لم يكن المريض في ذلك اليوم يفكر سوى في سريره، والطفل في مدرسته، والموظف في مكان عمله، والأسرة في بيتها الذي اعتادت أن تغلق بابه مساءً وهي مطمئنة أن خلفه مساحة صغيرة من الأمان.. لكن في الساعات العصيبة التي أعقبت أحداث 14 أغسطس 2013، تبدلت صورة الأشياء كلها؛ فالمستشفى لم يعد مكانًا للعلاج، والمدرسة لم تعد مكانًا للدرس، ودار الكتاب لم تعد مكانًا للقراءة، والسيارة لم تعد مجرد وسيلة للانتقال، والشارع نفسه أصبح يحمل سؤالًا مخيفًا: من سيكون الهدف التالي؟
ويقدم كتاب «رحيق الاستشهاد» من إعداد الأنبا مكاريوس، أسقف إيبارشية المنيا وتوابعها، توثيقًا تفصيليًا لما جرى خلال هذه الأحداث، ليس فقط داخل الكنائس، وإنما في عدد كبير من المنشآت والممتلكات المدنية، ومنها المستشفيات والمدارس ودار الكتاب المقدس والمتاجر والسيارات والبواخر، إلى جانب وقائع إنسانية تكشف حجم الخوف الذي عاشه المدنيون في تلك الساعات.
من مبنى الجزويت إلى مستشفى الجامعة.. حين خرجت النار من الكنيسة إلى أماكن العلاج
في المنيا، لم تتوقف الاعتداءات عند الكنائس أو المباني الدينية، وإنما امتدت إلى أماكن يفترض أن تكون بعيدة عن أي صراع.
وتوثق الأحداث التوجه إلى مبنى الجزويت وإحراقه، إلى جانب إحراق السيارات الموجودة في المكان. وبعد ذلك تحرك المعتدون شمالًا، حيث وصلوا إلى مستشفى الجامعة، وقاموا باحتلاله وطرد المرضى منه، في محاولة لاستخدام موقع المستشفى في الهجوم على مبنى بندر المنيا المواجه له.
لم يكن المشهد مجرد اعتداء على مبنى؛ فطرد المرضى من المستشفى يعني أن أناسًا كانوا في أكثر لحظاتهم ضعفًا وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مغادرة المكان الذي ذهبوا إليه طلبًا للعلاج، وسط حالة من الفوضى والخطر.
وتشير الوقائع إلى أن المعتدين لم يستطيعوا الاستمرار داخل المستشفى، وغادروه بعد نحو ساعتين من الضرب والمقاومة، قبل أن يكملوا تحركهم شمالًا عبر شارع الحسيني.
وهنا تبدو المفارقة المؤلمة في المشهد: المستشفى الذي يفترض أن يحمي حياة الإنسان أصبح هو نفسه جزءًا من ساحة الخطر.
لم يكن هناك وقت للمرضى لكي يفهموا ما يحدث، ولا مساحة كافية للخوف؛ فالمكان الذي دخل إليه المريض بحثًا عن الطبيب والدواء أصبح مكانًا يجب أن يخرج منه بحثًا عن النجاة.
مدارس بلا تلاميذ.. الإرهاب يقتحم الفصول من النوافذ
من المستشفى اتجهت الاعتداءات إلى مكان آخر أكثر ارتباطًا بالمستقبل: المدرسة.
وتوثق الأحداث مهاجمة مدرسة الأقباط الخاصة، ومدرسة الأقباط الإعدادية، والمدرسة الثانوية، حيث دخل المعتدون من النوافذ، وسرقوا ما استطاعوا حمله، وحطموا ما تبقى، وأشعلوا النيران في العديد من المرافق داخل المدارس.
كانت النوافذ التي اعتاد الطلاب أن يطلوا منها على فناء المدرسة تحمل في ذلك اليوم صورة مختلفة؛ لم تعد مدخلًا للهواء والضوء، وإنما أصبحت طريقًا اقتحم منه المعتدون المكان.
والمدرسة هنا ليست مجرد مبنى من فصول ومكاتب ومقاعد، وإنما ذاكرة أطفال؛ مقعد يجلس عليه تلميذ كل صباح، وسبورة يكتب عليها المدرس، وكتب تحمل أسماء أصحابها، وأدوات مدرسية مرتبطة بأيام الدراسة.
