوظة بين أوراقي، فعادت بي الذاكرة إلى أيام مشاركتي في فعاليات مسيرات العودة، عندما كنت أدرس في جامعة آسام بولاية آسام الهندية".

وتوضح أنها خلال وجودها في الهند كانت تسعى إلى إيصال صوت الفلسطينيين والتعريف بقضيتهم، فكتبت على العملة باللغة الإنجليزية عبارة : "Jerusalem is the capital of Palestine"، أي "القدس هي عاصمة فلسطين"، على أمل أن تنتقل الرسالة إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص.

وتتابع: "كنت أتمنى أن تتداول هذه العملة بين الناس ليقرأوا الرسالة، لكن المفاجأة أن الباعة الهنود رفضوا التعامل بها، وحتى البنك رفض قبولها بسبب الكتابة عليها، فعادت إلي وبقيت بحوزتي منذ ذلك الوقت."

وتشير إلى أن أكثر ما أثار دهشتها ليس العثور على العملة نفسها، بل بقاؤها سليمة رغم فقدانها عددا كبيرا من مقتنياتها الشخصية خلال الحرب، قائلة إن العثور عليها وسط كل هذا الدمار بدا بالنسبة إليها مفارقة يصعب تفسيرها.

وتضيف: "تفاجأت بأنها ما زالت موجودة رغم أنني فقدت الكثير من أشيائي الخاصة، هناك كتب تتحدث عن الثقافة الهندية وتصف بعض مقتنياتها بأنها تحمل طاقة خاصة تجعلها تبقى رغم الظروف، وشعرت بشيء يشبه ذلك عندما وجدتها ما زالت في مكانها."

ولم تكن العملة التذكار الوحيد الذي نجا من آثار الحرب، إذ تؤكد فاطمة أبو نادي أنها عثرت أيضا على قطعة صوف محاكة يدويا كانت قد أهدتها إليها إحدى زميلاتها خلال فترة دراستها في الهند، بينما اختفت مقتنيات أخرى كانت أكثر ارتباطا بحياتها الشخصية وذكرياتها داخل غزة وخارجها.

وتؤكد أن ما عاشته يعكس تجربة كثير من الفلسطينيين الذين عادوا إلى منازلهم المدمرة ليجدوا أن بعض المقتنيات البسيطة صمدت بصورة غير متوقعة، بينما اختفت أشياء كانت بالنسبة إليهم تمثل تاريخًا شخصيًا وعائليًا لا يمكن تعويضه.

وتوضح أن قيمة هذه المقتنيات لا تكمن في مادتها، بل فيما تحمله من ذكريات ورسائل وإنسانية، معتبرة أن كل غرض نجا من تحت الركام أصبح شاهدا على حياة كانت هنا، وعلى ذاكرة يصر أصحابها على الاحتفاظ بها رغم الدمار الذي خلفته الحرب.

مباني غير صالحة للسكن

وأعلنت المديرية العامة للدفاع المدني في غزة، خلال بيان في 16 ديسمبر الماضي، أنها سجلت بالتعاون مع "لجنة التقييم الإنشائي للمباني الخطرة الآيلة للسقوط" مئات المنازل التي تنطبق عليها "مباني خطرة غير صالحة للسكن"، بعد تعرضها للاستهداف والقصف الإسرائيلي خلال الحرب.

 

وأضافت أن لجنة تقييم المباني الخطرة المشكلة من "وزارة الأشغال العامة والبلديات وجهاز الدفاع المدني ونقابة المهندسين عقدت اجتماعات مهنية وأجرت جولات معاينة ميدانية على المباني الخطرة في مناطق عديدة بمحافظات غزة.

دمار كامل في غزة بسبب الحرب
دمار كامل في غزة بسبب الحرب

 

وأشارت إلى أن بعض المدراء من الدفاع المدني في محافظات القطاع شاركوا في اجتماعات مكثفة مع اللجان المكلفة برئاسة وزارة الأشغال، وتم رصد مباني خطرة غير صالحة للسكن وجرى إبلاغ ساكنيها بالإخلاء تمهيدا لإزالتها أو ترميمها.

