إمبراطوريات الإخوان من ورق.. كيف صنعت الجماعة إعلاما عابرا للحدود من عناوين افتراضية ومنصات مشتراة وغرف عمليات لتوجيه الرأي العام وصناعة روايات مضللة تتكرر على عشرات المنصات حتى تبدو كأنها صوت الشارع؟

الثلاثاء، 18 أغسطس 2026 04:14 م
إمبراطوريات الإخوان من ورق.. كيف صنعت الجماعة إعلاما عابرا للحدود من عناوين افتراضية ومنصات مشتراة وغرف عمليات لتوجيه الرأي العام وصناعة روايات مضللة تتكرر على عشرات المنصات حتى تبدو كأنها صوت الشارع؟ الاخوان

كتب عزوز الديب


لم تعد آلة الإخوان الإعلامية في الخارج مجرد مجموعة من القنوات التي تبث خطاب الجماعة إلى أنصارها، أو مواقع إلكترونية تعيد نشر مواقفها السياسية، وإنما تطورت على مدار السنوات الماضية إلى منظومة إعلامية عابرة للحدود، متعددة الواجهات والأسماء والمنصات، تتقاطع فيها القنوات الفضائية والمواقع الإخبارية والحسابات الرقمية والصفحات ذات الجماهير المليونية.

 

 

هذه المنظومة لا تقوم فقط على إنتاج المحتوى، وإنما على إعادة هندسة طريقة وصوله إلى الجمهور، فتتعدد الواجهات بينما تتقارب الرسائل، وتتغير أسماء المنصات وتتكرر المفردات، وتظهر حسابات وصفحات وكأنها كيانات مستقلة، و تشير المعطيات التي يتناولها التقرير إلى وجود أنماط من التنسيق وإعادة التدوير تجعل الرسالة الواحدة قادرة على الانتقال بين عشرات المنصات خلال وقت قصير.

 

وهنا تكمن خصوصية الحالة الإخوانية، فالجماعة التي فقدت وجودها السياسي المباشر داخل مصر بعد 2013، لم تتخل عن أدوات الصراع، وإنما نقلت جزءًا كبيرًا من معركتها إلى الخارج، وأعادت بناء حضورها من خلال الإعلام والمنصات الرقمية، مستفيدة من الطبيعة العابرة للحدود للفضاء الإلكتروني وصعوبة ربط المنصات المتعددة بمصدر واحد، فلم تعد المعركة إذن مجرد معركة قناة ضد دولة، وإنما محاولة لبناء بيئة إعلامية كاملة تستطيع الجماعة من خلالها إنتاج الرواية، وتوزيعها، وتضخيمها، وإعادة تدويرها، ثم تقديمها للجمهور باعتبارها اتجاهًا شعبيًا واسعًا.

 

من «منصة إخوانية» إلى شبكة منصات.. تغيير الواجهة وبقاء الرسالة

ومن أبرز سمات الحالة الإخوانية أن الجماعة لم تعتمد على منصة واحدة تحمل اسمها أو تعلن انتماءها بشكل مباشر، وإنما اتجهت إلى تعدد المنصات والواجهات، قنوات فضائية، مواقع إخبارية، صفحات على مواقع التواصل، حسابات تحمل أسماء عامة، ومنصات تبدو في ظاهرها متخصصة في مجالات مختلفة، والهدف من هذا التعدد ليس فقط الوصول إلى شرائح أكبر من الجمهور، وإنما تقليل وضوح العلاقة بين المنصة والجهة التي تقف خلفها.

فالقناة التي تقدم نفسها باعتبارها وسيلة إعلامية مستقلة تختلف في تأثيرها عن صفحة معروفة بانتمائها السياسي، والحساب الذي يحمل اسمًا عامًا يمكنه الوصول إلى جمهور ربما لا يتابع القنوات الإخوانية بصورة مباشرة، وهكذا تتحول الواجهة نفسها إلى جزء من عملية التأثير؛ فالجمهور لا يتلقى الرسالة دائمًا من منصة تحمل شعار الجماعة، وإنما قد تصله عبر طبقات متعددة من الحسابات والمواقع والصفحات التي تعيد إنتاج المضمون ذاته.