لكن النيران لا تعرف معنى الذكريات.
وحين تعرضت المدارس للاقتحام والنهب والتحطيم وإشعال النيران في مرافقها، لم تكن الخسارة في المبنى فقط، وإنما في الشعور بالأمان الذي يفترض أن تمنحه المدرسة للأطفال.
ومن هنا تتضح اتساع دائرة الاعتداءات؛ فلم يعد الهدف مكانًا دينيًا فقط، بل امتد إلى مؤسسة تعليمية يعيش فيها الأطفال جزءًا أساسيًا من يومهم.
دار الكتاب المقدس.. حتى الكتب وأجهزة العمل لم تسلم من النهب والحريق
وفي شارع ابن خصيب، سجلت الأحداث مشهدًا آخر يكشف اتساع دائرة التخريب فقد تعرضت دار الكتاب المقدس للاقتحام والتدمير الكامل، بعد سرقة ما كان موجودًا بها من أجهزة كمبيوتر وأجهزة كاسيت وDVD وأجهزة تكييف. ووراء هذه التفاصيل المادية حكاية أخرى، فالمكان الذي كان مخصصًا للكتب والعمل والخدمة تحول إلى موقع نهب وتدمير. أجهزة الكمبيوتر التي كانت تستخدم في العمل، وأجهزة التكييف، والأدوات المختلفة، كلها تحولت إلى أهداف.
وهكذا لم تعد الخسائر مرتبطة فقط بما له قيمة مالية مباشرة، وإنما بما تمثله هذه الأماكن من حياة يومية مستقرة.
فالمكتب الذي يفتح أبوابه صباحًا للموظفين، والمدرسة التي تستقبل التلاميذ، والمستشفى الذي يستقبل المرضى، كلها مؤسسات تقوم على فكرة واحدة: أن الحياة يجب أن تستمر بصورة طبيعية.
لكن ما حدث في تلك الساعات كان محاولة لتحويل الحياة الطبيعية نفسها إلى حالة من الخوف.
من المحال إلى الصيدلية.. الشارع يتحول إلى خريطة خسائر
بعد المستشفى والمدارس، امتدت الاعتداءات إلى المحال والمنشآت التجارية، فقد تعرض محل أغابي للأدوات الرياضية للنهب الكامل، كما تعرض محل «عمو إسحق» المقابل له للنهب والتحطيم الجزئي، وتسبب اشتعال النيران في أحد العقارات المجاورة في انهياره بالكامل، ثم تحرك المعتدون شمالًا، حيث تعرضت صيدلية الجامعة للنهب والتحطيم ثم الحرق بالكامل، كما جرى الاعتداء على مجمع القوات المسلحة الاستهلاكي ونهب محتوياته وإشعال النيران فيه، قبل أن تتواصل الاعتداءات في شارع عدنان المالكي، حيث تعرض مبنى جمعية الشبان المسيحيين «الواي» للحرق، بما في ذلك الدور الأول وصالة الاستقبال.
كانت هذه المنشآت بالنسبة لأصحابها والعاملين فيها مصدر رزق وحياة، لكن الاعتداء عليها ترك خلفه خسائر لا يمكن اختصارها في قيمة الأجهزة أو البضائع.
فوراء كل محل صاحب أسرة ينتظر دخله في نهاية الشهر، ووراء كل صيدلية عاملون وأدوية ومرضى، ووراء كل مؤسسة موظفون وأسر.
وعندما تحترق هذه الأماكن، لا تحترق الجدران وحدها؛ تحترق معها تفاصيل من حياة أصحابها.
السيارة أصبحت بطاقة هوية.. «النار» تبحث عن أصحابها
وعلى كورنيش النيل، أخذ المشهد منحى أكثر قسوة، وتوثق الأحداث إشعال النيران في السيارات التي تمكن المعتدون من الاستدلال على هوية أصحابها المسيحيين، ومن بينها سيارتان كانتا أمام مجلس المدينة، وسيارتان أمام مكتبة الطفل.
وهنا تظهر صورة مرعبة أخرى من الأحداث، فالسيارة التي لا تحمل في ظاهرها سوى رقم ولوحة وماركة، أصبحت في نظر المعتدين وسيلة للتعرف على صاحبها.