واقع مؤلم لسكان غزة بسبب الحرب
واقع مؤلم لسكان غزة بسبب الحرب

 

وأوضحت أن اللجنة ومن باب المسؤولية المجتمعية إزاء سلامة أبناء الشعب الفلسطيني عاكفة على إزالة المباني الخطرة لاسيما أن خطرها يزيد مع فصل الشتاء.، داعية المواطنين القاطنين في مباني خطرة إلى التعاون، لإتاحة معالجتها سواء بإعادة ترميمها وتدعيمها أو بإزالتها حفاظا على حياتهم.

كنبة شقيقها محمد.. أكثر ما تفقده سارة في منزلها المدمر

لا ينتهي الدمار داخل القطاع عند لحظة القصف، بل يبدأ بعده سؤال أصعب بكثير: كيف يعود الإنسان إلى مكان لم يعد موجودا؟ بين الأزقة التي غطاها الركام، يقف الناس أمام بقايا بيوتهم، يبحثون في الحجارة عن أثر حياة كانت يوما طبيعية، وعن تفاصيل صغيرة تختصر عمرا كاملا من الذكريات.

وتروي المواطنة الفلسطينية من حي الشجاعية سارة بهار تفاصيل تجربتها مع فقدان منزلها، قائلة إن ما تعيشه هو "ذكريات ووجع تحاول التعامل معه لكنها لا تستطيع" ، مضيفة أن فقدان البيت لم يكن مجرد فقدان لمكان للسكن، بل كان فقدانا لجزء من العمر والذكريات التي لا يمكن تعويضها.

 

وتتابع بهار أن أسرتها لم تتمكن من إنقاذ أي شيء من المنزل عند النزوح، إذ خرجوا على عجل وسط حالة كبيرة من الهلع، قبل أن يتم قصف المنزل لاحقا بينما كانوا بعيدين عنه، لافتة إلى أن منزلهم يقع ضمن ما يسمى بـ"الخط الأصفر"، ما جعل الوصول إليه مستحيلا بسبب خطورة الوضع الميداني.

جرائم الاحتلال خلال عامين من الحرب على غزة
جرائم الاحتلال خلال عامين من الحرب على غزة

 

وتقول إن أصعب ما في التجربة لم يكن فقدان الأثاث أو الممتلكات، بل فقدان الأشياء التي كانت تحمل قيمة معنوية وذكريات مرتبطة بالأحبة: "أصعب ما فقدناه لم يكن الأثاث أو الأشياء المادية، بل ما كان يحمل ذكرياتنا".

فنجان أنقذته سارة بهار قبل تدمير منزل أسرتها
فنجان أنقذته سارة بهار قبل تدمير منزل أسرتها

 

وتستذكر سارة تفاصيل شخصية ما زالت حاضرة في ذاكرتها رغم الدمار، منها الكنبة الخاصة بشقيقها محمد – المريض بمتلازمة داون وقتله جنود الاحتلال خلال الحرب- التي كانت تحمل أثره وذكراه، وكذلك ملابس والدها التي احتفظت بها العائلة طويلا لأنها كانت تحمل رائحته وتفاصيل حضوره، مؤكدة أن هذه الأشياء كانت بالنسبة لهم أكثر من مجرد مقتنيات، بل كانت جزءا من الحياة اليومية والارتباط العاطفي العميق.

كتب سارة بهار أنقذتها قبل تدمير منزل أسرتها
كتب سارة بهار أنقذتها قبل تدمير منزل أسرتها

 

وتضيف أن فقدان المنزل كان فقدانا شاملا لكل ما جمعهم بمن يحبون، ولكل ما شكل تاريخهم العائلي، مشيرة إلى أن هناك أشياء كثيرة لا يمكن تعويضها مهما مر الزمن لأن قيمتها كانت في الذكريات والمشاعر لا في ثمنها.