 

لندن.. حين يتحول «العنوان» إلى واجهة للإمبراطورية الإعلامية

وتبرز في هذه المنظومة مسألة الشركات والكيانات التي جرى تسجيلها في الخارج خاصة في لندن، باعتبارها إحدى الحلقات التي تحتاج إلى التدقيق عند تتبع البنية القانونية والإدارية للإعلام الإخواني، فبحسب المعطيات محل التقرير، استُخدمت عناوين بريدية افتراضية وخدمات تأسيس الشركات في بناء كيانات إعلامية وتجارية تظهر على الورق باعتبارها مؤسسات قائمة، بينما لا يعكس العنوان المسجل بالضرورة حجم النشاط الإعلامي الذي يرتبط بها.

 

وفي الحالة الإخوانية تحديدًا، تصبح هذه النقطة أكثر أهمية؛ لأن النشاط الإعلامي للجماعة في الخارج يقوم على شبكة واسعة من القنوات والمواقع والشركات والواجهات، ما يجعل تتبع خطوط الملكية والإدارة والتمويل أكثر تعقيدًا من التعامل مع مؤسسة إعلامية تقليدية ذات هيكل واضح، وبذلك يمكن أن يبدو المشهد أمام الجمهور وكأنه مجموعة مؤسسات مستقلة، بينما يظل السؤال الأهم من يملك؟ ومن يدير؟ ومن يمول؟ ومن يحدد اتجاه الرسالة؟.

 

«الإسكربت».. كيف تتحدث منصات الإخوان بأصوات متعددة ورسالة واحدة؟

إذا كان تعدد المنصات هو الواجهة، فإن تنسيق الرسالة يمثل جوهر القوة داخل الآلة الإعلامية الإخوانية، فالمعطيات التي يتناولها التقرير تشير إلى نمط يعتمد على تحديد موضوعات بعينها ومفردات محددة وزوايا معالجة ووسوم يجري الدفع بها عبر عدد كبير من الحسابات والمنصات، بما يسمح بتحويل القضية الواحدة إلى موجة رقمية واسعة خلال فترة زمنية قصيرة، وهنا لا يصبح المهم أن تكون الرواية صحيحة بقدر ما يصبح المهم أن تكون حاضرة في كل مكان.

من قناة إلى موقع، ومن موقع إلى صفحة، ومن صفحة إلى حسابات مؤثرة، ومن الحسابات إلى مجموعات ومنشورات إعادة النشر، تتحرك الرسالة الإخوانية في دوائر متتالية، حتى يصل المستخدم إلى النتيجة نفسها من مصادر متعددة ظاهريًا.

وهذه إحدى أهم خصائص الدعاية الرقمية التي يمكن رصدها في الحالة الإخوانية خلق الإحساس بالتعدد بينما تتقارب الرسالة، فحين يرى المستخدم الرواية نفسها عشرات المرات، قد يتعامل معها باعتبارها حقيقة راسخة أو اتجاهًا عامًا، رغم أن كثافة التكرار لا تمثل في حد ذاتها دليلًا على صحة المحتوى.

 

الجماعة لا تشتري الصفحة.. بل تشتري جمهورًا جاهزًا

الأكثر إثارة في تطور أدوات الإخوان الرقمية هو الانتقال من إنشاء المنصات إلى الاستحواذ على جماهير موجودة بالفعل، فبدل أن تبدأ الجماعة صفحة سياسية من الصفر وتنتظر سنوات حتى تبني قاعدة جماهيرية، تشير المعطيات إلى استخدام أسلوب يقوم على الاستحواذ على صفحات تمتلك أعدادًا ضخمة من المتابعين، خصوصًا في مجالات الرياضة والفن والترفيه والسخرية.

وبمجرد امتلاك الصفحة، يمكن تغيير اسمها وهويتها البصرية ومحتواها تدريجيًا، لتتحول قاعدة المتابعين التي جرى بناؤها لأغراض ترفيهية إلى جمهور جاهز أمام رسائل سياسية، وهنا تتغير المعادلة بالكامل.