لم تعد الممتلكات الشخصية محايدة، والمحل لم يعد محلًا، والبيت لم يعد بيتًا، والسيارة لم تعد سيارة وكل شيء يمكن أن يتحول إلى وسيلة للاستدلال على صاحبه، ومن ثم يصبح هدفًا.
وهذه واحدة من أكثر صور الخوف قسوة؛ لأن المواطن لم يعد قادرًا على معرفة ما إذا كانت ممتلكاته ستحميه أم ستكشف هويته أمام المعتدين.
كنيسة الأمير تادرس.. شباب يواجهون النيران بالبطاطين
وفي قلب هذا المشهد، عادت الكنائس لتكون أحد أبرز أهداف الاعتداء.
وتوثق الوقائع الخاصة بكنيسة الأمير تادرس الشطبي أن الاعتداء عليها بدأ بالضرب على أبواب الكنيسة وترديد الشتائم، ثم رشقها بالحجارة، قبل تصعيد الاعتداء بإلقاء زجاجات المولوتوف وإشعال النيران.
لكن في الداخل لم يكن هناك من يقف متفرجًا.
عمال الكنيسة وبعض شبابها حاولوا إطفاء النيران بالبطاطين، بينما كانت زجاجات المولوتوف تتوالى من الخارج، والاعتداء على الأبواب يزداد.
وحين اشتد الخطر، دخل العمال وبعض الشباب إلى داخل الكنيسة، ثم اعتلوا سطحها بعيدًا عن النيران والاعتداءات حتى لا يلحق بهم الأذى.
إنها صورة تختصر حالة الناس في ذلك اليوم:
شباب لا يملكون سيارات إطفاء، ولا معدات متخصصة، ولا وسائل حماية، لكنهم يملكون رغبة في إنقاذ المكان الذي يمثل لهم جزءًا من حياتهم.
الأنبا موسى.. نار امتدت من التاسعة مساءً حتى الثالثة فجرًا
وفي واقعة أخرى، عادت الاعتداءات على كنيسة الأنبا موسى، حيث اقتحم المعتدون البوابة القبلية، ثم حطموا الأبواب الخارجية وأشعلوا النيران داخل الكنيسة.
استمرت النيران من نحو التاسعة مساءً وحتى الثالثة فجرًا، بينما لم تفلح الاستغاثات بقوات الشرطة أو الإطفاء في وقف الحريق، وبعد خمود النيران عاد المعتدون مرة أخرى إلى الكنيسة وسرقوا ما تبقى منها.
ست ساعات تقريبًا بين بداية النيران وانطفائها.
ست ساعات كانت فيها الكنيسة تحت وطأة الحريق، وفي النهاية، لم يكن الرماد هو آخر المشهد، فقد عاد المعتدون بعد انطفاء النيران لسرقة ما تبقى.
وكأن الهدف لم يكن مجرد إشعال المكان، وإنما إفراغه من كل ما يمكن أن ينتفع به صاحبه بعد ذلك.
المريميد.. عندما وصل الإرهاب إلى النيل
ثم يأخذ المشهد منحى إنسانيًا أكثر قسوة على كورنيش المنيا، فبعد الاعتداءات، توجه المعتدون إلى الباخرة السياحية «المريميد»، وكان بداخلها موظفان فقط: أحدهما مسيحي يدعى بيشوي، والآخر مسلم يدعى إيهاب.
لم يتمكن الشابان من الخروج، وأُضرمت النيران في الباخرة، ما أدى إلى وفاتهما واحتراقها بالكامل.
وهنا تتوقف الأرقام.
لم يعد الحديث عن مبنى أو سيارة أو محل، أصبح الحديث عن إنسانين، عن شابين جمعهما العمل، ولم يفرق بينهما اختلاف الدين، ثم جاءت النار لتجمعهما في الموت.
كان يمكن أن يكون إيهاب في مكان آخر، وكان يمكن أن يكون بيشوي في بيته، لكنهما كانا في مكان عملهما عندما وصلت النيران.
وبعد أن تحولت «المريميد» إلى حطام، بقيت قصتهما واحدة من أكثر القصص الإنسانية دلالة على بشاعة ما جرى؛ لأن النار التي حاولت أن تفرق المصريين لم تميز بين مسلم ومسيحي عندما وصلت إليهما.
من المستشفى إلى المدرسة.. ماذا أراد المعتدون أن يحرقوا؟
عند جمع هذه المشاهد معًا، تتضح صورة أكبر من مجرد قائمة بالمنشآت التي تعرضت للاعتداء.مستشفى الجامعة يمثل العلاج.مدارس الأقباط تمثل التعليم. ودار الكتاب المقدس تمثل المعرفة والعمل. والمحال والصيدليات تمثل الرزق والخدمة.
والسيارات تمثل الحياة الخاصة للأسر. والكنائس تمثل العبادة والذاكرة.والمريميد تمثل العمل والحياة اليومية.
ولهذا فإن اتساع الاعتداءات إلى هذه الأماكن يكشف أن الخسارة لم تكن في الحجر فقط، وإنما في محاولة ضرب تفاصيل الحياة نفسها، فكان المريض يريد أن يتلقى العلاج، والطفل يريد أن يذهب إلى مدرسته، والعامل يريد أن يعود إلى منزله، والتاجر يريد أن يفتح محله صباحًا، والشاب يريد أن يذهب إلى عمله، لكن تلك الحياة الطبيعية وجدت نفسها في قلب العنف، وبين النار والنار.. بقيت وجوه مصر الأخرى، ومع ذلك، فإن الصورة لا يجب أن تنتهي عند مشهد الحريق.
فقد شهدت تلك الأحداث أيضًا مواقف لمسلمين وقفوا إلى جانب جيرانهم الأقباط، وأشخاص حاولوا إطفاء النيران، وشبابًا دافعوا عن الكنائس بما استطاعوا، وأسرًا فتحت أبوابها لجيرانها.
وهذه الزاوية مهمة؛ لأنها تضع الجريمة في مكانها الصحيح: جريمة ارتكبها معتدون، وليست حكاية عن مجتمع كامل.
ففي الوقت الذي كان فيه البعض يشعل النار، كان هناك آخرون يحاولون إنقاذ جيرانهم، وفي الوقت الذي كان فيه البعض يبحث عن هوية صاحب السيارة لكي يحرقها، كان هناك من يرى في جاره إنسانًا قبل أي شيء آخر.
وهنا تصبح حكاية مستشفى الجامعة والمدارس ودار الكتاب والبواخر أكثر من مجرد توثيق للخسائر.
إنها شهادة على اللحظة التي حاول فيها الإرهاب أن يدخل إلى كل تفاصيل الحياة، لكنه لم يستطع أن يمحو تمامًا معنى الجيرة، ولا الصداقة، ولا التضامن الإنساني.
من سرير مريض إلى مقعد طفل.. ذاكرة يوم لم تكن فيه النار تعرف حدودًا
بعد انطفاء النيران، بقيت المباني تحمل آثار ما حدث، وبقيت القوائم تحفظ أسماء الأماكن وأصحاب الممتلكات، لكن الأهم أن بقيت ذاكرة الناس.
مريض اضطر إلى مغادرة مستشفاه.
طفل وجد مدرسته وقد تعرضت للاقتحام.
موظف عاد إلى مكان عمله ليجد محتوياته منهوبة.
صاحب محل وقف أمام مصدر رزقه بعد احتراقه.
أسرة رأت سيارتها تحترق لأنها كشفت هوية صاحبها.
وشابان، إيهاب وبيشوي، لم يعودا إلى منزليهما بعد أن احترقت الباخرة التي كانا يعملان بها.
هكذا تكشف أحداث 14 أغسطس وجهًا آخر للمأساة: لم تكن النار تستهدف الحجر وحده، وإنما كانت تقترب من الإنسان في أكثر الأماكن التي يفترض أن تمنحه الأمان.
ومع ذلك، لم تنجح النيران في إطفاء الحياة إلى الأبد.
فالمدرسة يمكن أن تعود، والمستشفى يمكن أن يستقبل مرضاه من جديد. والمحل يمكن إعادة فتحه.والكنيسة يمكن أن تعود إليها الصلاة. أما الذين فقدوا حياتهم، فتظل قصصهم هي الشاهد الأهم.
ولهذا لا تحكي «رحيق الاستشهاد» فقط قصة كنائس احترقت، وإنما تحفظ ذاكرة يوم امتدت فيه النار من الكنيسة إلى المستشفى، ومن المدرسة إلى المحل، ومن السيارة إلى الباخرة.. ثم وصلت في النهاية إلى الإنسان نفسه.