«إنى مسافر غدا إلى منوف، ومن هناك أذهب إلى بعض بلاد الدلتا لأتحقق بنفسى من المظالم التى يشكو الناس منها، وأتعرف حالة الأهالى والبلاد، وإنى أوصيكم بضبط الأمن والمحافظة على طمأنينة الشعب، قولوا لهم إنى أحب المسلمين وأعمل على إسعادهم، وعرفوهم إنى قادر على حكم الناس إما بالرضا وإما بالقوة، فبالرضا أكسب الأصدقاء، وبالقوة أسجن الأعداء، وأرجو أن تكتبوا لى دائما عن أخباركم وأن تطلعونى على ما يجرى».
هكذا كتب نابليون بونابرت قائد الحملة الفرنسية على مصر والشام «1798 - 1801» رسالته إلى أعضاء الديوان، قبل أن يرحل من القاهرة نهائيا إلى الإسكندرية فى 18 أغسطس، مثل هذا اليوم، 1799، ومنها يعود إلى فرنسا تاركا قواته وحلمه فى احتلال مصر، حسبما يذكر عبدالرحمن الرافعى فى الجزء الثانى من موسوعته «تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم فى مصر»، مضيفا أن نابليون اتخذ كل الوسائل ليكتم عن الناس مشروع سفره إلى فرنسا، فأشاع أنه سيذهب إلى منوف «محافظة المنوفية» بحجة التفتيش على أحوال البلاد، وكتب رسالته إلى «الديوان» لإخفاء مشروعه الأصلى.
قرر نابليون العودة إلى فرنسا بعد عام من بداية حملته، ويذكر «الرافعى» أسباب هذه العودة، قائلا: «إن فرنسا تحرج مركزها وتعضعضت هيبتها فى البلاد التى فتحتها من قبل، وفى ضوء ذلك عاد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه»، غير أنه فى كتاب «بونابرت فى مصر»، تأليف «ج.
كروستوفر هيرولد»، ترجمة فؤاد أندراوس، يذهب «هيرولد» إلى أسباب أكثر شمولا، قائلا: «لا معنى للسؤال عن دافعه إلى العودة، أهو رغبته فى إنقاذ فرنسا أم فى إنقاذ مستقبله، فدوافع المرء يجب الحكم عليها من واقع خلقه كله، أما بونابرت فهو ينظر إلى نفسه وإلى فرنسا على أنهما شىء واحد، فهو لا يستطيع العظمة بدونها، وهو سيجعلها عظيمة، ومرة قال «إن السلطة خليلتى» ومرة أخرى قال لنفس السائل: «ليس لى سوى غرام واحد، وخليلة واحدة هى فرنسا، ففى فراشها أنام، وهى لم تخنى قط، فإذا احتجت إلى خمسمائة ألف رجل وهبتهم لى»، وفرنسا والسلطة هما اسمان مختلفان من أسماء التدليل أطلقهما على عشيقة واحدة، وفى سبيل الظفر بهذه العشيقة هو الآن موشك على الرحيل عن مصر وترك جيشه، بالضبط كما يدع المحب غراما فى سبيل حب عظيم».
رتب نابليون أوضاع قواته فى مصر قبل رحيله، فقرر أن يخلفه كليبر فى قيادتها، لكن لم يخبره بذلك إلا فى رسالة قرأها يوم 24 أغسطس 1799، أى بعد يومين من تحركه من الإسكندرية فى طريقه إلى فرنسا، وكان من المقرر أن يلتقيا الاثنان فى هذا اليوم، لكن نابليون وحسب الرافعى، سافر فجأة قبل موعد اللقاء بعد أن تلقى رسالة مستعجلة من رئيس أركان حرب حملته يخبره فيها، أن جميع السفن والبوارج الإنجليزية والتركية أقلعت 14 أغسطس من مياه الإسكندرية، وأدرك نابليون فى الحال أن مثل هذه الفرصة قد لا تسنح فى القريب، وإذا تأخر عن السفر فقد تعود السفن الإنجليزية إلى شواطئ الإسكندرية فتشدد الحصار عليها ووقتها لن يستطيع السفر.
ترك نابليون رسائل إلى أعضاء الديوان، وإلى الجيش، وإلى كليبر، يخبرهم فيها بحقيقة سفره إلى فرنسا، وأنه سيعود بعد ثلاثة أشهر مرة ثانية لاستكمال مهمته، ويصف «الرافعى» الرسالة التى تركها إلى كليبر بأنها «وثيقة عظيمة الأهمية، وكتبها بإمعان وتفكير، وصف فيها حالة مصر السياسية وصفا دقيقا، وشرح فيها الخطة التى عهد إلى كليبر باتباعها».
والرسالة مطولة، وأكثر ما يلفت النظر فيها قوله عن المشايخ: «إن من يكسب ثقة كبار المشايخ فى القاهرة يضمن ثقة الشعب المصرى، وليس بين رؤساء هذا الشعب من هم أقل خطرا من مشايخه، لأنهم قوم هيابون لم يألفوا خوض غمار القتال، على أنهم رمز للتعصب ولو أنهم ليسوا متعصبين، فهم من هذه الوجهة يشبهون القسس».
ويقدم نابليون نصيحة أخرى إلى كليبر، قائلا: «اعتقل خمسمائة أو ستمائة من المماليك أو من رهائن العرب ومشايخ البلاد «العمد» وأرسلهم إلى فرنسا ليبقوا بها سنة أو سنتين ليروا عظمة الأمة الفرنسية ويقتبسوا عاداتنا وأخلاقنا وأفكارنا ولغتنا ويعودوا إلى مصر فينشروا هذه المقتبسات بين مواطنيهم».
تحركت السفينة التى تقل نابليون من بولاق بالقاهرة إلى الإسكندرية فى الساعة الثالثة صباحا يوم 18 أغسطس 1799، واختار الحاشية التى ترافقه فى العودة إلى فرنسا، ويذكر «ج. كروستوفر هيرولد» فى كتابه «بونابرت فى مصر»، أن نابليون حرص على أن يكون من هذه الحاشية مملوكه الشهير «رستم رضا» الذى لم يبرحه قط منذ تلك اللحظة حتى عام 1814.