 

الجماعة لا تبدأ ببناء الجمهور.. وإنما تبدأ بشراء الوصول إليه

والخطورة أن المتابع لم يختر في الأساس متابعة منصة سياسية إخوانية، وإنما دخل إليها لسبب آخر، قبل أن يجد نفسه أمام محتوى سياسي موجه، وهذه الآلية تمنح الدعاية الإخوانية ميزة إضافية وهي الوصول إلى جمهور أوسع من جمهورها التقليدي، والتسلل إلى مساحات لم تكن متاحة أمام المنصات السياسية المباشرة.

 

من «الإشاعة» إلى «الفبركة».. الذكاء الاصطناعي يدخل ترسانة الإخوان الرقمية

ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، دخلت الحرب الإعلامية الإخوانية مرحلة أكثر تعقيدًا، فلم يعد المحتوى المضلل يعتمد فقط على خبر مجهول المصدر أو صورة قديمة أو تصريح مجتزأ، وإنما أصبح بالإمكان إنتاج صور وأصوات ومقاطع مرئية مصطنعة يمكن توظيفها لتأكيد رواية سبق الترويج لها، وهنا تصبح المشكلة مضاعفة، لأن المحتوى المصطنع لا يصل إلى الجمهور منفردًا، وإنما يمكن دمجه داخل منظومة إعادة النشر نفسها.

 

مقطع مفبرك يظهر على حساب، ثم تعيد منصة أخرى نشره باعتباره مادة متداولة، ثم يأتي موقع ثالث ليتحدث عن «الجدل المثار حول المقطع»، فتتحول المادة خلال ساعات من محتوى مجهول المصدر إلى «قصة إعلامية» كاملة.

 

وهذه الدائرة تحديدًا تمنح الفبركة قوة إضافية، فالمحتوى لا يحتاج إلى أن يكون صحيحًا حتى يحقق هدفه؛ يكفي أن يثير الشك، ويخلق حالة من الارتباك، ويدفع الجمهور إلى تداول الرواية.

 

من القنوات إلى اللجان الإلكترونية.. توزيع الأدوار داخل الآلة الإخوانية

ولا تكتمل الصورة عند القنوات والمواقع وحدها، إذ تمثل الحسابات واللجان الإلكترونية طبقة أخرى من منظومة التأثير، فالحسابات المنظمة يمكنها الدفع باتجاه موضوع محدد، مهاجمة شخصية عامة، إعادة نشر محتوى بعينه، أو تحويل قضية محدودة إلى موضوع واسع التداول.

 

وفي الحالة الإخوانية، لا يبدو الهدف دائمًا إقناع الجمهور المؤيد للجماعة، فهذا الجمهور موجود بالفعل، وإنما تكمن المعركة الأكبر في الوصول إلى الجمهور المحايد أو الغاضب أو المتردد.

 

ومن هنا يأتي توظيف الأزمات الاقتصادية والخدمية، والأحداث السياسية، والتوترات الإقليمية، وتحويلها إلى مواد قابلة لإعادة التدوير ضمن خطاب واحد يستهدف تعظيم الغضب وتقويض الثقة.

 

التمويل والملكية.. الحلقة الأكثر غموضًا في إعلام الجماعة بالخارج

كلما اتسعت شبكة المنصات الإخوانية، أصبح سؤال التمويل والملكية أكثر أهمية، فالقنوات والمواقع والشركات والصفحات ليست كيانات تعمل بلا تكلفة؛ هناك إنتاج، وبث، واستضافة، ورواتب، وإعلانات، وتقنيات، وإدارة، وحملات ترويجية، ما يفتح الباب أمام السؤال عن مصادر التمويل، والهياكل القانونية، والعلاقات بين الشركات المختلفة.

وتزداد أهمية هذا الملف عندما تظهر أسماء شركات متعددة ترتبط بأعمال إعلامية مختلفة، أو عندما تتكرر العلاقات بين كيانات إنتاج وبث ونشر، بما يستدعي فحص سجلات الشركات والملكية والمساهمين والمستفيدين الحقيقيين، بدل الاكتفاء بالأسماء الظاهرة على الواجهة.

كما يجب التمييز بدقة بين ما تثبته الوثائق والسجلات الرسمية، وما تطرحه التحقيقات أو التسريبات، وما يظل مجرد ادعاء يحتاج إلى تحقق مستقل، خصوصًا عند نسبة أدوار مالية أو تنظيمية إلى أشخاص بعينهم.

 

لماذا تحتاج جماعة الإخوان إلى كل هذه الطبقات؟

الإجابة ترتبط بطبيعة مشروع الجماعة الإعلامي في الخارج، فبعد خروج التنظيم من دائرة الحكم المباشر في مصر، أصبح الإعلام بالنسبة إليه أداة لتعويض جزء من الحضور السياسي المفقود، والحفاظ على قواعد التأييد، والتأثير في الرأي العام، وإعادة تفسير الأحداث من زاوية تخدم روايته السياسية، ولهذا لم تعد القناة وحدها كافية.

 

الجماعة تحتاج إلى موقع، وصفحة، وحساب، ومؤثر، وقناة، ومحتوى قصير، ومقطع فيديو، ووسم، وحملة إعادة نشر؛ لأن كل أداة تخدم طبقة مختلفة من الجمهور، وفي هذه البيئة يصبح تعدد المنصات ميزة استراتيجية؛ فإذا أُغلق حساب، بقيت عشرات الحسابات، وإذا فقدت صفحة جمهورها، يمكن الاستعاضة عنها بأخرى، وإذا تراجعت قناة، تستمر الرواية عبر المواقع والمنصات الاجتماعية، فالجماعة الإرهابية تستهدف انشاء منظومة مصممة على أساس الاستمرارية.

 

صناعة الفوضى.. الهدف ليس دائمًا إقناع الجمهور

الأهم أن تأثير الآلة الإعلامية الإخوانية لا يقاس فقط بعدد الأشخاص الذين يصدقون رواية معينة، في بعض الحالات قد يكون الهدف هو إرباك الجمهور أصلًا.

أن يشك المواطن في الخبر الصحيح، وأن يتردد في تصديق التصريح الرسمي، وأن يعتقد أن كل طرف يكذب، وأن تختلط لديه الصور القديمة بالجديدة، والمقاطع الحقيقية بالمفبركة، والرأي بالمعلومة، وهنا تحقق الدعاية جزءًا من هدفها حتى لو لم يصدق الجمهور الرواية الإخوانية بالكامل.

 

في بيئة مشوشة يصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة وتصبح الثقة نفسها هدفًا للهجوم

في النهاية، تكشف الحالة الإخوانية أن الجماعة لم تتعامل مع الإعلام الخارجي باعتباره مجرد أداة لنقل الأخبار، وإنما طورته ليصبح بنية متكاملة لإدارة الصراع السياسي من خارج الحدود.

عناوين قانونية وواجهات متعددة، قنوات ومواقع تحمل أسماء مختلفة، صفحات مليونية يمكن إعادة توظيفها، غرف تنسيق تضخ الرسائل في توقيتات متقاربة، وحسابات تعيد تدوير المحتوى، إلى جانب الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج مواد يصعب اكتشاف تزييفها بالعين المجردة.

كل هذه الأدوات تصب في معركة واحدة: معركة الرواية، فمن يفرض تفسيره للحدث قبل غيره، ومن يكرر رسالته على أكبر عدد من المنصات، ومن ينجح في تحويل روايته إلى «ترند»، يمتلك فرصة أكبر في التأثير على الانطباع العام.

 

المعركة الإخوانية الجديدة.. من السيطرة على المنصة إلى السيطرة على الرواية

ولهذا فإن مواجهة الإعلام الإخواني لا تبدأ من مطاردة كل حساب أو منصة على حدة، وإنما من فهم البنية التي تجعل عشرات الحسابات تبدو كأنها أصوات منفصلة بينما قد تتحرك في اتجاه واحد، ومن رفع قدرة الجمهور على السؤال عن المصدر، وتاريخ المحتوى، وملكية المنصة، والسياق الكامل للخبر.

فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في أن تنشر جماعة الإخوان رواية مضللة، وإنما في أن تنجح في إخفاء مصدر الرواية، ثم إعادة تقديمها للجمهور عبر عشرات الواجهات حتى تبدو وكأنها خرجت من الشارع نفسه.

وهنا تصبح المعركة على الوعي أكثر تعقيدًا من معركة بين قناة وقناة؛ إنها معركة على من يملك القدرة على صناعة الانطباع، وتحديد زاوية النظر إلى الحدث، وتحويل رواية سياسية إلى ما يبدو كأنه حقيقة جماهيرية.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة