مؤامرات عابرة للحدود.. كيف توظف أبواق الإخوان الإعلام المأجور والشركات الوهمية لصناعة الأزمات وتضليل الرأي العام؟.. قنوات تقليدية وجيوش إلكترونية.. معركة الوعي في مواجهة خطاب الجماعة

الثلاثاء، 18 أغسطس 2026 06:00 م
مؤامرات عابرة للحدود.. كيف توظف أبواق الإخوان الإعلام المأجور والشركات الوهمية لصناعة الأزمات وتضليل الرأي العام؟.. قنوات تقليدية وجيوش إلكترونية.. معركة الوعي في مواجهة خطاب الجماعة الاخوان

كتب عزوز الديب

لم تعد معركة جماعة الإخوان الإرهابية مع الدولة والمجتمع تعتمد فقط على الخطاب السياسي المباشر أو القنوات الفضائية التي عُرفت بها الجماعة خلال السنوات الماضية، وإنما انتقلت إلى فضاء أكثر اتساعًا وتعقيدًا، مستفيدة من التحول الرقمي وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، وما أتاحته من قدرة على إنتاج المحتوى وتداوله بعيدًا عن الأطر الإعلامية التقليدية.

 

وفي هذا السياق، برز نمط من المنصات والحسابات التي تتبنى خطابًا معاديًا للدولة المصرية، وتعمل على إعادة تدوير الرسائل التي تخدم أجندة الجماعة، سواء بصورة مباشرة أو عبر واجهات إعلامية تبدو في ظاهرها مستقلة. وتستند هذه المنظومة إلى أدوات متعددة، من بينها المحتوى المضلل، والاجتزاء، وإعادة نشر الأخبار القديمة خارج سياقها، وتضخيم الأزمات، وصولًا إلى استخدام الحسابات الوهمية لرفع بعض الموضوعات إلى قوائم التداول.

 

من القنوات التقليدية إلى «الإعلام الشبكي»

أدركت الجماعة، مع تراجع تأثير الخطاب التقليدي، أن المعركة الإعلامية لم تعد مرتبطة بالشاشة التلفزيونية وحدها، لذلك اتجهت المنظومة الإعلامية المناوئة للدولة بصورة متزايدة إلى المنصات الرقمية، حيث يمكن الوصول إلى الجمهور بسرعة أكبر، وإنتاج محتوى قصير قادر على الانتشار، خصوصًا بين قطاعات الشباب.

وتكمن خطورة هذا النمط في أن الرسالة السياسية لا تُطرح دائمًا بصورة مباشرة، فقد تأتي في صورة فيديو ساخر، أو تعليق على حدث يومي، أو قصة إنسانية، أو منشور يبدو خبريًا ومحايدًا، ثم يجري توجيه النقاش تدريجيًا نحو استنتاج سياسي محدد، وبذلك تتحول منصات التواصل من مجرد وسيلة لنقل الخبر إلى مساحة لإعادة تشكيل الانطباعات والمواقف، خصوصًا عندما تتكرر الرسالة نفسها عبر حسابات وصفحات متعددة.

 

«الشركات الوهمية».. واجهات جديدة للخطاب القديم

ومن أبرز السمات التي تستحق التوقف عندها ما يُثار حول استخدام كيانات إعلامية أو بحثية ذات طابع تجاري أو حقوقي كواجهات لإنتاج المحتوى وترويجه، ولا تعني صفة «الواجهة» بالضرورة أن الكيان غير موجود قانونيًا، وإنما أن هويته المعلنة قد لا تعكس بالضرورة الجهات أو المصالح التي تقف خلف المحتوى الذي ينتجه أو يروجه، بالإضافة إلى أن هذه   المنصات تعمل من خارج الحدود، بما يصعب على الجمهور التحقق من مصادر تمويلها، أو طبيعة ارتباطاتها، أو آليات إنتاج المحتوى وتوزيعه.

 

وهنا يصبح الوعي بالمصدر عنصرًا أساسيًا في التعامل مع المادة الإعلامية، فوجود موقع إلكتروني أو شركة مسجلة أو مركز بحثي لا يعني تلقائيًا أن كل ما يصدر عنه يتمتع بالاستقلالية أو المهنية.

 

صناعة الأزمة تبدأ من «معلومة صحيحة» أحيانًا

ومن أخطر أساليب التضليل أيضا اختلاق الوقائع من الصفر، وإنما استخدام واقعة حقيقية ثم إخراجها من سياقها، أو تضخيم حجمها، أو تقديمها باعتبارها مؤشرًا على أزمة شاملة، فقد تكون هناك مشكلة اقتصادية حقيقية، أو ارتفاع في أسعار سلعة، أو أزمة في قطاع خدمي، لكن الخطاب الدعائي يحول الواقعة الجزئية إلى سردية كلية مفادها أن الدولة عاجزة تمامًا، وأن كل المؤسسات فاشلة، وأن المستقبل مغلق.

وهنا تكمن قوة «هندسة الأزمة» لا يحتاج صانع الدعاية إلى اختلاق كل شيء، بل يكفيه اختيار أجزاء معينة من الواقع وإخفاء الأجزاء الأخرى، ثم تكرار الرواية ذاتها عبر أكبر عدد ممكن من المنصات.

 

الاجتزاء والفيديوهات القديمة.. سلاح التضليل الأسرع

كما أصبح المحتوى المرئي أحد أهم أدوات التأثير في البيئة الرقمية، وهو ما جعل الفيديوهات القديمة أو المجتزأة أداة فعالة لإعادة صياغة الأحداث، وقد يعاد نشر مقطع صور قبل سنوات باعتباره حدثًا وقع حديثًا، أو يُقتطع تصريح لمسؤول من سياقه الكامل، بحيث تبدو الجملة وكأنها تحمل معنى مختلفًا تمامًا عن الرسالة الأصلية.

 

ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت عملية إنتاج المحتوى المفبرك أكثر سهولة، الأمر الذي يفرض على الجمهور والإعلاميين على حد سواء مضاعفة جهود التحقق من تاريخ الصور ومصدر الفيديو وسياق التصريحات قبل إعادة نشرها.

 

«الذباب الإلكتروني» وتضخيم الوهم

لا تتوقف المعركة عند إنتاج المحتوى، وإنما تمتد إلى محاولة التحكم في انتشاره، حيث تستخدم الحملات الرقمية المنسقة أحيانًا عددًا كبيرًا من الحسابات لإعادة نشر الرسالة نفسها أو التفاعل معها بصورة مكثفة خلال فترة زمنية قصيرة، بما قد يعطي انطباعًا بوجود حالة غضب شعبي واسعة، بينما يكون الحجم الحقيقي للتفاعل أقل بكثير مما توحي به الصورة الرقمية.

وتزداد خطورة هذه الممارسة عندما تتزامن مع حدث حقيقي يشغل الرأي العام، إذ يمكن استغلال الاهتمام الشعبي بالحدث لدفع روايات غير موثقة إلى واجهة النقاش.

 

استهداف الثقة.. الهدف الأعمق

في نهاية المطاف لا تستهدف الحملات التضليلية معلومة بعينها فقط، وإنما تستهدف «الثقة» نفسها، فحين يتعرض المواطن يوميًا لعشرات الروايات المتناقضة، وتنتشر الأخبار الكاذبة إلى جانب الأخبار الصحيحة، يصبح من السهل دفعه إلى حالة من الشك العام: لا يثق في الخبر، ولا في المصدر، ولا في المؤسسة، ولا حتى في قدرته على التمييز بين الحقيقة والشائعة.

وهذه النقطة تحديدًا تمثل جوهر حرب الوعي، لأن إضعاف الثقة المجتمعية في مؤسسات الدولة يمكن أن يتحول من نتيجة للحملة الإعلامية إلى وسيلة لإنتاج مزيد من الاضطراب.

 

الوعي الرقمي.. خط الدفاع الأول

في مواجهة هذه البيئة المعقدة، لا يمكن أن تقتصر المواجهة على الرد على كل شائعة بعد انتشارها، وإنما يجب الانتقال إلى بناء قدرة مجتمعية دائمة على التحقق، ويبدأ ذلك من قاعدة بسيطة تتمثل في عدم إعادة نشر ما لم تتحقق منه، كما تتطلب المواجهة تعزيز منصات تدقيق الحقائق، وإتاحة البيانات الرسمية بصورة سريعة وواضحة، وتدريب الجمهور على التحقق من الصور والفيديوهات ومصادر الأخبار، إلى جانب رفع مستوى الثقافة الرقمية لدى الشباب، باعتبارهم الفئة الأكثر تعرضًا للمحتوى القصير والمكثف.

وتظل الشفافية عاملًا حاسمًا، فكلما كانت المعلومات الرسمية متاحة في توقيت مناسب وبأرقام واضحة، تقل المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها الشائعة، وينخفض تأثير الروايات البديلة التي تستغل غياب المعلومة.

 

المعركة على العقل قبل أن تكون على الخبر

ولكن على الرغم من تغير أدوات جماعة الإخوان الإرهابية، لكن جوهر خطابها الإعلامي لم يتغير كثيرًا، فالفكرة الأساسية لا تزال تقوم على استثمار الأزمات، وتوسيع دائرة الإحباط، وتقديم المشكلات باعتبارها دليلًا على انهيار شامل، مع محاولة ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، لذلك فمواجهة هذا الخطاب لا تتحقق بالمنع وحده، ولا بالردود الانفعالية، وإنما ببناء مجتمع يمتلك أدوات التحقق والتمييز، وإعلام يسبق الشائعة بالحقيقة، ومؤسسات تتعامل مع المعلومات باعتبارها جزءًا من إدارة الأزمات.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة