في جريمة مروعة تجرد فيها الجاني من كل معاني الإنسانية وركائز الدين والأخلاق، شهدت منطقة 15 مايو جنوب القاهرة تراجديا أسرية مؤلمة انتهت بنهر من الدماء وسقوط أربعة ضحايا خلال جلسة صلح عائلية خُصصت لإنهاء خلافات زوجية.
ولم تقتصر الفاجعة على المدى الدموي للجريمة البشعة، بل كشفت ملابسات التحقيقات والتحريات عن انحراف فكري خطير للجاني، حيث كشفت اعترافاته وسجلاته عن سقوطه المبكر في فلك الأفكار المتطرفة وشبيهة بمنهج جماعة الإخوان الإرهابية، متخذاً من تحريف الآيات القرأنية وتأويلها وفق أهوائه المغلوطة وسيلة لإسباغ غطاء ديني على سلوكه وتبرير سفك الدماء والتملص من المسؤولية الأخلاقية والجنائية، في سلوك يعكس انتهازية الجماعات الظلامية التي تتخذ من الدين ستاراً لتحقيق مآربها الخسيسة وتجريد الجريمة من بشاعتها.
تبدأت تفاصيل الواقعة عندما سعت أطراف من عائلة طليقة المتهم إلى عقد جلسة صلح عرفية في محاولة لتصفية النزاعات العائلية القائمة بينهما، وإعادة الأمور إلى نصابها حرصاً على مستقبل الأبناء ورغبة في رأب الصدع الأسري، إلا أن الجاني حضر إلى الاجتماع مضمراً الشر، ومحتفظاً بسلاح ناري غير ترخيص، مُظهراً نية مبيتة للغدر والانتقام بدلاً من الاستجابة لمساعي التهدئة.
وفي لحظات معدودة، تحولت أجواء التسامح والمساعي الحميدة إلى ساحة حرب مصغرة، بعدما استل المتهم سلاحه وأطلق وابلاً كبيراً من الرصاص الحي بشكل عشوائي ومباشر صوب الحاضرين، دون أن يفرق بين كبير أو صغير، ودون أن تتحرك في قلبه أي رحمة أمام صرخات الاستغاثة.
وأسفر العنف المفرط عن نتائج كارثية هزت الرأي العام؛ إذ أطلق الجاني النار مباشرة على ابنته لترديها الرصاصات صريعة في الحال في مشهد ينم عن قسوة بالغة وتجرد تام من غريزة الأبوة.
ولم يتوقف شلال الدماء عند هذا الحد، بل امتدت يد الغدر لتطال اثنين من أشقاء طليقته اللذين حضرا لتقديم يد العون ولعب دور الوسطاء في الصلح، بالإضافة إلى زوج ابنة خالة طليقته، ليسقط الأربعة قتلى في موقع الحادث وسط ذهول وصدمة سادت المنطقة بأكملها، فيما خيمت حالة من الرعب والذهول على باقي الحاضرين والجيران الذين هرعوا على أصوات إطلاق النار المكثف.
وعلى الفور، انتقلت الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية وقيادات قطاع أمن القاهرة إلى مكان البلاغ، حيث تم فرض كردون أمني مشدد حول موقع الجريمة لتأمين المسرح وحماية الأدلة.
ونجحت القوات في ضبط المتهم قبل محاولته الفرار، وبحوزته السلاح المستخدم في الجريمة وعدد من الفارغات، وتم تجريده من الأدلة وتحريز السلاح المضبوط وتحويله إلى التحقيق العاجل وسط إجراءات أمنية مشددة.
وكشفت التحقيقات الأوليّة وسجلات المتهم الفكرية عن مفاجآت صارخة حول طبيعة شخصيته ودوافعه، فإلى جانب الخلافات الأسرية والمالية التي تذرع بها، أظهرت اعترافاته السابقة ومدونات أفكاره تبنيه أفكاراً متطرفة ومغلوطة تتقاطع بشكل كامل مع أدبيات الجماعات الإرهابية وفي مقدمتها جماعة الإخوان.
تبين تعمده الاستشهاد بالنصوص الدينية وتفسيرها خارج سياقها الصحيح لخدمة نزاعاته الشخصية وإضفاء مشروعية زائفة على أفعاله العدوانية.
هذا التزييف للوعي والتوظيف النفعي للدين يكشف عن هشاشة أخلاقية وفكر عقائدي مشوه يتخذ من المقدسات ذريعة لتسويق الجريمة واستباحة الأرواح.
وأمرت جهات التحقيق بنقل جثامين الضحايا الأربعة إلى الطب الشرعي لإجراء التشريح وبيان أسباب الوفاة بدقة، وتكليف المباحث الجنائية بسرعة إعداد التحريات التكميلية حول ملابسات الحادث.
كما واصلت النيابة الاستماع إلى شهادات المصابين والشهود من أهالي المنطقة والأقارب للوقوف على كافة تفاصيل اللحظات الأخيرة التي سبقت إطلاق النار.
المتهم يواجه تهم القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وحيازة سلاح ناري وذخائر بدون ترخيص، ليكون عقابه رادعاً عبرة لكل من تسول له نفسه سفك الدماء الزكية والاعتداء على حرمة الأرواح أو التستر خلف الأفكار الظلامية المتطرفة.