يتجاوز ظهور الإرهابي الهارب محمد ناصر في خطابه الإعلامي مجرد الانفعال أو الرغبة في إثارة الجدل، إذ تكشف طريقة حديثه المتكررة أمام الجمهور عن مجموعة من الأنماط السلوكية التي يمكن قراءتها من زاوية علم النفس، خاصة مع اعتماده على السخرية والسباب والمبالغة في تقديم الذات، إلى جانب مهاجمة المخالفين وتحويل القضايا السياسية إلى مساحة للشحن العاطفي والاستقطاب.
وبينما يفترض بالخطاب الإعلامي أن يقدم المعلومات ويتيح للجمهور مساحة للتفكير وتكوين المواقف، تعتمد بعض الخطابات المؤدلجة على التأثير في المشاعر قبل مخاطبة العقل، فتتحول السخرية إلى وسيلة للهجوم، ويصبح الخصم هدفا للتشويه، بينما تتراجع الحجة والمنطق لصالح الانفعال والتعبئة.
وفي هذا السياق، قدمت الدكتورة أمل الشافعي، استشاري علم النفس، خلال حديثها لـ"اليوم السابع"، قراءة تحليلية لبعض السمات التي تراها واضحة في شخصية الإرهابي الهارب محمد ناصر وطريقة تقديمه لخطابه، مشيرة إلى ما وصفته بـ"النرجسية الفنية"، إلى جانب الاستقطاب الحاد وازدواجية المعايير والاعتماد على الشحن العاطفي والسخرية والسباب.
الشحن العاطفي بدلا من مخاطبة العقل
وقالت الدكتورة أمل الشافعي إن محمد ناصر يعتمد في خطابه على تغذية الجمهور عاطفيا أكثر من مخاطبة عقولهم بالمنطق، موضحة أن هذا النمط من التواصل يجعل الانفعال هو المحرك الأساسي لدى المتلقي، بدلا من ترك مساحة كافية أمامه لفهم القضية وتحليلها بصورة هادئة.
وأضافت أن ما وصفته بـ"النرجسية الفنية" يظهر من خلال الثقة المفرطة والشعور بالتميز، والانحياز الكامل إلى اعتبار الرأي الشخصي هو الأكثر صوابا ورجاحة، إلى جانب توظيف ألفاظ وتعبيرات ذات طابع أدبي في تقديم الطرح السياسي، بما يمنح الخطاب مظهرا يوحي بالعمق والتميز.
السخرية أداة لتفريغ الانفعال
وأوضحت الشافعي أن السخرية تمثل إحدى الأدوات التي يعتمد عليها في خطابه، معتبرة أنها قد تستخدم لتفريغ الشحنات الانفعالية وتحويل النقاش من مساحة الفكرة والحجة إلى مساحة السخرية والهجوم على الطرف الآخر.
وأشارت إلى أن من أبرز السمات التي تراها في هذا النمط من الخطاب "الاستقطاب الحاد"، من خلال تصوير الخصم باعتباره خطرا وجوديا وشيطنته، بما يدفع النقاش نحو الكراهية والانفعال بدلا من الفهم والتحليل.
وأضافت أن هذا النوع من التفكير يقوم على إلغاء المنطقة الوسطى، ووضع القضايا في إطار ثنائي لا يقبل التعقيد، بحيث تصبح الأمور إما بيضاء أو سوداء، وهو ما وصفته بأنه نمط تفكير شديد الحدة في التعامل مع الخلاف.
السباب قناع دفاعي
وقالت استشاري علم النفس إن اللجوء المتكرر إلى السباب والهجوم يمكن أن يمثل، في قراءتها، "قناعا واقيا" يستخدمه الشخص لحماية نفسه من الشعور بالهشاشة أو الضعف، موضحة أن الهجوم المستمر قد يتحول إلى وسيلة لمنع الآخرين من التشكيك في الخطاب أو مساءلة ما يطرحه من أفكار.
وأكدت أن محاولة ترسيخ صورة الشخص باعتباره صاحب فكر وتميز قد ترتبط، وفقا لقراءتها، بالحاجة المستمرة إلى تأكيد الذات وإثبات القيمة أمام الجمهور، خاصة عندما تصبح الصورة التي يقدمها الشخص عن نفسه جزءا أساسيا من خطابه.
النرجسية وازدواجية المعايير
وأضافت الشافعي أن من السمات المرتبطة بالشخصية النرجسية الميل إلى تحقيق الذات عبر الآخرين، إلى جانب ازدواجية المعايير، حيث يصبح الحكم على المواقف مختلفا بحسب الشخص الذي تصدر عنه.
وأوضحت أن هذه الازدواجية قد تظهر في التعامل مع الصواب والخطأ، بحيث يتم قبول السلوك عندما يصدر من الذات أو الجماعة، ورفضه عندما يصدر عن الخصوم، بما يؤدي إلى تناقض واضح في المعايير الأخلاقية والعاطفية وفي مستوى التعاطف مع الآخرين.
غرور وشعور زائف بالجدارة
واختتمت استشاري علم النفس قراءتها بالإشارة إلى مجموعة من السمات التي تربطها بالنرجسية، من بينها الغرور والكبر والشعور الزائف بالجدارة، فضلا عن القسوة وانخفاض مستويات التعاطف، موضحة أن بعض الشخصيات النرجسية قد تتقاطع في بعض خصائصها مع السمات الميكافيلية، خاصة عندما يصبح تحقيق الإشباع الشخصي أو الوصول إلى الهدف أهم من القيم أو الآثار المترتبة على السلوك.