خلف الابتسامة التي أسعدت الملايين، عاش رجل يحارب شياطينه في الخفاء، فنان ساحر رسم الضحكات في قلوب الملايين، بينما كان جسده ينهار ببطء خلف ستار الشهرة البراق، انه النجم العالمي الراحل ماثيو بيري الذى تمر علينا اليوم الـ 19 من أغسطس ذكرى ميلاده، هذا الفنان الذي منحنا شخصية "تشاندلر بينج" الأيقونية في مسلسل Friends، الشخصية التي أصبحت مرادفاً للضحك والكوميديا، لكن خلف كواليس تلك الكوميديا التي هزت العالم، كانت هناك قصة أخرى تكتب بالدموع والمعاناة، قصة معركة وجودية مريرة ضد شياطين الإدمان، ورحلة صعود وسقوط أسطورية، انتهت بفصل أخير ولغز مأساوي هز العالم في خريف 2023، ليبقى السؤال هنا كيف استطاع رجل يمتلك كل شىء، أن يعيش فى عتمة الألم ويغادر وحيداً في أوج توهجه.

ماثيو بيرى
رحلة الصعود السينمائى وظاهرة تشاندلر بينج
بدأت الحكاية في تسعينيات القرن الماضي عندما كان ممثل كندي شاب يدعى ماثيو بيري يركض في شوارع لوس أنجلوس بحثاً عن دور يغير مجرى حياته، ولم يكن يعلم أن نصاً كوميدياً يحمل اسم Friends سيحوله إلى أحد أشهر الوجوه على كوكب الأرض، عندما قرأ بيري شخصية "تشاندلر بينج"، شعر فوراً أن هذا الدور لم يكتب لشخص غيره، حيث أضفى عليه أسلوبه التهكمي الفريد وطريقته المبتكرة في إلقاء النكات المرتجلة، مما جعل الشخصية الأكثر شعبية في العمل بأكمله، ومع قفز أجور الأبطال لتصل إلى مليون دولار للحلقة الواحدة، انفتحت أمام بيري أبواب هوليوود السحرية على مصراعيها، لكن هذا المجد الأسطوري كان يحمل في طياته ضغوطاً نفسية هائلة بدأت تلتهم روحه ببطء خلف الكواليس.

ماثيو بيرى فى مسلسل Friends
الدراما المظلمة وراء كواليس الكوميديا الأيقونية
بينما كان ملايين المشاهدين حول العالم يضحكون بملء قلوبهم على قفشات تشاندلر وحركاته العفوية، كان ماثيو بيري يعيش جحيماً حقيقياً بمجرد إطفاء الكاميرات، حيث وقع في فخ إدمان المسكنات والكحول بشكل مرعب، وقد اعترف بيري في سنواته الأخيرة بحقيقة صادمة وهي أنه لا يتذكر تفاصيل تصوير ثلاثة مواسم كاملة من المسلسل بسبب غياب وعيه المستمر تحت تأثير المواد المخدرة، وهو ما وضح للمشاهدين في التغيرات المفاجئة والسريعة في وزنه ومظهره بين المواسم، هذه المعركة السرية كلفت النجم الراحل ثروة طائلة وأجبرته على دخول مصحات التأهيل أكثر من 15 مرة، فضلاً عن خضوعه لعشرات العمليات الجراحية المعقدة لإنقاذ حياته بعد أن انفجر القولون لديه وكاد يفارق الحياة في إحدى الأزمات الصحية الشديدة.

ماثيو بيرى
إرث التعافي الإنساني وصرخة المذكرات الأخيرة
لم تكن رغبة بيري في النجاة أنانية قط، بل تحول في النصف الثاني من حياته إلى منارة أمل للملايين، حيث أسس مركزاً خاصاً لمساعدة مدمني الكحول والمخدرات، وكان يردد دائماً أنه يتمنى أن يتذكره الناس بجهوده في مساعدة الآخرين على التعافي قبل أن يتذكروه كممثل كوميدي، وفي عام 2022، قرر بيري مواجهة العالم وتعرية ماضيه بالكامل من خلال كتابه الصادم Friends, Lovers, and the Big Terrible Thing، والذى فتح فيه قلبه بشجاعة نادرة لجمهوره، فبدا الكتاب وكأنه تصالح نهائياً مع أحزان الماضى مقدماً رسالة وداع غير معلنة، وفي أكتوبر من عام 2023، صدم العالم برحيله المفاجئ غرقاً في حوض استحمام منزله، لتنتهي حياة رجل قضى عمره يداوي أحزان الآخرين بابتسامته، بينما كان يخوض بمفرده أشرس الحروب ضد شياطينه الداخلية.
ماثيو بيرى