صورة صلاح بهار والد سارة بهار في منزل الأسرة قبل تدميره
صورة صلاح بهار والد سارة بهار في منزل الأسرة قبل تدميره

 

إبادة بطيئة

ويقول بالاكريشنان راجاجوبال المقرر الأممي المعني بالحق في السكن، إن الوضع كارثي في غزة وإسرائيل لم تلتزم باتفاق وقف إطلاق النار، موضحا أن العالم يقف صامتا تجاه رفض تل أبيب لإدخال المساعدات إلى القطاع، وما يحدث إبادة بطيئة ومعاناة لم نشهد مثيلا لها من قبل في أي نزاع.

اللوحات أبرز من أنقذته الفنانة إيمان جمال
 

لا تقتصر آثار الحرب على الدمار المادي الذي يطال المنازل والمباني، بل تمتد لتطال الإنسان في إحساسه بالأمان واستقراره النفسي، حيث يصبح البقاء على قيد الحياة هو الأولوية الأولى في لحظات القصف والتهديد، بينما تتراجع كل التفاصيل الأخرى أمام مشهد الخطر المباشر.

في هذا السياق تقول الفنانة الفلسطينية إيمان جمال إنها في لحظات التهديد والقصف لم تكن تفكر في أي شيء مادي، موضحة: " وقت التهديد والقصف لا نفكر إلا في أنفسنا وحياتنا، ولا نفكر بأي شيء مادي آخر، الروح هي الأهم، وكل شيء يُعوض".

وتضيف أن منزل عائلتها الذي يتواجد، في مدينة غزة، لم يُدمر بالكامل، إلا أنه تضرر بشكل كبير نتيجة القصف الذي استهدف المنزل المجاور مرتين، ما أدى إلى أضرار واسعة في البيت رغم بقائه قائما، مشيرة إلى أن القصف القريب جعل كل لحظة داخل المنزل محفوفة بالخوف والترقب، حتى في ظل عدم تدميره كليا، وأكثر ما حاولت إنقاذه كانت لوحاتها.

وتوضح أنها لم تتمكن من إخراج أي مقتنيات مادية أثناء لحظات القصف، لأن الموقف كان مفاجئا وشديد الرعب، مؤكدة أن الأولوية في تلك اللحظة كانت للنجاة فقط دون التفكير في أي ممتلكات.

وتقول إيمان جمال إن البيت هو الأمان والذكريات، وعندما يتضرر يشعر الإنسان وكأنه يقف وسط الركام، لافتة إلى أن أكثر ما فقدته فعليا لم يكن أشياء مادية، بل الإحساس بالأمان والهدوء والاستقرار النفسي.

وتضيف أن القصف المستمر يسرق من الإنسان قدرته على النوم ويُفقده الطمأنينة، ويخلق حالة دائمة من التوتر والقلق، حتى في حال بقاء المنزل قائما دون تدمير كامل، متابعة أن هذه الحالة من الخوف المستمر تُنهك الأعصاب وتُرهق النفس بشكل كبير.

صورة لاستهداف محيط منزل الفنانة إيمان جمال
صورة لاستهداف محيط منزل الفنانة إيمان جمال

 

وتشير إلى أن الإحساس بالأمان داخل المنزل يتلاشى مع تكرار القصف، حيث يصبح المكان نفسه مرتبطا بالخطر، لا بالسكينة، وهو ما يترك أثرا نفسيا عميقا يفوق في قسوته الأضرار المادية أحيانا، موضحة أن القصف لم يترك زاوية في البيت إلا وأثر فيها، والذكريات التي كانت ترتبط بالمكان باتت محاطة بالخوف والقلق، كما أن العدوان ما زال مستمرا بآثاره النفسية حتى اليوم.

نقص حاد في آليات

في غزة، لا يُقاس الفقد بما تهدم من مبان فقط، بل بما يُسلب من الإنسان داخليا من طمأنينة وأمان، وهي خسارة تظل ممتدة حتى بعد توقف أصوات القصف.
وأعلنت بلدية غزة، أنها تعاني نقصا حادا في آليات وإمكانيات التعامل مع المباني الآيلة للسقوط، مطالبة بالضغط على الاحتلال لإلزامه بوقف إطلاق النار وإدخال الآليات الضرورية.

بيت هُدم مرتين وذاكرة ما زالت تبحث عن ملامحها في جباليا

في مخيم جباليا شمال غزة، لا يحتاج المرء إلى أرشيف أو صور قديمة كي يستعيد الحكايات، فالركام نفسه يتحول إلى ذاكرة مفتوحة، وكل زاوية منه تروي قصة بيت كان هنا ذات يوم، بين هذا المشهد الثقيل، يقف الصحفي الفلسطيني محمود العوضية، لا بوصفه شاهدا على الحدث فقط، بل أحد الذين عاشوا تفاصيله بكل ما فيها من فقد ونجاة مؤقتة وحنين لا ينطفئ.

منزل الصحفى محمود العوضية قبل تدميره
منزل الصحفى محمود العوضية قبل تدميره

 

يستعيد العوضية حكايته مع المنزل كما لو كان يستعيد عمرا كاملا لا مجرد بناء، قائلا :" تم هدم منزلنا مرتين، المرة الأولى كانت عام 2014، وبعدها أعدناه من جديد، حجرا فوق حجر، بجهد طويل وتعب امتد لسنوات، لكن مع بداية الحرب الأخيرة، استُهدف المنزل بشكل مباشر، وكان مبنى مكونا من أربعة طوابق، فدُمر بالكامل".

لم يكن المنزل بالنسبة له مجرد جدران تؤوي العائلة، بل مساحة حياة كاملة تشكلت ببطء بعد نزوحٍ قاس في عام 2014، سنوات من العمل، ومحاولات مستمرة لاستعادة شيء من الاستقرار، انتهت إلى بيت اكتمل أخيرا، ثم لم يلبث أن عاد إلى الركام.


"انتهينا من بنائه تقريبا عام 2019، ولم نهنأ به طويلا حتى دُمر مجددا عام 2023"، هنا يتحدث العوضية عن آلام فقد المنزل وكأن الزمن نفسه لم يمنحهم فرصة كافية لالتقاط أنفاسهم، لكن لحظة الفقد لم تبدأ مع القصف فقط، بل بدأت قبل ذلك بلحظات، حين جاء الاتصال المفاجئ يطلب الإخلاء، فلا وقت للانتظار، ولا مساحة لجمع الذكريات.

منزل محمود العوضية بعد التدمير
منزل محمود العوضية بعد التدمير

 

يصف تلك اللحظات قائلا: " لم نتمكن من إنقاذ شيء تقريبا سوى الهواتف والهويات وبعض الأوراق، جاءنا اتصال مفاجئ من جيش الاحتلال يطالبنا بإخلاء المنزل فورا، فخرجنا في حالة من الذهول والخوف، خاصة على الأطفال، وتوجهنا إلى مراكز الإيواء شمال مدينة غزة".

في تلك اللحظات، لم يكن السؤال ماذا نأخذ؟ بل ماذا نترك خلفنا؟ صور معلقة على الجدران، ملابس، كتب، أجهزة منزلية، وأشياء صغيرة لا يلتفت إليها أحد إلا حين تضيع، يقول العوضية :" كل ما في المنزل كان غاليا علينا، بنيناه بعرق السنين، وبعد معاناة طويلة من النزوح والتشرد، ثم فقدناه بالكامل"

لم يكن المنزل وحده ما دُمر، بل الحي بأكمله تغير ملامحه، وتحول إلى مساحة صامتة من الركام، يقول العوضية :"لم يُهدم منزلي فقط، بل دُمر الحي والمنطقة السكنية بالكامل، أصبحنا جميعا نازحين، نعيش حالة من الفقد المستمر"، لكن خلف هذا الفقد الممتد، تتشعب حكاية أخرى أكثر قسوة، حكاية الغياب الإنساني، فالنزوح بالنسبة له لم يكن انتقالا جغرافيا فقط، بل انفصالا طويلا عن أسرته.

ويضيف :" أمضيت قرابة عامين بعيدا عن زوجتي وأبنائي، متنقلا بين الشوارع والمستشفيات والخيام، عشت فترات طويلة داخل سيارة العمل، وكأن المكان لم يعد يهم"، وفي خضم هذا التشرد، يظل الفقد الأكبر حاضرا بثقله الإنساني"، قائلا :" قدت ثلاثة من إخوتي خلال هذه الحرب، وهذا الألم لا يمكن لأي بيت مهما كان أن يعوضه".

 

ومع ذلك، لا تنتهي الحكاية عند حدود الألم. في غزة، حتى الركام لا يُقرأ كخاتمة، بل كبداية محتملة أخرى، فيقول محمود العوضية :" الحمد لله على كل حال، وسنعود يوما ما لإعادة البناء من جديد، قد تُهدم البيوت، لكن ما دام الإنسان حيا، تبقى القدرة على البدء من جديد ممكنة".

مجازر الاحتلال في غزة
مجازر الاحتلال في غزة

 

البحث عن الألواح الفنية بين الأنقاض

لم تعد العودة إلى المنازل في غزة تعني العودة إلى الحياة التي كانت، بل أصبحت رحلة مؤلمة للبحث عن ما تبقى من الذكريات بين أكوام الركام، هناك، لا يبحث الناس عن الأثاث أو الجدران فقط، بل عن صور العائلة، ودفاتر الطفولة، وشهادات التقدير، والأعمال الفنية، وكل ما كان يمنح المكان روحه.

الفنانة التشكيلية الفلسطينية ميساء يوسف واحدة من هؤلاء الذين عادوا إلى منازلهم ليجدوا أن الحرب لم تترك سوى الرماد، حيث تقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن منزلها تعرض لقصف مباشر بعد أشهر طويلة عاشتها تحت تهديد دائم بالإخلاء، متابعة: "منذ بداية الحرب كنت أعيش في منطقة الخطر، وكنت أتابع الأخبار على أمل ألا أرى منطقتي مرة أخرى باللون الأحمر على خرائط الإخلاء، لكنني كنت دائما داخل المنطقة الحمراء، حيث كان يُطلب منا المغادرة فورا، وفي كل مرة كنا ننجو، إلى أن جاء القصف الأخير".

وتضيف أن المنزل استُهدف بقذائف حارقة، لتخسر نحو 70% منه خلال دقائق معدودة، لم تلتهم النيران الجدران فقط، بل امتدت إلى كل تفاصيل حياتها، فأحرقت الأثاث، والمقتنيات الشخصية، والأرشيف الفني الذي وثق سنوات طويلة من العمل والإبداع، إلى جانب الكاميرا التي كانت توثق بها أعمالها، وجهاز الحاسوب المحمول، وصور العائلة، وكل ما كانت تعتبره جزءًا من ذاكرتها.

وتضيف: "خسرت كل شيء، حتى ما تبقى داخل المنزل لم يعد صالحا للاستخدام"، ورغم الدمار، لم تجد العائلة مكانا آخر تلجأ إليه، فاستقرت في جزء صغير من المنزل المدمر، تفتقد فيه أبسط مقومات الحياة، لا أبواب، ولا نوافذ، ولا جدران آمنة، أما الجدران التي بقيت واقفة فقد أصابتها التشققات، وأصبحت مهددة بالانهيار مع كل قصف قريب.

وتصف ميساء تفاصيل الحياة اليومية داخل المنزل قائلة: "مع كل غارة كانت تتساقط علينا قطع الإسمنت من السقف والجدران، وفي الشتاء كانت المياه تغمر المكان كما لو كنا نعيش داخل خيمة، لأن السطح احترق بالكامل وأصبح مليئا بالتشققات"، لكن أكثر ما يؤلمها لم يكن فقدان المأوى وحده، بل ضياع تاريخها الفني، حيث احترقت شهادات التقدير، والوثائق الرسمية، والمقتنيات الفنية، والنصب التذكارية التي احتفظت بها على مدار سنوات، ولم يبق منها سوى الرماد.

ورغم ذلك، استطاعت أن تنتشل من بين الركام عددا محدودا من أعمالها الفنية، بعدما حمتها كتل الإسمنت المتساقطة من الاحتراق الكامل، إلا أن هذه الأعمال خرجت ممزقة ومثقوبة ومحملة بآثار الدخان والغبار، موضحة أن من بين ما نجا أجزاء من معرضها الفني "أليس في فلسطين"، الذي فقد أجزاء كبيرة منه، شأنه شأن أعمال أخرى سبق أن تعرضت للتلف خلال حروب سابقة، لتجد نفسها تخسر للمرة الثانية جزءا من ذاكرتها الفنية، قائلة: "لم أفقد هذه الأعمال في هذه الحرب فقط، بل فقدت أعمالًا أخرى في حروب سابقة أيضا".

وتختصر ميساء وجعها بكلمات ترى أنها تلخص تجربة آلاف العائلات الفلسطينية التي فقدت بيوتها، فتقول: "لو أردت أن أختصر وجع فقدان المنزل فسأقول: لم أفقد جدرانا وسقفا، بل فقدت قطعة من روحي، في فلسطين، البيت ليس مكانا ننام فيه فقط، بل هو الحكاية التي ولدت معنا، وهوية العائلة، وذاكرة الأجيال، والحق والدليل على أننا ننتمي إلى هذه الأرض".

وتضيف أن تدمير المنزل لا يعني سقوط الإسمنت فقط، بل يعني اقتلاع سنوات طويلة من الذكريات والتفاصيل التي لا يمكن تعويضها، موضحة أن ما جرى كان استهدافا لكل ما يمنح الإنسان ارتباطه بالمكان.

وتتابع: "لقد قال الاحتلال ونفذ أنه لن يترك لنا شيئا نتمسك به هنا، كانت حربا على كل شيء، حتى نرحل ولا نفكر في العودة إلى هذه البقعة المحترقة بالكامل"، ورغم كل ذلك، لا تزال اللوحات التي نجت تحمل بالنسبة إليها معنى يتجاوز الفن نفسه، فكل تمزق فيها أصبح شاهدا على ما عاشته، وكل أثر للحريق تحول إلى وثيقة بصرية تحفظ ذاكرة المكان.

وتضيف: "أما الشيء الذي استطعت إنقاذه، فهو بعض أعمالي الفنية الممزقة، ومنها أجزاء من معرض "أليس في فلسطين"، خرجت من تحت الركام مثقلة بالغبار والتمزق، لكنها بقيت شاهدة على أن الفن يستطيع أن ينجو حتى عندما يحترق كل شيء من حوله، كل تمزق فيها يروي قصة، وكل أثر للحريق يحمل شهادة على ما عشناه، ولهذا أصبحت هذه الأعمال بالنسبة لي أكثر من لوحات، أصبحت ذاكرة نجت من النار".

جانب من تدمير المقتنيات في منزل الفنانة إيمان جمال
جانب من تدمير المقتنيات في منزل الفنانة إيمان جمال

 

جرائم الاحتلال بحق سيدات وأطفال غزة
جرائم الاحتلال بحق سيدات وأطفال غزة

 

منزل الفنانة إيمان جمال بعد الدمار
منزل الفنانة إيمان جمال بعد الدمار

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة